سر الحزام الجلد حكايات شروق خالد
https://pub285.lamha.news/119090سنة كاملة.. دي المدة اللي طفل صغير قضاها وهو بيدبل ويموت بالبطيء، في قلب واحد من أفخم قصور الزمالك.
لكن محدش لاحظ.. أو بالأصح، محدش استجرأ يلاحظ اللي بيحصل ورا السور العالي والحيطان اللي بتلمع.
الولد كان اسمه ياسين هاني، عنده 8 سنين، وهو الابن الوحيد ل هاني كمال، واحد من أكبر رجال الأعمال في البلد. صاحب إمبراطورية شركات ممتدة من القاهرة للإسكندرية، ياسين كان المفروض يكون عنده كل حاجة، من العز للأمان المطلق.
لبس غالي..
مدرسة دولية مبيفتحهاش غير ولاد الأكابر..
وعربية فخمة بسواق خصوصي مستنيه كل يوم قدام باب المدرسة.
لكن اللي كان ناقصه بجد..
هي الطفولة الطبيعية، الحب والحنية اللي أي طفل في سنه محتاجها.
في يوم، العربية السوداء وقفت قدام المدرسة، السواق نزل وفتح الباب زي كل يوم؛ السواق كان اسمه عم عبده. راجل في الخمسينات، هادي ورزين، بس عينه صقر بتلقط اللي غيره بيطنشوه.
ياسين خرج من باب المدرسة، بس كان بيمشي ببطء غريب.. مش زي كل يوم لما كان بيجري
بنشاط الولاد اللي في سنه.
مجريش على العربية..
مبتسمش لعمه عبده..
حتى زمايله مودعهمش زي ما بيعمل كل مرة.
كان بيمشي خطوات قصيرة وحذرة، كأن كل حركة بتسبب له وجع ميتوصفش بس بيحاول يخبيه بأي ثمن.
عم عبده لاحظ فوراً مالك يا ياسين يا حبيبي؟ إنت تعبان النهاردة؟
ياسين سكت ثواني.. وبص حوليه برعب، كأن خايف حد يسمع اللي هيقوله في خصوصية العربية. ركب وقعد ورا، والباب اتقفل، وبقوا لوحدهم تماماً.
وبصوت واطي جداً، يكاد يكون همس بيقطع السكوت
يا عم عبده..
نعم يا حبيبي؟
ضهري بيوجعني أوي..
عم عبده اتسمر مكانه، وحس بإنقباض في صدره وهو باصص للولد في مراية العربية.
من إمتى الوجع ده يا بطل؟
ياسين وطى راسه بحزن كل يوم بالليل الوجع بيزيد..
مين اللي بيوجعك يا ياسين؟
السؤال لسه مطلعش من بوق عم عبده، إلا وياسين دخل في حالة سكوت مرعبة. إيده قفلت جامد، وكتافه بدأت تترعش، كأن الإجابة على السؤال ده محرمة وخطر على حياته.
عم عبده بص له في المراية، نظرته اتغيرت.. مكنتش نظرة سواق، كانت نظرة أب خايف على ضناه.
يا حبيبي.. ممكن أشوف ضهرك فيه إيه؟
ياسين تردد كتير.. بس في الآخر، هز راسه بموافقة بسيطة.
العربية وقفت في شارع جانبي هادي، بعيد عن فيلا آل كمال بكام شارع. عم عبده طفى الموتور، والجو جوه العربية بقى تقيل ومخنق. لف وبص للكنبة اللي ورا بحذر.
متخافش.. أنا معاك، ومحدش هيقدر يلمسك.
ياسين كان بيترعش بجد، ورفع قميص المدرسة الأبيض بالراحة أوي.
وهنا.. عم عبده حبس نفسه من الرعب.
مش عشان مشافش وجع قبل كدة، بس عشان مشافش قسوة كدة على جسم طفل.
آثار جلد..
خطوط داخلة في بعضها..
عم عبده مكنش عارف يتنفس، وإيده بدأت تترعش من الغل يا ساتر يا رب! مين اللي عمل فيك كدة؟
ياسين نزل قميصه بسرعة، وكأنه هو اللي غلطان أنا آسف.. مكنتش عوز أصدعك بمشاكلي..
الجملة دي قطعت قلب عم عبده زي السكينة لأ! إنت معملتش حاجة غلط.. سامعني؟
ياسين بص له والدموع محبوسة في عينه بس طنط شيرين بتقول.. إني لو بقيت شاطر.. مش هتعاقبني كدة تاني..
دم عم عبده هرب من عروقه.. شيرين المنشاوي. الست اللي المفروض هتتجوز هاني كمال وتبقى ست البيت الجديدة.
نفس الست اللي بتطلع في التليفزيون والمجلات كأنها ملاك؛ شياكة وذكاء، وبتتظاهر إنها بتحب الأطفال والأعمال الخيرية.
هي الوحيدة اللي كانت بتقعد مع ياسين كل ليلة لما أبوه يتأخر في مكتبه في وسط البلد.
هي.. هي اللي بتعمل كدة؟
ياسين مردش بكلمة، بس هز راسه أيوة.
بتضربك بإيه؟
الولد بلع ريقه بصعوبة حزام جلد عريض..
السكوت رجع للعربية تاني، بس المرة دي كان سكوت قبل العاصفة. عم عبده بص من الشباك، كان محتاج ثواني يلم فيهم نفسه عشان ميفقدش أعصابه.. لأنه لو ساب نفسه، كان هيلف ويرجع في اللحظة دي يعمل حاجة يندم عليها.
أبوك يعرف الكلام ده؟
ياسين هز راسه بخوف قالت لي.. إني لو قولت لحد.. هتبعدني بعيد أوي.. في مكان ملوش عنوان ومحدش هيعرف يوصل لي فيه..
طفل عنده 8 سنين.. عايش في رعب إنه يختفي، وهو جوه أغلى فيلا في الزمالك.
العربية بدأت تتحرك تاني.. بس المرة دي، مكنتش رايحة للبيت. دي كانت بداية لسر هيقلب كل حاجة للأبد.
يتبع…
عم
عبده مخدش ياسين على الفيلا، طلع بيه على الصيدلية الأول. اشترى مراهم وشاش وهو قلبه بيتعصر، وبدأ يدهن لجسم الولد اللي كان بينكمش من اللمسة.
ياسين، اسمعني يا حبيبي.. أنا مش سواق عندك من النهاردة، أنا أبوك. والست دي مش هتقدر تلمس شعرة منك تاني، بس لازم تساعدني.
ياسين كان بيعيط بصوت مكتوم هتمشيني؟ هتبعتهالي؟
عم عبده بص في عينه بثبات وحياة شيبتي يا ابني، لآخد لك حقك تالت ومتلت.
عم عبده كان عارف إن هاني بيه راجل مشغول ومبيصدقش غير اللي يشوفه بعينه، وشيرين دي كانت مسيطرة وممثلة شاطرة. لو دخل قال له خطيبتك بتضرب ابنك، هاني بيه هيمشيه ويجيب سواق غيره، وياسين هيفضل لوحده مع الوحش.
روّحوا الفيلا. . وياسين دخل أوضته مرعوب. شيرين كانت قاعدة في الصالة، لابسة طقم شيك وبتقرأ مجلة، وبصت لعم عبده بقرف اتأخرتوا ليه يا عبده؟
رد بهدوء الزحمة يا ست هانم.
بالليل، عم عبده استنى لما هاني بيه رجع من المكتب. وبدل ما يروح ينام، دخل مكتبه.
يا هاني بيه.. أنا بقالي معاك ١٠ سنين، وعمري ما طلبت منك حاجة.. بس النهاردة أنا بطلب منك عشر دقايق من وقتك، وتشوف حاجة في الكاميرات اللي أنا ركبتها في عربية ياسين.
هاني استغرب عربية ياسين؟ أنت ركبت كاميرات ليه؟
عم عبده مكلمش، طلع الموبايل وشغل التسجيل بتاع العصر.. صوت ياسين وهو بيقول ضهري بيوجعني، وصوته وهو بيحكي عن الحزام الجلد والرعب من شيرين.
هاني بيه ملامحه اتغيرت.. الهدوء اللي كان فيه قلب لعاصفة. أنت متأكد من اللي بتقوله يا عبده؟
عم عبده قال له ياسين فوق في أوضته، اطلع وشوف ضهره بنفسك.. بس يا ريت من غير شوشرة، عشان شيرين هانم متعملش حسابها.
هاني طلع أوضة ابنه، وياسين كان نايم بس بيئن في حلمه. لما هاني رفع القميص وشاف المنظر، عينيه دمعت من القهر.. ابنه الوحيد بيتعذب تحت سقف بيته وهو مش داري.
نزل هاني الصالة.. كانت شيرين لسه قاعدة بتشرب قهوة. دخل عليها وشده من شعرها ورمى الموبايل قدامها ده اللي بتعمليه في ابني يا شيرين؟ ده الحب اللي بتوزعيه في التليفزيون؟
شيرين انصدمت، حاولت تمثل هاني! أنت بتصدق السواق؟ ده ولد كداب..
قاطعها قلم لف وشها السواق ده أشرف منك ومن عيلتك كلها.. السواق ده هو اللي حمى ابني منك.
هاني طلب البوليس في ساعتها، وعم عبده قدم تسجيلات تانية كان سجلها لشيرين وهي بتزعق للولد في الجنينة. شيرين اتجرجرت بملابس السهرة بتاعتها على البوكس، والفضايح ملت المجلات اللي كانت بتتصور فيها.
هاني بيه قعد على الأرض وحضن ياسين، وعم عبده كان واقف بعيد بيمسح دموعه. هاني بص لعم عبده وقال له أنا كنت فاكر إني بشتري لابني أمان بالفلوس.. طلعت بشتري له جحيم. لولاك يا عبده، كنت خسرت ابني.
من اليوم ده، عم عبده مابقاش مجرد سواق.. بقى هو الخال وصاحب البيت، وياسين رجع يضحك تاني، والفيلا اللي كانت سجن.. بقت أخيراً بيت.
تمت.
سر الحزام الجلد
حكايات شروق خالد