امي رافضت
أمي رفضت جوازي من ست مطلقة وام لولد عنده سبع سنين اتريقت على حياتي وسخرت مني، بس بعد تلات سنين لما شافت الحقيقة بعينيها.. كانت صدمة….
أبويا سابنا وأنا عندي خمس سنين، ومن ساعتها وأمي ربتني لوحدها. هي كانت من عيلة غنية وصرفت كل اللي وراها واللي قدامها عشان تربيتي؛ بس الحقيقة هي مكنتش بتعمل كدة حنية منها، كانت بتعمل كدة عشان كان عندها “توقعات” ليا.. كنت طول عمري بالنسبة لها “استثمارها” اللي مستنية ربحه. مدارس خاصّة، دروس بيانو، مستقبل هي اللي مخططة له من غير حتى ما تسألني أنا عايز إيه.
من تلات سنين، ولما بقى عندي سبعة وعشرين سنة، عرفتها على الست اللي حبيتها.. “وسام”. وسام ست مكافحة، بتربي ابنها اللي عنده سبع سنين لوحدها، بتشتغل في عيادة دكتور بليل، وبتسوق عربية قديمة وطافحة الكوتة، لا كانت بتتباهى ولا عندها منظر يبهر حد. أمي حتى محاولتش تمثل إنها ست ذوق، قالت لي بمنتهى الجمود وقسوة القلب: “دي جاية وجايبة حمل معاها! أنت كدة بترمِي مستقبلك في الزبالة!” ولما صممت وقلت لها إننا هنتجوز مهما حصل، وقفت ورمت الجاكت بتاعها وقالت لي بكل هدوء: “لو اتجوزتها، متطلبش مني أي حاجة تاني أبداً.. أنت اللي اخترت العيشة دي.”
وفعلاً، عملت اللي في دماغي. نقلت في بيت إيجار صغير، مكنش فيه رفاهية ولا عز بس كان بيتنا ملكنا إحنا. مكنش معانا فلوس كتير بس ربنا كان مبارك في كل حاجة؛
الفواتير مدفوعة، الثلاجة مليانة، والبيت هادي ورايق. هي عمرها ما اشتكت، ولا كانت محتاجة تشتكي أصلاً. بعد كام شهر، ابنها بدأ يناديني “بابا” وبعد سنة من جوازنا ربنا رزقنا بولد تاني وبقي عندنا اتنين ما انا بقيت اعتبر ابنها ابني خليتها تسيب شغلها عسان تراعي الاولاد بس قالتلي هشتغل من البيت سلتها براحتها عشان مبقاش فارض رأيي عليها كفاية انها مستحملة ظروفي وعمرها ما اشتكت بس اللي مكنتش متخيلة انها كانت عايزة تشتغل عسان تساعدني مكنتش محتاج مرتبها كنت بحاول اكفي طلبات البيت علي اد ما اقدر هي كانت بتحط مرتبها في البيت وبتعمل كدة لوحدها من ورايا ومن غير ما اطلب منها بس هي مكنتش عايزة تجرحني كانت دايما بتحسسني اني مكفي البيت وزيادة كانن بتهون عليا وعمرها ما خسستني امي مقصر في حاجة . وكنت في قمة سعادتي معاها
تلات سنين عدوا في هدوء، لحد ما أمي كلمتني الأسبوع اللي فات وقالت لي: “سمعت إن بقى عندك عيلة وخلفت ولد وقادر تشيل المسؤلية لوحدك .. أنا هكون قريبة منك وهعدي عليك بكرة، عايزة أشوف بعيني إزاي قدرت تعمل كدا
جت تاني يوم بعد الظهر، كانت لابسة شيك جداً مفيش غلطة، ونظرتها كلها لوم وحكم عليا. أنا أخدت خطوة لورا وهي بدأت تبص حواليها في البيت، وفجأة، لقيتها بصت قدامها علي الحيطة ومسكت في حرف الباب وهي بتترعش وهمست بصوت ملهوف: “يا خبر.. يا نهار مش فايت.. إيه ده؟
*********************
بصيت لأمي باستغراب، كانت مبرقة وعينيها مش قادرة تتحرك من على ركن في الصالة. وسام كانت لسه طالعة من المطبخ بتنشف إيدها، وبصت لأمي بابتسامة قلقة وقالت: “أهلاً يا طنط، نورتينا.” أمي مردتش عليها، كانت في عالم تاني خالص. “إيه يا ماما؟ فيه إيه؟” سألتها وأنا بحاول أفهم سر الرعب اللي في وشها ده. شاورت بصوباع بيترعش على صورة قديمة محطوطة في برواز بسيط على الرف، صورة لراجل ملامحه كانت قاسية بس باين فيها وسامة السنين.
قالت بصوت مكسور وكأنها بتنازع: “الصورة دي.. الصورة دي بتعمل إيه هنا؟” وسام قربت وبصت للصورة وقالت بعفوية: “دي صورة بابا الله يرحمه، كان دايمًا يقولي إن الصورة دي هي أغلى حاجة سابها له جدي.” الصدمة كانت أقوى من إن أمي تستوعبها، سندت بضهرها على الحيطة وفجأة دموعها نزلت، دموع حقيقية لأول مرة أشوفها في عينيها من سنين. “أبوكي؟ يعني أنتِ.. أنتِ بنت عادل؟”
وسام استغربت وقالت لها: “حضرتك كنتِ تعرفي بابا؟” أمي ضحكت ضحكة وجع مريرة وقالت: “أعرفه؟ عادل ده كان الشخص الوحيد اللي حبيته في حياتي قبل ما أتجوز أبو ابنك.. هو ده اللي أهلي رفضوه زمان عشان كان ‘فقير’ ومعندوش ‘مستقبل’. أنا قضيت عمري كله بحاول أخلي ابني ‘استثمار’ ناجح عشان منتحطش في نفس الموقف، عشان ميتكسرش زي ما قلبي اتكسر.”
بصيت لوسام وبصيت لأمي، الدنيا دارت بيا. الست اللي أمي كانت شيفاها “حمل” و”خراب” لمستقبلي، طلعت هي الامتداد الوحيد للحب الحقيقي اللي أمي عرفته وفشلت تحافظ عليه. أمي قربت من وسام، ولمست وشها بحنان مفاجئ وقالت بصوت واطي: “سبحان الله.. الدنيا دارت وجمعت ابن الاستثمار ببنت الحب. أنا كنت جاية أشوف الخراب اللي أنت فيه يا ابني، بس أتاري الخراب كان في قلبي أنا طول السنين اللي فاتت.” وسام بكت وأمي أخدتها في حضنها، وأنا واقف مذهول وبفكر إزاي القدر رتب كل ده عشان يكسر كبرياء أمي بأحلى طريقة ممكنة.
**********************
أمي فضلت مسمرة مكانها قدام الصورة، وكأن جبل تلج جواها بيسيح فجأة. وسام كانت واقفة مش فاهمة حاجة، بس غريزة الأمومة عندها خلتها تقرب من أمي وتسندها لحد الكنبة. “اشربي مية يا طنط، وحدي الله.” أمي شربت بوق مية صغير وإيدها لسه بتترعش، وبصت لوسام بنظرة تانية خالص، نظرة مكسورة وكأنها بتدور في ملامح وسام على ملامح الراجل اللي ضاع من إيدها زمان.
فجأة ياسين الصغير دخل الصالة وهو ماسك طيارة ورق وبيركض، أول ما شاف أمي خاف ورجع استخبى ورا رجلي. أمي بصت له والدموع مالي عينيها وقالت بصوت واطي: “تعالى يا حبيبي.. متخافش.” ياسين قرب منها بحذر، ولما لمست شعره، بكت بحرقة وكأنها بتعتذر عن كل كلمة وحشة قالتها في حق وسام وابنها. “الولد ده فيه كتير من جده يا وسام.. نفس العينين ونفس الشموخ.”
قامت أمي ووقفت قدامي، مسكت إيدي وبصت لي بكسرة نفس عمري ما شفتها فيها قبل كدة،
لمحة نيوز
وقالت: “أنا اللي كنت هضيع مستقبلك بجد يا ابني.. أنا كنت فاكرة إن الفلوس والمنظر هما اللي بيعملوا بني آدم، بس أتاري الستر والرضا والحب هما اللي بيخلوا للبيت روح. أنا كنت جاية ألومك على اختيارك، بس دلوقت بطلب منك تسامحني إن عيني كانت مغمية.”
اليوم ده مكنش مجرد زيارة، كان ولادة جديدة لعلاقتنا. أمي اللي كانت بترفض “الحمل الزيادة”، بقت هي اللي بتتحايل على وسام عشان تاخد ياسين يبيت عندها. العربية القديمة اللي كانت بتتريق عليها، بقت هي اللي بتركب فيها وتضحك من قلبها وهي رايحة معانا مشاويرنا البسيطة. الدنيا دارت دورتها، وطلعت “الخسارة” اللي أمي كانت خايفة منها هي أكبر “مكسب” دخل حياتنا، والحقيقة اللي شافت الهرجلة فيها مكنتش في بيتي، كانت في قناعاتها القديمة اللي اتهدت فوق دماغها في لحظة واحدة.
*****’**’**********
قعدنا كلنا في الصالة، والسكوت كان هو سيد الموقف، بس مكنش سكوت تقيل، كان سكوت شخص لسه فايق من صدمة عمره. أمي بدأت تحكي لوسام عن ذكريات قديمة، عن عادل اللي كان بيحب الرسم والشعر، وعن الرفض اللي دمر حياتها زمان وخلاها تتحول للست الحديدية اللي كانت واقفة قدامي من شوية.
أمي بصت للبيت المرة دي بنظرة تانية خالص، مكنتش بتدور على ماركة السجاد ولا سعر النجف، كانت بتبص على “ياسين” وهو قاعد في حضني بيسمع حكايتنا، وقالت بصوت هادي: “عارف يا ابني.. أنا طول عمري كنت بحاول أحميك من
الوجع اللي شفته، بس نسيت إن الوجع الحقيقي هو إن الواحد يعيش حياته وهو خايف من كلام الناس.”
قامت وسام وجهزت الغدا، أكل بيتي بسيط بس ريحته كانت مالية المكان دفا. أمي أكلت معانا وضحكت، ضحكة مسمعتهاش منها من سنين، ضحكة صافية مفيش وراها حسابات. ولما جه وقت المشي، أمي وقفت قدام وسام وطلعت من إيدها غويشة دهب غالية أوي، كانت دايماً تقول إن دي أغلى حاجة عندها، ولبستها لوسام وقالت لها: “دي كانت المفروض تبقى ليكي من زمان.. أنتِ مش بس مرات ابني، أنتِ الحتة اللي فاضلة من أغلى ذكرى في حياتي.”
ودعتنا عند الباب، بس المرة دي مكنتش ماشية وهي “بتصلح معطفها” بكبرياء، كانت ماشية وهي بتلتفت وتلوح لنا بإيدها وتبتسم لياسين. وأنا واقف مكاني، ساند على كتف وسام، عرفت إن الحقيقة اللي أمي كانت شافت إنها “فوضى”، طلعت هي النظام الوحيد اللي كان ناقص حياتنا عشان تكتمل.. وإن الاستثمار الحقيقي مكنش في المدارس ولا البيانو، كان في اللحظة دي، لحظة ما البيت بقى فعلاً بيت، والقلوب أخيراً لقت طريقها لبعض.
******************
مر شهر على اليوم ده، والحال اتبدل تماماً. أمي اللي كانت بتبص لساعتها بالدقيقة عشان تمشي، بقت هي اللي بتتصل كل يوم تسأل: “عملتوا غدا إيه؟ أنا جاية أدوق.” العربية القديمة اللي كانت مسمياها “خردة”، بقت تنزل مخصوص تركبها مع وسام عشان يروحوا يشتروا لبس لياسين، وتقعد تضحك وهي بتقول لها: “صدقي يا وسام العربية دي فيها بركة، مكنتش بحس بالونس ده وأنا راكبة المرسيدس لوحدي.”
وفي ليلة، كنا قاعدين بنشرب شاي بلكونة بيتنا الصغير، أمي بصت للسما وقالت لي: “عارف يا ابني؟ أنا زمان كنت فاكرة إن الأم الواجب عليها ترسم طريق ولادها بالمسطرة، بس اكتشفت إن أحلى الطرق هي اللي بنمشيها بقلبنا مش بخوفنا. أنا كنت خايفة عليك من الدنيا، فكنت هضيع عليك الدنيا بجد.” وسام مسكت إيدها وقالت لها: “المهم إننا مع بعض دلوقتي يا طنط، والوجع اللي فات كان هو اللي عرفنا قيمة الراحة دي.”
ياسين طلع من جوه وهو ماسك كراسة رسم، ورسم صورة لينا كلنا، ورسم “جدو عادل” فوق في السما بيضحك. أمي لما شافت الرسمة، عينيها لمعت بدموع فرحة، وأخدت ياسين في حضنها وقالت له: “أنت أغلى استثمار دخل حياتي يا قلب تيتة.”
الحكاية مخلصتش عند الصدمة، الحكاية بدأت بجد لما القلوب اتفتحت. البيت اللي كان في نظر أمي “فوضى”، بقى هو الملجأ اللي بتهرب فيه من زحمة حياتها وكدب المظاهر. وأنا واقف في البلكونة، بصيت لوسام ولياسين ولأمي، وعرفت إن القدر لما بيكسر حاجة، بيبقى عشان يبني مكانها حاجة أقوى وأجمل بكتير.. وإن الحب اللي اتمنع زمان، رجع يعوضنا كلنا في صورة عيلة مكنتش على البال، بس كانت هي دي “الحقيقة” اللي تستاهل نعيش عشانها.
*******************
مرت سنة كاملة، والحياة اللي كانت أمي شيفاها “خراب” بقت هي جنّتها الوحيدة. في عيد ميلاد ياسين الثامن، البيت الصغير كان مليان بناس بنحبهم بجد، مش ناس جايين عشان المظاهر. أمي كانت واقفة في المطبخ مع وسام، بيضحكوا وهما بيجهزوا التورتة، ولأول مرة أشوف أمي لابسة مريلة مطبخ ومنطلقة، بعيد عن البدلات الرسمية والبرستيج اللي كان خنقها.
فجأة، أمي ندهت عليا ودخلتني الأوضة اللي كنا مخصصينها “مكتب” صغير، وطلعت ظرف وحطته في إيدي. بصيت فيه لقيتها أوراق ملكية لشقة واسعة في عمارة هادية، بس المفاجأة إنها كانت باسم وسام وياسين. بصيت لها باستغراب، فابتسمت وقالت لي: “ده مش استثمار يا ابني، ولا ده عز بفرضه عليكم.. دي هدية من جدو عادل لوسام، أنا بس كنت الأمينة عليها لحد ما الوقت الصح يجي. البيت ده بتاعكم، ابنوا فيه ذكريات جديدة بعيد عن أي ضغط.”
وسام لما عرفت، بكت من فرحتها، مش عشان الشقة، بس عشان حست إن أمي أخيراً قبلتها كبنت ليها مش كـ “حمل” زي ما قالت زمان. وفي وسط اللمة، وياسين بيطفي الشمع وهو ماسك إيدي وإيد وسام وأمي، بصيت حواليا وعرفت إن دي النهاية السعيدة اللي بجد.
النهاية مش إننا بقينا أغنياء، النهاية إننا بقينا عيلة حقيقية. أمي اتصالحت مع ماضيها، وسام لقت السند اللي يعوضها عن شقا سنين، وياسين كبر وهو عارف إن عنده “بابا” و”تيتة” بيحبوه من غير شروط. قفلنا باب بيتنا وإحنا متطمنين، والبيت الهادي اللي كان إيجار، سيبناه وإحنا شايلين منه حب يكفينا عمر كامل في بيتنا الجديد.
تمت
بقلم انجي الخطيب
Engy Elkhatib