اول حاجه
أول حاجة دقت طعمها في عيد جوازي الخامس كانت طعم الدم لما جوزي ضـ,ـاربني بالقلم لدرجة إن شـ,ـفتي اتفتحت قدام 550 شخص، والمصيبة إن ولا حد في قاعة اتصدم.. الناس كان شكلها مكـ,ـسوف “عشانه” هو، ومتضايقين مني أنا، ومستمتعين بالفرجة زي ما الأغنياء دايماً بيستمتعوا وهما شايفين حد “أقل منهم” بيتدمر.
أنا ما عيطتش.. وده صدمهم أكتر من القلم نفسه.
فضلت راكعة على الرخام الناعم، إيدي على وشي اللي بيحرقني، وبقي مليان طعم دم، وبسمع همس الناس اللي زاد حواليا تحت نجف كريستال تمنه يعيّش عائلات كاملة العمر كله. الفرقة الموسيقية وقفت، الويترات ثبتوا مكانهم، والستات اللي لابسين حرير بيوشوشوا بعض من ورا صوابعهم اللي مليانة ألماظ. أما الرجالة فكانوا مكشرين كأن اللي حصل ده “عطل فني” مش واحد بيضرب مراته.
هاري (جوزي) كان واقف فوق راسي ونفسه عالي ومنآخيره مفتوحة، وفي عينيه الغضب اللي الرجالة اللي زيه بيسموه “ثبات انفعالي” بعد ما يكونوا خلاص فقدوا أعصابهم.
قالي وهو بيجز على سنانه: “إنتي اللي عملتي في نفسك كدة”، كأني أنا اللي أجبرته يضربني قدام المدينة كلها.
رفعت راسي وبصيت له.. 5 سنين وأنا ببلع صوتي، وبصغر نفسي، وبسـ,ـكت عشان أحافظ على جوازة مبنية على كدب.. كل ده اتحرق في ثانية. ما بقاش فيه حزن ولا خوف، بقى فيه هدوء غريب، زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة اللي بتشيل السقوف.
مسحت بقي بظهر إيدي، وقمت وقفت بالراحة. طلعت الموبايل من شنطتي وطلبت الراجل الوحيد في “نيويورك” اللي حبني كفاية لدرجة إنه سابني أغلط وأتعلم.
رد من أول رنة.
قلت له بصوت هادي لدرجة إني اتخضيت من نفسي: “بابا.. تعالى خدني. ارفع الشبكة.”
سكت لحظة، وبعدين قال: “أنا في الطريق.”
قفلت السكة، وهاري ضحك ضحكة صفرا ومستفزة، وبص للناس (المستثمرين والسياسيين) عشان يشاركهم النكتة وقال بصوت عالي: “سمعتوا؟ كلمت باباها!”
الناس ضحكت معاه بقسوة.
كمل هاري وهو بيضحك: “هيعمل إيه يعني؟ هيجي بالعربية الربع نقل المصدية بتاعته قدام الفندق؟ ولا هيعرض علينا يغير زيت للعربيات الواقفة؟”
أنا فضلت باصة له وساكتة.. وهو افتكر إن سكوتي ضعف. وده الغلط اللي كلهم وقعوا فيه.
الحقيقة المستخبية: مين هو “الميكانيكي”؟
الحقيقة كانت بسيطة لدرجة تخوف: أنا عمري ما كنت فقيرة. أمي الله يرحمها كانت البنت الوحيدة لإمبراطور شحن ولوجستيات، وسابت لي ورث وتراست (صندوق ائتماني) متصمم بذكاء وقسوة يخلي قيمته تعدي الـ 2 مليار دولار.
أبويا “ألكسندر” هو اللي كان بيدير شركات الاستثمار الكبيرة دي من ورا الستار. كان ممكن يتصدر المجلات، بس هو اختار يعيش بعيد عن المنظرة، يصلح مواتير قديمة بإيده، ويدير السوق كله وهو لابس قميص كاروهات وشحم في إيده.
كان دايماً يقولي: “فيه نوعين من الأغنياء في نيويورك: نوع عاوز الناس تشوفه، ونوع هو اللي يملك الأرض اللي الناس واقفة عليها.”
حمايا “وينستون” كان من النوع الأول.. بتاع المنظرة.
وأبويا كان من النوع التاني.. اللي بيملك الأرض.
أنا اللي كنت هبلة، حبيت أجرب لو فيه راجل ممكن يحبني من غير ما يعرف فلوسي، فقلت له إن أبويا ميكانيكي (وهو فعلاً بيحب كدة) وإن عليا ديون دراسة. وكنت أنا اللي بصلح لهم كوارث شركتهم من ورا الستار من غير ما يعرفوا.. أنا “المستشار المجهول” اللي وينستون (حمايا) كان منبهر بشغله جداً وما يعرفش إنها “مرات ابنه الشحاتة”.
المواجهة الكبيرة
في الحفلة، وينستون وقف وضرب بالمعلقة على الكأس عشان الكل يسكت. وبدأ يخطب ويتمنظر بشركته وتاريخه، وبعدين بص لي بابتسامة نصر وقال:
“النهاردة بنحتفل كمان بكرم ابني.. هاري من 5 سنين فتح قلبه واتجوز “ستيلا” البنت اللي كانت غرقانة في ديونها وأبويا ميكانيكي بيقضي يومه تحت العربيات والشحم مالي إيده.”
القاعة كلها ضحكت.. وهاري كان بيضحك معاهم وهو فخور بنفسه، ولا كأن كرامة مراته بتتهان.
بصيت حواليا ولقيت 550 وش بيتمسخروا عليا عشان الفلوس علمتهم إن القسوة خفة دم.. وفي اللحظة دي، كل حاجة جوايا اتغيرت
أنا ما قمتش وقفت بتهور ولا بدموع.. الموضوع كان أبرد من كدة بكتير. كان هدوء زي اللي بيسكن في ورشة بعد يوم شغل طويل، كأني بنزل حمل تقيل من على كتافي.
Page: 2
كرسيي عمل صوت “تزييق” عالي على الرخام.. الصوت ده قطع ضحكهم زي السكينة.
كل الوشوش بصت لي. هاري (جوزي) مد إيده بسرعة تحت الترابيزة ومسك معصم إيدي بقوة كأنه بيكسرها، وهو لسه راسم ابتسامة صفرا على وشه.
وشوشني وهو بيجز على سنانه: “اقعدي.. ما تفضحينيش.”
شلحت إيده صباع صباع.. مسكت كاس الشمبانيا وقمت وقفت بكامل طولي.
قلت والهدوء مالي القاعة: “ذكاء تجاري ملوش مثيل يا وينستون (حمايا)؟”
هو اتسمر مكانه.
خليت صوتي يوصل للكل من غير زعيق. سنين وأنا الناس بتستقل بيا علمتني حاجة مهمة: الناس بتسمع بتركيز أكتر لما بكون هادية.
قلت له: “هو ده الوصف اللي هنسمي بيه الـ 12 مليون دولار “فرق ضرايب” اللي أنا دفنتهم لك الشهر اللي فات؟ ولا هنستخدم الوصف ده للحسابات الوهمية اللي برا البلد اللي بتخبي فيها خسايرك عن المستثمرين اللي قاعدين هنا؟ أنا بس بحاول أتعلم “قاموس العيلة” بتاعكم.”
القاعة اتخشبت.. وينستون بص لي كأني بتكلم لغة غريبة.
خدت خطوة بعيد عن الترابيزة عشان الكل يشوفني بوضوح.
كملت: “عشان لو ده تعريفك للذكاء، فأنا متهيألي إن “نيابة الأموال العامة” والمباحث الفيدرالية هيفرحوا جداً بالكلام ده.. خصوصاً لو اتكلمنا عن الإمضاءات المزورة، والمشاريع اللي موجودة بس على الورق، والديون اللي بتخالفوا فيها القوانين وإنتوا بتقدموا شمبانيا مستوردة.”
السكوت كان مرعب.. لدرجة إني بقيت سامعة طنين السماعات.
وبعدين بدأت “الوشوشة”.
الرجالة مالوا على بعض.. الموبايلات بدأت تظهر من تحت الترابيزات. وينستون وشه بقى لونه أصفر. هاري وشه اتغير من ضيق لزهول لرعب حقيقي. وف وسط الصدمة دي، وينستون لقط الأرقام.
هو عارف الأرقام دي بالظبط.
وعرف إن “المحلل المجهول” اللي كان شايل له شغله سنين، هي هي الست اللي واقفة قدامه ولابسة دبلة ابنه.
نطق أخيراً بصوت مهزوز: “إنتي بتعملي إيه؟ اقعدي فوراً!”
ضحكت بهدوء: “بصحح المعلومة بس.”
هاري زق الكرسي لدرجة إنه وقع على الأرض.
مشى ناحيتي والشر في عينيه، بس حتى وقتها افتكرت إنه هيحاول يجرني برا عشان يلم الفضيحة. بس لا.. ده لف للناس، وفرد إيده، ورسم على وشه نظرة “شفقة” مستفزة وقال بصوت عالي:
“يا جماعة، اعذروا مراتي.. هي بتمر بضغط نفسي كبير الأيام دي وعندها مشاكل في صحتها العقلية.. هي مش واعية للي بتقوله، وإحنا هنوفر لها العلاج اللازم.”
دي كانت أكتر لحظة أهانتني طول الليل.
مش عشان كدبته (دي كنت متوقعاها)، لكن عشان السرعة اللي الناس صدقته بيها. الكل ارتاح لما لقوا “شماعة” يهربوا بيها من الحقيقة المرة.. قالوا: “أه، ست مجـ,ـنونة” بدل ما يقولوا “دي حقيقة تخوف”.
قلت بوضوح: “أنا مش مجنونة.”
هاري لف لي، شال الابتسامة، ومسك كتفي بقوة.
نفضت إيده من عليا.
بصيت للمستثمرين وقلت: “أنا المحللة الكبيرة اللي أبو هاري عينها عن طريق شركة “بريكمان” للاستشارات.. أنا معايا كل الدفاتر، كل الإيميلات، كل ورقة مزورة، وكل مليم راح فين.. أنا عارفة الفلوس دي اتسرقت إزاي.”
القاعة ولعت.. دوشة وزعيق في كل حتة.
وفي اللحظة دي.. هاري ضربني بالقلم.
وكدة، والدم مالي بقي، لقيت نفسي بطلب المكالمة اللي قلبت كيانهم كلهم.
مستعد للقفلة التاريخية؟ إيه اللي هيحصل لما الأب “الميكانيكي” يوصل؟
بعد القلم، القاعة كلها بقت زي الجنازة. هاري كان واقفه ونهجه عالي، كأنه خايف من اللي عمله بس لسه مكابر. وينستون كان ماسك طرف الترابيزة وكأنه بيحاول يمنع السقف إنه يقع عليه.
في اللحظة دي، أبواب القاعة الكبيرة اتفتحت.. مش بالراحة، لا، اتفتحت برزعة خلت النجف يتهز.
كل الوشوش لفت ناحية الباب. كنت متوقعة أشوف بابا بقميصه الكاروهات المعتاد، بس اللي دخل كان “ألكسندر” اللي العالم بيعمله ألف حساب. كان لابس بدلة سوداء متفصلة “سافيل رو” قيمتها تشتري نص العربيات اللي واقفة برا، ووراه طقم محامين وحرس كأنهم جيش نظامي.
مشى في نص القاعة بخطوات تقيلة وليها رنة. هاري بلع ريقه ورجع خطوة لورا، ووينستون عينيه وسعت لدرجة إنها كانت هتطلع من مكانها.
بابا وصل عندي، بص لشفّتي اللي بتنزف، وعينيه بقت زي الجمر. مسح الدم بصابعه بالراحة وقال بصوت واطي سمعه الكل:
Page: 3
“أنا قلت لك يا بنتي بلاش تختبري نضافة الناس دي.. لأن الزبالة مهما اتغسلت، بتفضل ريحتها فيها.”
وينستون حاول ينطق، صوته طلع مرعوش: “ألكسندر؟ أنت.. أنت بتعمل إيه هنا؟ وإيه العلاقة بينك وبين “ستيلا”؟”
بابا لف له ببرود يجمّد المايه:
“العلاقة إنك لمست حاجة مش ملكك يا وينستون. والميكانيكي اللي كنت بتضحك عليه، جاي النهاردة عشان يفكك لك “المكنة” الخربانة اللي إنت مسميها إمبراطورية.”
واحد من المحامين ورا بابا طلع ورقة وفتحها:
“بصفتنا الملاك الفعليين لـ 60% من ديون مجموعة وينستون، وبناءً على خروقات قانونية وأخلاقية تم توثيقها بالكامل من قِبل المحللة الفنية للشركة (اللي هي بنتي).. إحنا بنعلن النهاردة الحجز التحفظي على كافة أصولكم، ومن اللحظة دي، أنتم مطرودين من “ممتلكاتنا”.”
هاري صرخ بهستيريا: “ده مستحيل! ستيلا مالهاش حق في مليم واحد.. البرينب (اتفاق ما قبل الجواز) اللي هي مضت عليه يحرمها من كل حاجة!”
ضحكت وأنا سانده على دراع بابا:
“يا غبي.. الاتفاق اللي أبوك خلاه أمضي عليه بيقول “اللي ملكي يفضل ملكي، واللي ملكك يفضل ملكك”.. وأنا فعلاً مش عاوزة ولا مليم من قرفكم. بس اللي إنت متعرفهوش، إن الورث بتاعي هو اللي كان شايل شركتكم من تحت لتحت السنين اللي فاتت كاستثمار “مجهول”.. والنهاردة، أنا قررت أسحب استثماراتي. يعني إنت وأبوك بقيتوا “على الحديدة”.”
وينستون وقع على الكرسي وهو بيحاول يتنفس، والناس (المستثمرين) بدأوا يهربوا من القاعة كأنها سفينة بتغرق، ومنهم اللي بدأ يصور الفضيحة عشان يبيعها للصحافة.
بابا بص لهاري وقال له جملة واحدة قبل ما نمشي:
“القلم اللي ضربته لبنتي.. هتدفع تمنه سنين ورا القضبان بتهمة التزوير والاعتداء. والزيت اللي كنت بتضحك وتفتكر إني بغيره؟ ده كان زيت المكنة اللي هتفرركم كلكم النهاردة.”
خدت شنطتي، ورفعت راسي، وخرجت مع بابا وسط حراسته. وأنا خارجة من “الريتز”، شميت هوا نضيف لأول مرة من 5 سنين.
ركبت العربية الـ “رولز رويس” السوداء اللي كانت مستنية، وبصيت لبابا وقلت له: “هنروح فين؟”
أبويا ابتسم وهو بيعدل كمه وقال: “هنروح نشتري الفندق ده يا ستيلا.. عشان نغير الطقم اللي شغال فيه، وننضف المكان من ريحة الناس دي.”
النهاية.