عمها 1

الفصل الأول
****

أشتد هبوب الرياح هذه الليله كما أذاعت عنه نشرات الأخبار عبر جميع القنوات المحلية.
بدأت الأمطار في هطولها تُصاحبها أصوات الرعد ووميض البرق
– اقفلي الشباك كويس يا ليلى ، اه ضهرك وجعني خلاص انزلي بقى
هتفت بها زينب المنبطحة أرضاً، فاسرعت ليلى بالهبوط حانقة من تذمرها ، فلما تقطع عليها لحظات تأملها.. هي تعشق هذه الأجواء، تشعر وكأن حياتها تشبهها
ألم يروا في أفلام السينما التي تحكي عن معاناتهم إنهم يجدوهم بهذه الليالي الممطرة ملقون في الطرقات بعدما تتركهم من أنجبتهم نادمة على خطيئتها

– طبعا عشان أنتِ الطويلة لازم تتطلعي فوق ضهري وتقفلي الشباك

تمتمت بها زينب متذمرة، فمنذ أن كانوا صغار وهذه هي مهمة كل منهن.. أحداهن تجثو على ركبتيها منبطحه والأخرى تصعد فوق ظهرها لتتولى المهمة

– اعملك إيه ما أنتِ قصيرة
– كفايه رغي مش قفلتوا الشباك خلونا نعرف ننام

رمقتها ليلى بنظرات ماقته، فتلك العلكة كما تنعتها دوماً ما تثير حنقها

– أهي اكتر واحده هرتاح منها بعد ابله كريمه .. يا ساتر أمتى بقى الأيام تعدي وأخرج للدنيا واروح لعمي المليونير اللي فاكر إنه اتخلص مني

وسرعان ما كانت تدس يدها في المكان الذي تخفي فيه تلك الورقة التي اعطتها لها السيدة إنعام قبل تقاعدها

– من أثرياء البلد ورميني في ملجأ، أكيد مراتك القرشانه زي ما بشوف في الأفلام هي اللي اجبرتك، تفتكري يا بت يا زينب هيتحطوا قدام الأمر الواقع ويقبلوا بيا ولا هيطردوني.. بس أنا مش هسيب حقي وهفضحهم، مبقاش ليلى إلا لو أخدت حقي منهم..

توقفت ليلى عن الحديث وقد أسرعت زينب بضمها باكية، فكلما تذكرت أن ليلى ستغادر عن قريب وتتركها بمفردها تشعر بالرهبة، هي من دون ليلى لا شئ

– متخافيش يا زينب اطلع أنا بس واظبط أموري واجي اخدك تعيشي معايا في قصر عمي عزيز باشا

– يا بختك يا ليلى إن ليكِ أهل

دمعت عينين زينب تتذكر ما أخبرتها به السيدة إنعام عن أهلها، فهي أتت لهنا بعد حدوث حادث لوالديها وموتهم ، والدتها كانت يتيمة الأم هربت من منزل والدها حتى تتخلص من قسوة زوجة أبيها أما والدها فلم يكن إلا رجلاً فقيراً يتيم الأبوين..
معلومات كانت تُحاول جاهدة معرفتها السيدة إنعام عن كل طفله تتدخل الدار حتى تُخبرها بتلك التفاصيل حينا تكبر فلا تظن نفسها إنها أتت من خطيئة لا تُغفر وتعيش طيلة حياتها بهذا العار الذي لا يغفره المجتمع

– خلصنا من الشباك دخلنا في الدراما، إحنا شكلنا مش هنام في الليلة ديه

هتفت بها صابرين بعدما سحبت رأسها من أسفل وسادتها حانقة

– شكلك عايزه تتخانقي يا صابرين، ما الكل نايم اه ومحدش بيتكلم إشمعنا أنتِ اللي بتتكلمي

نظرت صابرين حولها. فالكل غافي فوق فراشه

– أه أنا بتلكك يا ست يا ليلى و عايزه اشوف هتعملي إيه
– بلاش يا ليلي

أسرعت زينب في جذب ذراع ليلى فهي تعلم أن صابرين تحاول إستفزازها كالعادة

– خليني أعرفها مقامها، هي اللي بتجر ديماً شكلي.. تكونش الدار من أملاكها، فيها إيه لم نتكلم كلمتين.. ما تحط المخده فوق راسها وتنام ولا لازم تاخد علقة كل يوم تلات.. اوعي أيدك يا زينب خلينا أنولها ليها

دفعت ليلى ذراع زينب عنها، فاسرعت صابرين بالوقوف فوق فراشها تطرق كفيها ببعضهم

– تعالي يا بتاعت الأملاك، قال عمي من أثرياء البلد.. هما الأثرياء برضوه بيرموا عيالهم على الرصيف.. أكيد أمك كانت من الشارع عشان كده اتخلصوا منك و رموكي في ملجأ

– والله لأجيبك من شعرك، أنتِ غيرانه مننا عشان مالكيش أصل ولا فصل ولا حد يعرف مين أهلك

احتقنت ملامح صابرين بالحقد واندفعت صوبها هي الأخرى، ليشب بينهم شجار وسرعان ما كان الجميع يستيقظ وينقسم العنبر لفريقين

أندفعت السيدة كريمه لداخل الغرفة بعدما وصلها صوت صراخهم وأيقظها من نومتها الهنيئة.
وضعت صافرتها بين شفتيها تُصفر بها حتى يتفرقوا عن بعضهن ،
تراجعوا الفتيات خوفاً من عقاب السيدة كريمه ولم يبقى إلا ليلى و صابرين وكل منهن تنتف للأخرى شعرها

– ليلى، صابرين قولت أبعدوا عن بعض لأحسن اخلي جسمكم يعلم بالخرزانة

حاولت زينب جذب ليلى حتى لا تنال هذا العقاب ولكن السيدة كريمه نفذت عقابها.
طالعتعم السيدة كريمه بعدما تكومت كل واحده منهن جانباً تتحسس جسدها من شدة الألم

– عايزه بكره أشوف وشي في بلاط الدار، وده عقاب العنبر كله فاهمين
والجواب كان كالعادة حاضر على ألسنتهم
– فاهمين
……

ترنح في خطواته يُحاول السير ببطْء يلتف حوله خشية من أن يكون مستيقظ حتى هذه الساعه، ولكن صعوبة الجو اليوم والظلام الذي يحتل غرفة مكتبه يؤكد له إنه بالتأكيد غفا منذ وقت طويل ولن ينال تلك المحاضرة التي ينالها يومياً.

صعد الدرجات يُدندن بذلك اللحن الذي مازال ملتصق بأذنيه, وتوقف أعلى الدرج يحك رأسه يُحاول تذكر الممر المؤدي لغرفته
دارت عيناه بين الطرقتين، ينظر لجهة اليمين ثم جهة الشمال

– يمين ولا شمال.. شكل السيجارة المرادي كانت فعلا متكلفه زي ما قالي رمزي.. أنا هختار جهة اليمين

تعالت قهقهته وسرعان ما كان يضع يده فوق شفتيه يكتم صوته خشية من إستيقاظ عمه “عزيز”

فتح باب غرفته زافراً أنفاسه براحة، فلم يكن عمه مستيقظًا هذه الليلة كعادته

– هنام النهاردة من غير محاضرة كل يوم
ولكن سرعان ما كان يتراجع للخلف ينظر نحو صاحب تلك العينين وقد وقف يقعد ساعديه أمام صدره يحدقه بنظرات جامده

– عمي عزيز
– نفسي تطلع راجل مره وتصدق في كلمتك.. لكن هقول إيه عجباك حياة السكر والعربدة

أقترب منه عزيز يرمقه بخزي، فمهما حاول على إصلاحه لا ينصلح حاله ويعود لرفقة السوء

– قولي بتستفاد إيه وأنت راجع بتطوح ومش قادر تسند طولك

اطرق سيف رأسه هاربًا من نظراته

– ارفع راسك وقولي بتعمل كده ليه، ليه مش عايز تكون راجل.. ليه كل يوم عايز تثبتلي إني معرفتش احافظ على الأمانة

رفع له عزيز رأسه تقتحمه مشاعر الغضب، لقد خاب في تربيته ولكن متى حدث ذلك هو كرس له حياته، لم يتزوج من أجله فلم يرد له أن يعيش نفس المأساة التي عاشها هو و شقيقه سالم ، لقد اذاقتهم زوجة أبيهم الذل والمرارة حتى كبروا
لا يتذكر إنه عاش طفولة تُذكر , فلم يرضى له أن يعيش ما عاشه

– أوعدك يا عمي
– أوعى تقول كلمه وعد تاني يا سيف، لأن وعد الرجاله كلمة سيف على رقبتهم

كانت الكلمات تخترقه كالعادة تؤثر به ، يقسم داخله أنه لن يخذله ثانية ولكن كل شئ يضيع حينا يجتمع برفقائه
– هات مفتاح العربيه ومحفظتك، ما دام مش هتتعدل يبقى هتتحرم من كل الرفهيات

مدَّ عزيز له كفه حتى يُعطيه ما أمر به، لم يتردد سيف في اعطائه مفتاح سيارته وبطاقته البنكية.. فالعقاب لن يستمر إلا بضعة أيام ثم سيعيد له كل شئ.

قبض عزيز بقوة فوق مفتاح السيارة والبطاقة البنكية مغادراً غرفته ولكن توقف مكانه واستدار إليه

– كلامنا مخلصش
سقط سيف بجسده فوق الفراش نافضًا عن عقله كل ما دار منذ لحظات.

اقترب عزيز من نافذة شرفة غرفته يرفع عيناه نحو السماء التي مازالت مبلدة بالغيوم رغم توقف هطول الأمطار وكأنها تُنبأ بسقوط الأمطار مرة أخرى.

اقتحمت ذاكرته تلك الليله المريرة التي ودع بها شقيقه يشعر بفوائده يعتصر
من الألم ينظر نحو الخاتم الفضي العتيق

” وصيتي سيف يا عزيز، اوعاك تدهولها تربي ”
……

دلف العم سعيد بصنيته التي يعلم ما يضعه عليها تماماً، فنجان من القهوة السادة وكأس من الماء.
العم سعيد ذلك الرجل الذي التقى به منذ ما يُقارب الخمسة عشر عاماً بعدما أتى باحثًا عن شقيقه سالم

عاد ذلك اليوم لذاكرته، يتذكر تلك اللحظه التي دلفت فيها الخادمة مكتبه وقد جلس مطرق الرأس يشعر بأن الهموم ثقلت فوق كاهله، سالم كان يحمل عنه الكثير من الأعباء، سالم كان الاب والأخ والصديق، شقيقه الذي عاش عمره كله يركض وراء لقمة العيش حتى يجعله يعيش حياة مرفهة ليس بها حرمان كما حرموا في طفولتهم وبلا حوجة وألم , ولكن حينا منحت الحياة شقيقه ما سعى له رحل تاركاً له أمانته في صغيره

– في واحد مصمم يقابل سالم بيه

تمتمت بها الخادمة واسرعت في طرق رأسها وتابعت

– شكله راجل بسيط وعلى أد حاله، باين عليه من الناس اللي كان سالم بيه بيعطف عليهم

كانت ملامحه جامده وكأنه بات كاللوح من الجليد، فتح درج مكتبه وأخرج المال يمدَّه للخادمة

– قوليله شهريتك محفوظه زي كل شهر

اخذت منه الخادمة المال وانصرفت تفعل ما أمرها به، فمنذ وفاه السيد الكبير والكثير يتوافدون على المنزل ليأخذوا معونتهم الشهريه بعدما وصل إليهم وفاته يخشون إنقطاع شهريتهم.
إنخرط العم سعيد في بكاء مرير، وقد فهم أخيراً كلمة أن السيد ليس موجود، فقد رحل الرجل الوحيد الذي عطف عليه دون أن يشعره بفقره ، رحل الرجل الذي رأى عزة نفسه ورفضه لأخذ المال ما دام لا يتناول شئ من عربة الكبده خاصته.

خرج عزيز من غرفة المكتب التي كانت لشقيقه، بعدما عادت الخادمة إليه مهرولة تخبره أن الرجل سقط أرضًا يبكي على رحيل السيد سالم.

فاق عزيز من شروده على صوت فنجان القهوة والعم سعيد يضعها أمامه

– الساعه لسا سته ونص وأنت كعادتك بتنزل من أوضتك الساعه تمانيه
– معرفتش أنام يا عم سعيد

طالعه العم سعيد بحزن مشفقًا عليه ، من لا يعرف هذا الرجل يظنه يعيش حياته في راحه لا تنتهي

– شايل ليه الهموم على كتافك، هونها على نفسك يا بيه

زفر عزيز أنفاسه والتقط فنجان قهوته يرتشف منها القليل
– الأمانة صعبه يا عم سعيد
– سيف بيه كبر خلاص محاوطتك ليه الزياده هي اللي مخلياه عايز يتمرد عليك وعلى حياته، اقولك على حاجه ما تجوزه يا بيه يمكن حاله يتصلح

لفظ العم سعيد عبارته ينتظر أن يرى الاستحسان فوق ملامح رب عمله
تقوست شفتي عزيز قليلاً لترتسم فوق شفتيه ابتسامة خفيفة

– أنت عارف إن مستني اليوم ده أد إيه يا عم سعيد، لكن سيف لسا طالب في الجامعه

توقف عزيز عن الحديث يزفر أنفاسه وقد غامت عيناه بحزن يتذكر بشوق وحنين شقيقه الأكبر سالم.

وضع العم سعيد يده فوق كتفه يبتلع هو الأخر غصته ويخفي حزنه على ذلك الرجل الذي لم ينساه يوماً في دعائه

– أنت حفظت على الأمانة كويس يا بني، وسيف بيه بقى راجل لولا بس صحاب السوء

وأسرع في رفع يديه داعياً له

– ربنا يهديك يا سيف وينور بصيرتك

امتدت كف عزيز فوق كف العم سعيد رابتًا فوقها , فتابع العم سعيد دعائه داخل نفسه يأمل أن يرى لهذا الرجل ذرية تُفرح قلبه وأمرأه تنير عتمة هذا المنزل

…….

دمعت عينين زينب وهي ترى ليلى تجمع أشيائها القليله داخل الحقيبة الصغيرة ، فقد انتهت الفترة القانونية لبقائها بالدار

– متخافيش يا زينب أنا رجعالك تاني، هظبط حياتي وأجي اخدك

ازداد بكاء زينب، فكيف لها أن تتخيل حياتها دون ليلى

– خليني أخرج معاكي يا ليلى، أنا مش عايزه اقعد في الدار من غيرك

وبنظرة خائفة دارت عينين زينب بالمكان تشعر أن الجدران بدأت تضيق عليها

– اليوم اللي هتخرجي في من الدار هتلاقيني مستنياكِ قدام الباب

ابتلعت زينب غصتها واسرعت في مسح دموعها، فقد وعدتها ليلى أنها لن تنساها ولن تتركها وحيدة كما وعدتها وهم صغار.

غادرت ليلى الملجأ تنظر نحو الظرف الذي به بعض المال ليساعدها في أيامها القادمة.

التفت ليلى بجسدها حتى تودع زينب على وعد باللقاء مرة أخرى.

بخطوات ثقيلة اكملت خطواتها، تتذكر حديث السيدة إنعام معها في أخر لقاء بينهم كانت إدارة الملجأ تحت إشرافها وها هي ذكرى اليوم تعود وتقتحم عقلها
– أنتِ عارفه يا ليلى أد إيه أنا بحبكم وكل بنت في الدار بعتبرها وكأنها بنتِ

وقفت ليلى بترقب تنظر نحو السيدة إنعام بعدما أزالت عويناتها عن عينيها

– أنتِ جيتي الدار هنا يا بنتِ وأنتِ عمرك أربع سنين، نفس اليوم اللي مسكت فيه إدارة الدار

شردت السيدة إنعام في ذلك اليوم بكل تفاصيله وكأنه لم يغيب عن عقلها ،
رجلاً يخرج من سيارته ينظر حوله هنا وهناك وكأنه يخشى أن يراه أحداً يحمل طفله صغيره تضع بفمها احدى قطع الحلوى وترتدي فوق رأسها قبعة من الصوف، طفلة بأعين زرقاء وملامح شقراء جميلة ،
ينحني ليضع الطفله أمام بوابة الدار بعدما تأكد من عدم رؤية احد له ثم أسرع في تعليق حقيبة صغيره فوق جسدها وضع داخلها أوراق تثبت نسبها

– أنت بتعمل إيه هنا، وبنت مين ديه

هتفت بها السيده إنعام مذهوله مما رأت , فكانت تسير حول مبنى الدار ولكن الرجل غادر سريعاً المكان تاركاً الطفله تنظر نحو السيارة تاركًا لها في ذهولها.

فاقت السيدة إنعام من شرودها تتذكر تلك اللحظة التي علمت فيها الحقيقه عن هذه الطفله، فمن تركها أمام دار الأيتام عمها الغير شقيق , فبعدما توفت زوجة شقيقه وقد لحقت بشقيقه بعد عامين , تاركة طفلتها أمانه في رقبته ولكن هو لا يستطيع أن يجعل الطفله تعيش لديه، فالغيرة تحتل فؤاد زوجته خاصة بعد علمها أنه تزوج زوجة شقيقه الأرملة من ورائها.
حكاية طويلة اختصرتها السيدة إنعام لها ولكن قد جاء الوقت لتعلم الحكاية وتعرف عنوان هذا العم.

– هو فضل يبعت فلوس للدار لمدة خمس سنين لكن بعد كده اخباره انقطعت وعرفت إن للأسف مراته بقت متحكمه في كل حاجه بعد ما أصابه الشلل، لكن أنتِ من حقك تعرفي أهلك وإنك مش مجرد بنت من الشارع

ارتسم الذهول فوق ملامح ليلى تنظر للسيدة إنعام وهي تدون بقلمها عنوان ذلك العم

– يعني أنا ليا أهل
مدّت لها السيدة أنعام بالورقه تنظر لذلك البريق الذي التمع في عينيها

– أنتِ لسا قدامك تلت سنين يا ليلى لحد ما تخرجي من الدار، احتفظي بالعنوان ده يا بنتِ.. واتمنى يكون الزمن غير النفوس

صدح صوت بوق السيارة كادت أن تصدمها، فسقطت الحقيبة من يدها تنظر نحو سائق السيارة الذي أخذ يسب ثم تخطاها وكأنه لم يكن سيدهسها ،
انحنت ليلى تلتقط حقيبتها تلعنه بالألفاظ التي تراه يستحقها

– كان هيموتني وبدل ما ينزل يعتذرلي بيشتم..

دارت عيناها بالمكان الذي وقفت به وقد بعدت عن الدار مسافة ليست بالقليلة ، تخرج الورقة من حقيبتها الصغيرة التي علقتها فوق أحد كتفيها، تنظر للعنوان المدون بلهفة لتلك الحياة الجديدة التي تنتظرها ولن ترضى بالنبذ مرة أخرى
– مبقتش ليلى الطفله خلاص، من حقي أعيش زي ما هما عايشين
……

دلف عزيز غرفة سيف فانتفض الأخر من فوق فراشه وقد اجفله دخول عمه دون أن يطرق الباب

رمقه عزيز بحده وهو يراه يدهس عقب السيجارة في المطفأة

– من النهارة هتنزل الورشة زيك زي أي عامل عادي

اتسعت عينين سيف لا يستوعب ما يسمعه من عمه، فكيف له أن يعمل في الورشة وينشر الخشب، هذه المرة عقابه مختلف

– اروح الورشة، ما انا بشتغل معاك في الشركة يا عمي .. طيب حتى أمسك معرض من المعارض

ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق شفتي عزيز، فعن أي شركة يتحدث ابن شقيقه وقد خابت جميع اماله فيه، سيف عاش حياته مرفهًا ومدللًا يمنحه كل ما يطلبه دون أن يسأل، سعى لتكبير تجارته ومن معرض أثاث لمعرض أثاث حتى اصبح لديه شركة كبيره ليست مسئولة فقط عن صناعة الأثاث وتوريده بل أصبحت تشمل تنسيق الديكورات بكل ما يحتاجه المنزل.

كبر تجارته ولكن نسى في طريق نجاحه أن من كان يجني له المال لم يعد الطفل الصغير , ابن سالم شقيقه الرجل المكافح العصامي بل بات نسخه أخرى لا تشبه شقيقه ولا تشبهه

– لا شركة ولا معرض، هتبدء الطريق زي ما أبوك وأنا بدأنا عشان تعرف قيمة كل قرش بتكسبه من عرق جبينك

ارتسم الذهول فوق ملامح سيف، فقد ظن أن العقاب الذي حصل عليه منذ أسبوع قد أنتهى

– أنا كنت فاكر إنك سامحتني خلاص وهتديني مفتاح عربيتي والكريدت كارد

التوت شفتي عزيز في سخرية أشد، فكيف سيزول عقابه وهو يراه مازال في نفس طريقه

– لا عربيه ولا فلوس حتى الجامعه لو سقطت السنادي كمان.. اعمل حسابك مش هدفعلك تاني مصاريفها

– أنت فاكر لما تعمل كل ده , هكون الشخص اللي أنت عايزه.. أنا مش قاعدلك في البيت يا عزيز باشا وانت اللي هترجع تدور عليا

اندفع سيف بتهور نحو خزانة ملابسه، يلتقط منها كل ما تقع عليه يديه ينظر من حيناً لأخر نحو الواقف وهو على يقين إنه لن يتحمل تهديده وسيلين كالعادة
رمقه عزيز بأستخفاف فلو ظن إنه سيتراجع عن قراره فوحده من سيكون الخاسر، لقد أتخذ قراره وأنتهى وقت الدلال والتهاون

اتجه عزيز نحو الفراش يجلس فوقه يُطالعه بملامح مسترخية

– متأكد إنك مستعد تتحمل قرارك

توقف سيف عن التقاط الملابس ينظر لملامح عمه المسترخية

– ليه مش مصدق إني بحاول أكون كويس

قهقهة عاليه خرجت من شفتي عزيز، فعن أي تغير يتحدث عنه

– الباب قدامك اه يا سيف.. لكن خليك متأكد إنك المرادي هترجع لوحدك

أسرع سيف في إلتقاط حقيبته مغادراً المنزل ماقتًا الحصار الذي صار عمه يحيطه به وكأنه فقط شغله الشاغل.

اطبق عزيز فوق جفنيه بقوة، لقد تغلب على حبه له لعلا ما يتبعه هذه المره من حرمان كامل يأتي بالنفع.

……

توقفت سيارة الأجرة أمام العنوان الذي أعطته للسائق، ازداد إنبهارها بالحي الراقي الذي يعيش فيه عمها

– يعني هو عايش هنا وسيبني عايشه في ملجأ، لكن أنا مش هسيب حقي خلاص أنا من لحمه ودمه

– يا أنسه وصلنا خلاص، الأجرة زي ما أتفقنا

انتبهت ليلى على صوت السائق وقد فاقت من حالة ذهولها وتحديقها بالمكان من خلف نافذة السياره

أخرجت ليلى الأجرة من محفظتها تنظر للمال قبل أن تعطيه له

– بكره هيبقى معايا اكتر من كده ومش هحس بالحرقة زي دلوقتي وأنا بدفعلك الفلوس

تجهمت ملامح السائق والتقط منها المال ماقتًا عبارتها

ترجلت ليلى من سيارة الأجرة وقد عادت عيناها تُحدق بالمكان، تلتف حولها تصفر بشفتيها
– إيه العز ده كله يا عزيز باشا

الفصل الثاني
*****

أسرع الحارس في غلق البوابة بوجهها بعدما ضجر من إقناعها أن عزيز الذي تبحث عنه ليس موجود وأن هذا مجرد تشابه أسماء، ف السيد عزيز ليس لديه إلا ابن شقيق واحد السيد سيف ولا يملك أخوة أخرين

– شوف العنوان مكتوب في إيه، نفس عنوان الفيلا.. أنا ليلى وعمي عزيز رياض

امتقعت ملامح الحارس ، فهي تزيد من قناعته إنها ليست إلا فتاة متسولة تُريد أن ترمي بلاها على سيده

– يا بنتِ أمشي من هنا بدل ما أبلغ البوليس، وحبايب البيه كتير

تجهمت ملامح ليلى وهي تسمع عبارته، تنظر له وهو يدفع البوابه ليغلقها بوجهها

– قوله بس بنت أخوك محمود اللي رميتها في الملجأ عشان مراتك الهانم مكنتش راضيه بيها

تجاهلها الحارس مُحاولًا غلق البوابه رغم دفعها وإصرارها على الدلوف ،
سقطت ليلى أرضًا بعدما تمكن الحارس من دفع جسدها هذه المرة
– حسان
صدح صوت العم سعيد وقد اقترب من البواب ليرى ما يحدث بعدما انتبه على شجار حسان مع شخص بالخارج

– أنا مش عارف إيه البلاوي اللي بتتحدف علينا ديه

ضاقت عينين العم سعيد بعدما زجر حسان بنظراته حتى يصمت، فتراجع حسان للخلف يلطم كفيه ببعضهم

ضاقت عينين العم سعيد وهو يرى ليلى التي نهضت من فوق الأرض تنفض ثوبها

– معلش يا بنتِ حسان ميقصدش

حاولت ليلى إبتلاع غصتها تُكمل نفض ثوبها عازمة ألا تتحرك من هنا إلا إذا تلاقت مع هذا العم الجاحد الذي أودع ابنة شقيقه في ملجأ بعدما رفضت زوجته احتضانها في منزلها

– هو ليه مش مصدق، إن عزيز رياض عمي وأنا بنت أخوه.. أنا خرجت من الملجأ والمفروض هو اللي كان يتولى راعيتي ده حتى ربنا مديله خير كتير

واردفت بأنفاس لاهثه تُحاول إلتقاط أنفاسها
– ده أنا من لحمه ودمه هيرميني في الشارع من تاني
حدقها العم سعيد يشعر بالتخبط , فعن أي ملجأ تتحدث هذه الفتاة ولكن مهلاً هناك شئ خطأ في الأمر وما تظنه الفتاه، فها هي تثرثر بالمعلومات عن عمها الذي يبدو عليه يتشابه مع اسم سيده

– هو عمك اسمه عزيز رياض إيه يا بنتِ

توقفت ليلى عن الحديث فأخيرًا قد صدقها أحد ، اقتربت منه ليلى رافعة رأسها تعطيه شهادة ميلادها

– هو عمي لكن الاب مش واحد أكيد أنت فهمني يا راجل يا طيب
وتابعت بصدق تنظر لملامحه الطيبه

– تصدق أنا حبيتك غير الأخ التاني

وازاحت عيناها عن العم سعيد تنظر نحو حسان الذي واقف على بعد يُتابع ما يحدث بنظرات غير مبالية، فهو متأكد من إنها ليست من هذه العائلة، السيد عزيز رجل لا يترك لحمه والجميع يعلم إنه ليس له إلا شقيق واحد توفى منذ سنوات عديدة

– بصي يا بنتِ الموضوع في حاجه غلط، البيه بتاعنا راجل يخاف الله ده غير إنه ملهوش غير أخ واحد
– انتوا ليه مش مصدقني، عزيز رياض الأسيوطي يبقى عمي

أستمع حسان لصياحها بالاسم وقد ظهرت الحقيقه ووضح الفارق بين تشابه الأسماء

– والبيه بتاعنا اسمه عزيز رياض الزهار

صدمه أصابت ليلى تقطب حاجبيها في حيرة، فقد اعطتها السيدة إنعام هذا العنوان مؤكده لها أن عمها يعيش في هذا المنزل، وها هي حقيقة أخرى تجعل عيناها تجحظ

تلك اليافته المدون فوقها اسم صاحب المنزل

” عزيز الزهار ” وليس ” عزيز الأسيوطي” عمها

شحب وجه ليلى من الصدمة، فأين منزل عمها؟
عادت تنظر للورقة التي اعطتها لها السيدة إنعام تتأكد من العنوان ولكن السائق هو من أتى بها لهنا، بالتأكيد السائق أخطأ

– يعني ده مش بيت عمي، أكيد السواق غلط في العنوان
– لا يا بنتِ السواق مغلطش في العنوان

ارتسمت الحيرة فوق ملامح ليلى مجددًا، فلم تعد تفهم شئ

– البيه بتاعنا مشتري الفيلا من سنه ونص، الإجابة هتلاقيها عند عزيز بيه

وأسرع العم سعيد في متابعة حديثه، يمدح خصال سيده الحميده

– ومن حظك إن النهاردة.. البيه موجود في البيت، هسأله ليكِ عن مالك الفيلا قبل ما يشتريها

بصيص من الأمل ارتسم فوق ملامح ليلى، ليبتسم لها العم سعيد بلطف
– تعالي اقعدي يا بنتِ في الجنينه
– أنت طيب أوي يا عم..

عادت نظرات العم سعيد إليها بعدما استدار نحوها
– سعيد يا بنتِ

……

اطرق العم سعيد غرفة المكتب ثم دلف ينظر نحو القابع خلف مكتبه يتحدث مع تلك التي تُحادثه بتجهم

– بلاش تلعبي في دماغ سيف يا سهير، لولا سيف كنتِ فضلتي عايشه في الشارع

تنهد عزيز بضجر من تلك النغمه التي تعيدها عليه كلما تلاقوا أو حدثت بينهم محادثة هاتفيه
– عارف إنك بتوصي عليا أوي يا سهير

تمتم بها عزيز وهو يعلم نواياها، سهير لا تُريد إلا المال الذي تحصل عليه من وراء سيف

أنهى عزيز مكالمته معها يشعر بالضيق من لجوء ابن شقيقه لوالدته، تلك المرأة التي باعت شقيقه من أجل رجل أخر غواها

وها هي بعد العديد من الطلاقات التي حصلت عليها من زيجاتها، تعيش في خير شقيقه الراحل

– أنا عارف يا بني إنك فيك اللي مكفيك لكن سامحني

قطب عزيز حاجبيه ينصت للعم سعيد مشيراً له بأن يتحدث ..
أستمع عزيز لما يخبره به العم سعيد، وسرعان ما كانت تضيق عيناه وهو يلتقط الاسم

– عزيز رياض زوج السيدة كريمان اللي اشتريت منها الفيلا، لكن هو مات ومراته باعت كل حاجه وسافرت بره

شعر العم سعيد بالحزن، فما الذي سيخبر به تلك التي تنتظره بالخارج

– خد الفلوس ديه يا عم سعيد ادهالها.. أنا معنديش أي معلومه تانيه عن العيلة ديه غير إنهم خسروا كل فلوسهم من سنتين واعلنوا إفلاسهم

اقترب منه العم سعيد يأخذ المال، فهذا ما بوسعهم أن يفعلوه لها
غادر العم سعيد غرفة المكتب.. فنهض عزيز من فوق مقعده يزيح ستار الشرفة قليلاً يُطالع هيئة الجالسة في حديقة منزله لا يرى منها إلا ظهرها وحقيبة وضعتها جوارها

– سامحيني يا بنتِ.. البيه بتاعنا ميعرفش عن عيلة عمك غير اللي قولته ليكِ

تبدلت ملامح ليلى، فما حلمت به منذ تلك اللحظة التي اخبرتها فيها السيدة إنعام عن حكايتها واصلها وهي تنتظر ذلك اليوم الذي ستُغادر فيه الملجأ تُطالب بحقها في حياة كريمة كان عمها سيستطيع منحها لها، لِما تركها تعيش بملجأ وهو يعيش حياة تملئها الرغد، لِما كانت هي الضحية

– أنت عملت كل اللي عليك كتر خيرك، كفاية إنك عملتني كويس

ابتسم لها العم السعيد يربت فوق كفها بحنو أبوي، فنهضت ليلى من فوق مقعدها عازمة أن تبحث عن مكان تعيش فيه حتى لو كانت مجرد غرفة فوق أحد الأسطح المتهالكة ولكن لن تعود لحياة الملجأ ثانية مهما ضاق بها الحال
اسرع العم سعيد في إخراج المال يدسه في يدها

– خدي الفلوس ديه يا بنتِ، ديه من البيه بتاعنا

نظرت ليلى نحو المال وسرعان ما كانت تزيح المال عنها رافضة بعزة نفس

– لا أنا مش محتاجه فلوس .. أنا معايا
– يا بنتِ أنتِ محتاجه الفلوس ديه دلوقتي، ومتخافيش البيه بتاعنا بيعمل ده بطيب نفس

أصرت ليلى على موقفها، هي لا تُريد المال الذي يأتي إحساناً من الناس..لقد عاشت سنوات طويله من عمرها تعيش على هذا

– طيب يا بنتِ قوليلي بس اعملك إيه عشان اساعدك

هتف بها العم سعيد وهو يراها تسير أمام عينيه بخطوات ثقيله، يتذكر حاله عندما كان يضيق به الحال وتغلق البواب بوجهه

استدارت ليلى نحوه تمنحه ابتسامة بشوشة جاهدت في رسمها فوق شفتيها
التقطت عينين عزيز ملامحها الجميلة ، وسرعان ما كان يبتعد عن الشرفة عائداً لأوراقه

– لو عايز تساعدني.. قولي على مكان أعيش فيه.. عايزه أوضه فوق السطوح تكون على قد فلوسي

تنهيدة طويلة خرجت من العم سعيد، فهذه الفتاة أعادت له الذكريات

– لكن أنتِ مش هتستحملي قسوة الدنيا يا بنتِ، ارجعي الملجأ تاني يمكن يساعدوكي
ابتسم ليلى بمرارة، فعن أي مساعده ستقدمها لها الدار وقد ازداد عددهم وأصبحت الموارد قليلة، أم ستعود لتقبل أن تتزوج كحال قريناتها

ودعته ليلى بنظرة ممتنة تجر حقيبتها ببطء تُفكر في حياتها التي صارت ضائعة، فقد مات العم وخسر ماله وهاجرت الزوجة بعدما باعت ما بقى

– استني يا بنتِ

توقفت ليلى عن السير تنظر نحو العم سعيد الذي اقترب منها والتقط منها حقيبتها

– البيه بتاعنا قلبه كبير، يمكن يقدر يساعدك زي ما بيساعد غيرك

……

نظر سيف نحو المال الذي القته والدته فوق الفراش تُحاول جاهدة أن ترسم فوق شفتيها ابتسامة متقبله لاتخاذه قرار العيش معها بعض الوقت حتى يأتي عمه إليه ويعطيه سيارته والمال ويُعيده للمنزل

– المرادي أنت كبرت الموضوع يا سيف مع عمك، هو بيعمل كل ده ليه عشان مصلحتك

التقط سيف المال غير عابئ بحديثها، فوالدته عليها أن تقول السمع والطاعة لعمه بسبب ما يعطيه لها من مال

– أنا عارف مصلحتي كويس، مبقتش ولد صغير خلاص
– أنت حر

هتفت بها سهير وتركت الغرفة حانقة من غبائه، التقط سيف سترته مُقرراً الذهاب لأحد أصدقائه

……

– أنت بتقول إيه يا عم سعيد، تفضل عايشه هنا إزاي..وقبل ما تقولي إن البنت غلبانه فعلا ومش كدابه ففي سبب قوي إحنا هنا رجاله والست اللي بتيجي تنضف ليها ايام في الأسبوع وعارفه حدودها كويس

ابتسم العم سعيد، ف رب عمله يرفض وجود أي خادمة في منزله منذ أن كبر سيف وأصبح شابً

– البنت يتيمه يا بيه وصعبانه عليا
– خد فلوس زيادة أدهالها، هو ده اللي أقدر اعمله

طالعه العم سعيد بقيلة حيله
– رفضت تاخد الفلوس

اطبق عزيز فوق جفنيه بقوة يزفر أنفاسه بأرهاق ، فأدرك العم سعيد بأن عليه الأنسحاب
– أنا كنت عايزك تكسب ثوابها، لحد ما تخرج صاحبتها من الملجأ وتشوف مكان يعيشوا فيه سوا

– كمان صاحبتها، بكره تقولك صاحبتي مش لاقيه مكان وافتحها أن ملجأ

شعر عزيز بالضيق من حاله، فهو لا يُحب أن يقفل بابه في وجه محتاج، ولكنها فتاة صغيرة وجميله وهو رجل أعزب ولديه ابن شقيق شاب تستطيع إغوائه

– لو رفضت الفلوس تاني أنت عملت اللي عليك

غادر العم سعيد مرة أخرى خالي الوفاض لتلك التي تجلس على أمل أخر ان تجد مكان تبقى فيه بعض الوقت حتى تستقر أمورها وتخرج زينب من الملجأ.

أسرعت في النهوض عن مقعدها حتى تستقبل البشارة ولكن فور أن اطرق العم سعيد رأسه أرضًا فهمت ما سيُحاول إخبارها به بلطف حتى لا يجرحها

– متقولش حاجه يا راجل يا طيب، أنت عملت اللي عليك وحاولت تساعدني

طالعها العم سعيد بنظرة مشفقة، فالفتاة لم تطلب إلا عمل ومأوى لها بعض الوقت حتى تغادر صديقتها الملجأ وتبحث عن مكان أخر , فلما لا يُساعدها السيد عزيز كما يساعد الكثير ولكنه يحترم وجهة نظره فكيف لفتاة شابه وجميله تعيش بينهم.

عادت ليلى تحمل حقيبتها فعليها الرحيل من هنا، القت بنظرة أخيرة نحو المكان الذي ظنت إنها ستعيش فيه وستجبر العم القاسي على تقبلها في حياته فلن تعيش هي كالمشردة ولديها عم يسير بين مجتمعه في تفاخر ولكن كل أمالها تبخرت ولم يكن حالها إلا كحال الكثير.

غادرت ليلى من البوابة ليرمقها حسان بنظرة متعالية، فها هي نصيبها الخروج من المنزل دون أن تحصل على مبتغاها.

التقطت أذنيها ما القاه حسان من حديث قبل أن يغلق البوابه خلفها

– كنتِ فاكره نفسك هتضحكي على البيه وترمي بلاكي.. قال عزيز بيه عمك قال

……

زفر عزيز أنفاسه براحه وهو يخرج من مكتبه بعدما اتاه ذلك الأتصال الذي أتى معه البشرى، لقد حصل على قطعة الأرض التي أرادها.
توقف العم سعيد أمامه يُخبره قبل أن يصعد الدرج

– مشيتها يا بيه وراحت لحالها

التف إليه عزيز يشعر ببعض التخبط، فالفتاة كانت أتيه لعمها الذي لا تعلم عن وفاته
– لو لسا مخرجتش من البوابه.. خليها تفضل هنا.. لكن هى هنا مجرد وقت لحد ما تظبط أمورها واه تساعدك يا راجل يا عجوز في شغل المطبخ

القى عزيز عبارته في مزاح، فتهللت أسارير العم سعيد وأسرع في مغادرة المنزل ليلحقها

– ليلى
توقفت ليلى عن السير والتفت بجسدها تنظر نحو العم سعيد وقد انحنى بجسده قليلا يُحاول ألتقاط أنفاسه

– تعالي يا بنتِ البيه غير رأيه هتشتغلي وتباتي في الفيلا لحد ما ظروفك تسمح وتخرج صاحبتك من الملجأ

انعقد لسان ليلى عن الحديث، فاسرع العم سعيد في جرها خلفه يشعر بالسعادة لأنه استطاع مساعدتها فهو يرى الحاجه في عينيها ولم يخطأ بنظرته يوماً نحو أحد فلم يشيب شعره من فراغ.

اتبعته ليلى في توتر حتى دلفت من بوابة المنزل ونظرات حسان تحدق بها في تساؤل فلما أعادها العم سعيد، فهل تعاطف معها رب عملهم ومنحها عملاً فهم لديهم خادمة تأتي في أيام محددة بالأسبوع ومعها أبنتها لتنظيف المنزل والسيد يكون حريص على عدم تواجده هو والسيد الصغير

– يعني أنا هشتغل هنا معاك في المطبخ يا عم سعيد، طيب وهنام فين
– بصراحه يا بنتِ لسا مش عارف هتنامي فين، لأن موضوع بياتك ده صعب، البيه عنده ابن اخوه شاب وهو حريص إن متشتغلش أي خدامة صغيره في البيت

اطرقت ليلى رأسها، فالرجل يُحاول مساعدتها بكل الطرق وهي من الممكن أن تُسبب له المشاكل وهو رجل عجوز فأين سيذهب إذا خسر عمله
– أنا مش عايزه اسبب ليك مشاكل، خليني أمشي يا عم سعيد وأنا هعرف اتصرف متخافش عليا

طالعها العم سعيد بحنو، فكيف لفتاة مثلها بهذا الجمال يتركها لتبقى بالشارع ويتحمل وزرها طيلة العمر، هو يتوسم فيها الخير ويشعر بصدقها، الفتاة لا تُريد إلا عمل ومأوى حتى يجد لها هو بنفسه مكان أمن تعيش فيه وربما يمنحها السيد هي وصديقتها عمل في أحد مصانعه.

أستمع العم سعيد لصوت رب عمله اتبعته نحنحته الخشنة، فنظر إليها

– اقعدي يا بنتِ استريحي هشوف البيه وراجعلك

بخطوات عجوله خرج العم سعيد من المطبخ

– صدقني يا بيه البنت فعلا يتيمة وأنا شوفت أوراقها.. البنت لسا خارجة من الملجأ وكانت فاكره إن عمها لسا عايش
– خلاص يا عم سعيد، وأنا كده كده هسأل عنها.. تخرج صاحبتها من الملجأ وبعدها اشوفلهم شغل في المصنع لكن طبعا ده هيحصل لو كانت صادقة في كلامها
– نظرة عمك سعيد يا بني عمرها ما خابت
– في قوانين لازم تفهمها ليها، حدودها المطبخ وبس يعني لا أنا اشوفها ولا سيف.. وبالنسبة للأوضة اللي هتقيم فيها كوضع مؤقت.. تقدر تفضي ليها الأوضة اللي كان اصحاب البيت قبلي بيستخدموها مخزن
أسرع العم سعيد في تحريك رأسه فهو سيخبرها بكل ما أمر به رب عمله وسيحرص على تعليمها قوانين المنزل

عاد العم سعيد بأدراجه للمطبخ، فاسرعت ليلى في العودة لمقعدها وقد استمعت لكل ما أخبره به..
ارتبكت ليلى من نظرات العم سعيد لها وقد انتبه على فعلتها

– أول حاجه لازم تفهميها يا بنتِ إن التصنت من أسوء العادات، فأتمنى ده ميتكررش تاني ومش محتاجة خلاص أقولك البيه أمر ب إيه، هو رأف بحالتك زي ما أنا توسمت فيكي خير

ابتلعت ليلى ريقها في حرج، تطالعه وهي تفرك يديها بتوتر
– مكنش قصدي أتصنت عليكم

تجاهل العم سعيد كلماتها يُحاول أن يجعلها تفهم شيئاً عليها ألا تنساه
– وجودك في البيت كوضع مؤقت لحد ما صاحبتك تخرج وتلاقوا مكان تعيشوا فيه

…….

دارت عينين الواقفة بفتيات الدار تنظر نحو أجسدهن ومفاتنهن، علقت عيناها بتلك الواقفة على مقربة منها تمضغ علكتها

– شكلي لقيت اللي عايزاه أخيراً لكن أنا محتاجة بنتين كمان، كان عندك حق يا صبري لما قولتلي ندور في الملجأ

– أهلاً يا مدام.. أنا استاذه كريمة مشرفة الدار

أسرعت الأخرى في مدّ كفها تنظر بنظرة أخيرة نحو صاحبة العينين التي علقت عيناها بها
– صديقه ليا لما قولتلها عايزه أعمل خير، رشحتلي الدار بتاعتكم

ارتسمت ابتسامة واسعة فوق شفتي السيدة كريمة ترحب بها بحفاوة
– أهلا وسهلا.. اتفضلي معايا في مكتبي
واردفت بتساؤل
– هتتبرعي بفلوس ولا بمستلزمات تفيد الدار

تأوه خافت خرج من شفتي السيدة الأنيقة بعدما اصطدمت بها زينب دون قصد
– أسفه يا هانم مكنش قصدي، اقول عليها إيه دودو العفريته بتجري مني مش عايزة تسرح شعرها

مسدت الأخرى كتفها تُحاول رسم ابتسامة فوق شفتيها وتنظر نحو زينب بنظرة فاحصة مدققة
حاولت السيدة كريمة التحكم في إخراج كلماتها الحازمة ببعض اللين

– خلاص يا زينب روحي شوفي دنيا وياريت تبطلوا دلع فيهم، أنتوا خلاص خارجين من الدار لكن هما لسا قدامهم عمر بحاله

اماءت زينب لها برأسها واسرعت في الإبتعاد تشعر بغصة في حلقها كلما تذكرت إنها ستترك هؤلاء الصغار

سارت السيدة كريمة نحو غرفة مكتبها تفتحها تنظر لهيئة من تتبعها تهمهم بخفوت
– هي الستات اللي زي ديه معندهومش وقت غير يقفوا قدام المراية
– معرفتنيش بنفسك يا مدام

تسألت السيدة كريمة بعدما جلست فوق مقعدها خلف مكتبها
– مشيرة النادي

……

تجمدت يد عزيز فوق الهاتف بعدما أستمع لصوت سيف يطلب منه المجئ إليه قسم الشرطة
– أنا معملتش حاجة يا عمي، أنا ماليش ذنب
حاول عزيز السيطرة على سرعة أنفاسه وقد انسحبت منه في ذعر
– سيف قولي أنت في أنهي قسم شرطة

أسرع عزيز مهرولاً يخرج من شركته تحت نظرات موظفينه وعلى أذنه الهاتف يطلب من محاميه الخاص أن يتبعه

ضاقت أنفاسه وهو ينتظر أن يخرج محاميه ويفهم تهمة ابن شقيقه
– سيف بيه متهم في جريمة قتل
تجمدت ملامح عزيز فعن أي قتل يتحدث محاميه، جريمة قتل وابن شقيقه هو المتهم

الفصل الثالث
***

زفرت ليلى أنفاسها زفزات متتالية وهى تقلب الطعام لعلها تطرد تلك الوساوس من عقلها، فهي باتت تصدق إنها نذير شؤم وكيف لا تصدق هذا وقد تم سجن السيد الصغير الذي لم تراه

– ليلى اعملي فنجانين قهوه للبيه والمحامي

هتف بها العم سعيد وقد اخرجها من شرودها وتلك التساؤلات التي تقتحم عقلها وتخبرها أنها أتت محمله بالمصائب لهذا البيت فالعم حسان لم يكذب حينا ألقى هذه العبارة بوجهها هذا الصباح

أسرعت ليلى في تنفيذ ما أمرها به تنظر نحوه من وقت لأخر

– ركزي يا ليلي في القهوة وبعدين اسألي يا بنتِ على اللي عايزه تسألي فيه
شعرت ليلى بالتوتر فالعم سعيد بات يفهمها من نظرة واحدة، هي لم تقضي في هذا المنزل سوى أربعة أيام وأصبحت كصفحة بيضاء أمام عينين هذا العجوز الذي يُعاملها بحنو لم تحظى عليه يوماً من أحد.

تناست تسألها وقد عاد شعور لألم يستوطن فؤدادها، فكيف سيكون حالها حينا تغادر هذا المنزل

– القهوة يا ليلى

انتفضت ليلى في ذعر تنظر نحو القهوة التي كادت أن تفور منها، تشعر بالضيق من تلك الحالة التي تقتحم عقلها فتظل تحلل كل شئ وتستنتجه

– سامحني يا عم سعيد.. مش هكررها تاني

وكالعادة العم سعيد يبتسم لها، طالعته وهو يحمل صنية القهوة بعدما سكبتها
– يارب يا سيف بيه تخرج من الورطة اللي أنت فيها مش عايزه أفضل أحس بالذنب وإن قدمي قدم نحس عليكم

…..

التمعت عينين العم سعيد وهو يستمع لحديث المحامي المطمئن، تمهل في وضع فنجاني القهوه وكأس الماء
– إختفاء مالك الشقة في صالحنا ونقطة قوية لينا، المشكله بس إن المجني عليها وسيف بيه أكثر أتنين كانوا بيترددوا على الشقة وفي نفس التوقيت ديما وده كلام البواب

زفر عزيز أنفاسه يفرك رأسه بكلتا يديه ثم عاد والتقط سيجارة أخرى فهو لا يقوى على تحمل فكرة أن يسجن ابن شقيقه في جريمة قتل اقسم إليه إنه لم يفعلها

– أعمل كل اللي في وسعك يا متر، الوقت مبقاش في صالحنا

غادر العم سعيد غرفة المكتب بأحباط وعاد بأدراجه للمطبخ يطرق رأسه أرضًا متحسراً على حال رب عمله وسيف الذي كبر أمام عينيه ابن الغالي الذي لم ينساه يوماً

– ربنا يفك كربك يا بني

توقفت ليلى عن تقليب الطعام تنظر لملامح العم سعيد الحزينه

– هيخرج يا عم سعيد متخافش وبكره تقول ليلى قالت، انت بتقول أبوه كان راجل صالح وعمه نفس الحكايه تفتكر ربنا مش هيقف معاهم

قالتها ليلى تحاول طمأنته تسترجع بعض الحكايات التي كانت تحكيها لهم السيدة إنعام عن الخير الذي يعود لأصحابه، فلا أحد يمدّ يده بالمعروف لأحد واحسن إليه إلا وأذاقه الله من كرمه وجعل له بعد الضيق مخرجًا.

ابتسم العم سعيد لها دون قول شئ وهو يراها تجثو على ركبتيها أمامه تربت فوق كفيه

تراجع عزيز بخطواته للوراء بعدما كان يقصد المطبخ ليطلب من العم سعيد حبة دواء تزيل عنه صداع رأسه

….

وضعت ليلى رأسها فوق الوسادة تستجدي النوم الذي غادرها هذه الليله، تقلبت بجسدها يميناً ويساراً وسرعان ما كانت تعتدل في رقدتها تقبض فوق الوسادة بقوة ثم تلطم بها رأسها

– كفايه تفكير في كل حاجه، عايزه أنام

القت بالوسادة نحو الجدار تدور بعينيها في ارجاء الغرفة الصغيرة

– يا ترى يا زينب بتعمل إيه من غيري، اكيد صابرين بتضايقك أنا عارفاها سوده من جوه وأنتِ طيبه يا حبيبتي لكن هانت هما خمس شهور يا حببتي وتخرجي من الملجأ ونبدء طريقنا سوا، كان نفسي لما تخرجي تلاقيني عايشه عيشه كويسه لكن مكتوب علينا نتبهدل

رثت ليلى حالها والأيام التي أتت عليها وحلمها الذي ضاع

– كنت بدأت أصدق إني من ولاد الذوات ورسمت الدور على صابرين، اه لو شافت الأوضه اللي أنا قاعده فيها

وسرعان ما كانت تسخر على حالها وهي تحك فروة رأسها
– يا شماتة الأعادي

شعرت ليلى ببعض الضيق فهي منذ ساعات تُحاول النوم

– الجنينه بره حلوه وجميله مخرجش ليه اتمشى فيها شويه

شعرت بالحماس نحو الفكرة ولكن سرعان ما كان يتلاشى حماسها، فهي لها حدود في هذا المنزل عليها تنفيذها.. لا مغادرة من غرفتها بعد التاسعة وحدودها لا تتخطى المطبخ الذي يُجاور غرفتها

– العيشة في الملجأ كانت ارحم على الاقل كنت بقدر اخرج للشارع واقعد في الجنينه بره الملجأ واتفرج على العشاق

ارتسمت ابتسامة حالمه فوق شفتيها، فكم كانت تحب هذه المشاهد ..
اختفت ابتسامتها تتذكر الضربات التي حصلت عليها بعدما فضحت صابرين أمرها بل وازادت إنها تهرب من الدار لتلتقي بحبيبها، صابرين الكاذبه التي تود لو كانت أمامها الأن لخنقتها بكلتا يديها

– مش بقول سوده اوي من جوه، اه لو كانت قدامي دلوقتي كنت خنقتها، هو أنا هفضل أكلم في نفسي كده كتير
تمتمت بها ليلى حانقة تشعر بالحنق، لا تستطيع تحمل هذا الوضع

– بلاش يا ليلي تعملي اللي في دماغك، لكن محدش شايفني والكل أكيد نايم هقعد في الجنينة شويه اشم الهوا مش حرام يكون في جنينة بره واقعد كده بتقلب زي السمكة شمال ويمين

حاولت ليلى إقناع حالها أن لا بأس إذا خرجت لحديقة المنزل في هذا الوقت المتأخر فالحارس بالتأكيد قد غفا والعم سعيد يأخذ علاجه في الحاديه عشر ثم يخلد للنوم.

نهضت من فوق الفراش مُقررة إنها اليوم ستستكشف حديقة المنزل ،
غادرت ليلى غرفتها تتسحب على أطراف أصابع قدميها تلتف حولها بقلق لا تعرف سببه رغم سكون المكان

– متخافيش يا ليلى الكل نايم، فرصتك أهي تتفرجي على الجنينة براحتك

دارت بعينيها بالمكان لا تُصدق تلك المساحة الهائلة التي تتمتع بها حديقة المنزل من الخلف

– كنت عايش في العز ده كله يا عمي ورامي بنت اخوك في ملجأ، شوفت أخرتها إيه خسرت كل فلوسك ومت بحسرتك ومراتك باعت كل حاجة

التمعت عينين ليلى بشماته ، وسرعان ما كانت تنتبه على تفاصيل المكان المجهز للترفية , ورغم الإضاءة الخافتة كانت عينيها تلتقط كل ما هو بتلك الساحة
– ديه صالة رياضة، إيه ده كمان ترابيزة بلياردو..

لعقت ليلى شفتيها بطرف لسانها من شدة حماسها فكم هى تحب هذة اللعبة ولكن لسوء حظها حينما اجادة هذه اللعبة التي لا تليق بالفتيات كانت الدار تتخلى عن الطاولة

فركت كفيها بحماس أشد تنظر نحو الصالة الفسيحة المظلمة
– اه بس لو أعرف ادخل جوه كنت رجعت بطولاتي العظيمة وكسبت البت زينب الخيبة

تلاشى حماسها بعدما تذكرت أن زينب ليست معها هنا، خرجت تنيهدة حارة من شفتيها
– يا ترى زينب عاملة إيه دلوقتى
وسرعان ما كانت تلطم جبهتها من شدة غبائها، فبالتأكيد زينب غافية في هذا الوقت

…….

ارتفعت عصاة السيدة كريمة فوق اجسادهن بقوة فتراجعت كلتاهما من شدة الألم

– لازم أربيكم، أنتوا فاكرين الملجأ بيت اهاليكم وكل يوم ألاقي واحده ماسكة في التانية

التصقت زينب بالجدار تشعر بتخدر جسدها من شدة الألم، تكتم صوت شهقاتها
– أنا مصدقت خلصت من صاحبتك هتجيلي أنتِ كمان وتعمليلي مشاكل
– يا ابله كريمة.. زينب معملش حاجة غير بعد ما صابرين استفزتها، وده مش النهاردة بس ده من ساعة ما ليلى مشيت

تمتمت بها إحداهن تنظر نحو صابرين التي أخذت تدلك ذراعيها من شدة الضربات ترمقها بنظرة متوعدة

– وأنتِ المحامية بتاعتها

هتفت بها السيدة كريمة واقتربت منها بعصائتها, فتراجعت الواقفة للخلف تشعر بالندم لأنها تدخلت في الأمر فالجميع وقف صامتًا

– أنا بقول كلمة حق يا ابلة كريمة

ارتفع الصراخ مجدداً، حتى عاد السكون يحتل المكان والجميع يضع يده فوق فمه يكتم صوت شهقاته

– مش عايزة أسمع صوت تاني سامعين.. كل واحدة على سريرها

أسرعوا نحو أسيرتهم يغطون وجههم بالغطاء، رمقتهم كريمة بنظرة قوية تنفض ذراعيها وقد شعرت بتخدرهم

…….
اكملت ليلى سيرها في الحديقة حتى وقعت عيناها نحو تلك الأرجوحة وكأنها تناديها

– كمان مرجيحة، ده إيه البيت الكامل المتكامل ده..معقول العز ده كان عايش فيه عمي قبل ما يفلس.. لو كان بس افتكرني

زفرة طويلة خرجت من شفتي ليلى، تتخيل النعيم الذي عاش فيه عمها
– كان ذنبي إيه أنا
..
ابتلعت ليلى غصتها وهي تتحرك بالأرجوحة ولكن الأرجوحة من قلة إستعمالها اصدرت صوتًا، اتسعت عينين ليلى ذعراً وسرعان ما كانت تنهض من فوقها تنظر حولها في خوف

– أنا لازم أرجع أوضتي قبل ما حد يشوفني، خصوصاً حسان الشرير

أسرعت ليلى في خطواتها عائدة لغرفتها، تجلس فوق فراشها لا تصدق مغامرتها الممتعة هذه الليلة

تراجع عزيز عن شرفة مكتبه المظلمة بعدما لمح طيف تلك الفتاة التي لولا نظرة الرجاء التي رأها في عينين العم سعيد وتلقيه ذلك الخبر عن حصوله على قطعة الأرض.. ما كان جعلها تعمل في منزله فهو حتى هذه اللحظة لم يوكل أحد ليؤكد له صدق ما قصته

نفض رأسه عن تلك الفتاة، فما يشغل عقله الأن أغلى وأهم
– ياريتني ما كنت خليتك تسيب البيت، جيت اعاقبك عقبت نفسي يا سيف
…..

في الساعه الثامنة كانت ليلى تقف في المطبخ كما حدد لها العم سعيد
دلف العم سعيد المطبخ يتمتم ببعض الأدعية يتمنى لو يظهر ذلك الشخص، فكما فهم منذ لحظات أن براءة سيف مُعلقة به لأنهم المتشبهين بالجريمة

ظلت عينين ليلى مع العم سعيد وهو يدور بالمطبخ، يلتقط إناء القهوة، فالسيد عزيز خاصة في الصباح لا يحب تناول القهوة إلا من يديه

شعرت ليلى ببعض الراحة فلم يكتشف أحد أمر خروجها من غرفتها ليلاً وسيرها في الحديقة بعدما خالفت القوانين الملزمة بها

– ليلى ناوليني يا بنتِ كوباية المية
أسرعت ليلى في التقاط كأس الماء الفراغ ثم صب الماء به تُناوله له

– حضري الفطار وكلي يا بنتِ..
– وأنت يا عم سعيد..أنت لازم تفطر عشان تاخد علاجك
استدار العم سعيد إليها ينظر نحوها بحنو، ف ليلى باتت تحفظ مواعيد أدويته ..
غادر العم سعيد بعدما منحها تلك النظرة الممتنة

….

ارتشف عزيز قهوته بعجالة حتى يذهب للشركة أولاً لتوقيع بعض الأوراق الهامة ثم الذهاب للنيابة
– برضوة يا بيه مش هتفطر
وضع عزيز فنجان قهوته الفارغ فوق سطح مكتبه ثم أسرع في التقاط بعض الأوراق مغادراً تحت نظرات العم سعيد المشفقة

…..

بخطوات رتيبة صعد الدرجات متجاهلاً ما يدور خلفه، وتلك التساؤلات التي أخذت زوجة أبيه تلقيها في صدمه عن الأملاك التي صارت باسمه وحده ، فأين هو من كل ذلك..
لقد تأكدت السيدة بثينة من خسارتها اليوم وهى ترى صمت الجالس أمامها وكأنه لا يسمعها

توقف أمام أحد الأبواب بعدما نفض عنه كل شئ ورسم تلك الابتسامة التي تظهر إلا إليهما يبتلع تلك الغصة التي لم تتركه يوماً غصه يبتلع معها خزيه

– بابي
ركض الصغير إليه يحتضن ساقيه فيتلقفه بين ذراعيه، وقد علقت عينين تلك الجالسة بين الألعاب بهم.. لم تستمر نظراتها طويلاً في التحديق به ونهضت هى الأخرى نحوه

– أنا زعلانه منك عشان..
خرج الحديث منها متعلثماً تبحث عن بقية حديثها حتى تخبره لما هى حزينة منه

– جدو مات يعني خلاص مش هشوفه تاني
توارت داخل أحضانه تُخبره عن حزنها وشوقها إليه

– متسافرش تاني، بثينه وحشه وبتزعق ليا صح يا رامي
والصغير يُحرك رأسه مؤكداً على حديثها
تجهمت ملامحه وهو يستمع لشكواها، يُقربها من حضنه أكثر يغمض عيناه بألم استوطن فؤاده

……

غادر الغرفة بعدما اطمئن على كلاهما وجلس برفقتهم بعض الوقت يلعب معهم
هبط الدرج بملامح واجمه , ولسوء حظها كانت جالسة بالردهة برفقة أبنتها

– البيت ده بيتي أنا واللي ميحترمش أصحابه يبقى ملهوش مكان فيه، واظن إن زيارتكم طولت يا بثينه هانم ولا أنتِ شايفه إيه
– صالح

صرخ به السيد رضوان بعدما جاء على صوت صياحه وطرده لزوجته

– شايف أبنك يا رضوان بيطردني قدام بنتي ويقولي بيتي

خرجت شهقاتها ، فتفرسها صالح بنظرات ساخرة مغادراً المكان غير عابئ بأي حديث يُلقيه والده
– ياريت لما اصحى الصبح تكون اخدتها من هنا ورجعت بيها المزرعة يا رضوان بيه

ارتسمت الصدمة فوق ملامح بثينة وهى ترى بالفعل زوجها ينفذ ما أمر به بل و يأمر الخادمة أن تُحضر حقائبهم وتبعث من يُخبر السائق أن يستعد لمغادرتهم.

ارتمى فوق الفراش بعدما أزالت عنه المياة الباردة أعباء الأيام الماضيه وقد انتهت أيام العزاء الثقيلة وإجراءات فتح الوصية.

اطبق فوق جفنيه بقوة , لقد رحل الذي علمه أن يكون نسخة منه، نسخة لا تسعى إلا وراء مصلحتها، نسخة خالية من المشاعر

لقد جرده تلك الليلة من إنسانيته، ليته يستطيع أن يغفر لنفسه ولكن كيف وهو يرى جرم حقارته أمامه

والزمن يعود به للوراء، سبع سنوات

– أنت بتقول إيه يا بابا، اتجوز مين… سلمى .. أنت عارف وضع سلمى إزاي
– ديه أوامر جدك يا صالح
– أوامر إيه، انتوا خلاص اتجردتوا من إنسانيتكم، أنت مستوعب أنتوا بتعملوا فيا وفيها إيه
– صالح، اوامري لازم تتنفذ.. أنا ورضوان موافقين… عايزنا نسيب بنت عمك كده… مين هيرضى يتجوزها

لم يشعر بحاله إلا وهو يصيح بجنون
– سلمى متنفعش تتجوز، وانت عارف ده كويس
– بنت عمك مش ناقصه حاجه

ورغمًا عنه عاد يصيح دون شعور منه

– ناقصها عقل، بتكبر لكن عقلها زي ما هو.. عقل طفله
– وفيها إيه، أنت ابن عمها وأولى بيها..
– وأنا بقول لاء ليك يا كارم باشا

احتدت عينين الواقف ينظر نحو ولده الذي وقف بينهم حائر، هو يرفض إقتراح والده ولكن رغمًا عنه لا يستطيع إلا أن يرضخ لقرارته

– جوازك من بنت عمك قدام كل اللي انا حاطه تحت رجلك.. وافتكر إن طلبي مش صعب يا ابن رضوان

الفصل الرابع
*****

تعلقت عينين عزيز به بلهفة وهو يراه يتحرك مع أحد أفراد الأمن حتى يتم إكمال الإجراءات ويفرج عنه
– متقلقيش يا عزيز بيه، كل حاجه هتخلص النهاردة وسيف بيه هينام في بيته

اتبعه المحامي المكلف بقضيته حتى يُكمل بقية الإجراءات، ظلت عينين عزيز عالقة بهم يزفر أنفاسه براحه وكأن ثقل الدنيا أنزاح من فوق كاهله.

سيف أمانة شقيقه له، أمانه كادت تضيع منه ولكن ماذا عساه أن يفعل ومع خروج زفراته اخذ يتمتم بالحمد، فالقضية انفكت خيوطها بطريقه عجيبة لا يكاد يُصدقها عقل بعدما ظهر المتهم الأخر رفيق سيف يُدلي بأقواله ويخبرهم إنه لم يتوارى عن الأعين إلا بسبب خوفه ليتهم هو أيضا في جريمة لم يفعلها، هو لم يقتل تلك الفتاة فقد كانت رفيقة لهم..

…..

اتسعت عينين ليلى في ذهول تستمع لما يقصه عليها العم سعيد
– يعني بواب العمارة هو اللي قتلها
– الدنيا ملهاش امان يا بنتي، بيقولوا استغفر الله العظيم إنه حبها وغوته

ضاقت عينين في حيرة، ايقتلها لأنها لم تعد تُريد فعل تلك العلاقة الشنيعة التي لا يُحركها إلا غرائزهم

– ده غير إنها خلته هو كمان يدمن المخدرات، وحاجات تانيه استغفر الله العظيم بلاش تعرفيها يا بنتِ
– ليه يا عم سعيد، احكيلي أنا بحب اسمع متخفش عليا أنا بسمع اه لكن عمري ما اختار الطريق الوحش
طالعها العم سعيد بنظرات حانية ، هذه الفتاة لديها طباع تجعل من يُعاشرها يحبها، جميله الملامح والطبع لن تتحمل تلك الحياة التي تنتظرها بعدما تنتهي مدة إقامتها معهم

– هنفضل نرغي كتير يا ليلى، قومي نضفي أوضة سيف بيه وانزلي بسرعه قبل ما البيه يوصل عشان تساعديني في المطبخ

– علم وينفذ يا عم سعيد

أسرعت ليلى في تنفيذ أوامره في سعادة، لقد مضى على إقامتها في هذا المنزل شهراً ، حدودها لا تتخطى المطبخ أو غرفتها..
تخرج للحديقة خلسة في الليل تدور هنا وهناك تستمتع بمظاهر الترف التي كلما رأتها تتسأل ماذا كان سيحدث إذا جعلها عمها تعيش معه، كانت ستصبح هانم تشبه هؤلاء اللاتي كانوا يأتون للملجأ والتبرع لهم.

شيعها العم سعيد بنظراته وهى تتجه لأعلى، فقد صار يمنحها بعض المهام في المنزل بعدما اطمئن لسلوكها وطمئن رب عمله من وجودها

……

استمرت مشيرة في زيارتها الأسبوعيه للدار وقد أحبها الفتيات حتى مُشرفات الدار ، وباتوا ينتظرون ذلك اليوم الذي تزور فيه الدار

تهللت أساريرهم وهو يرونها تدلف من بوابة الدار تحمل الهدايا التي وعدتهم بها، فركض جميعهن صوبها
نهضت السيدة كريمة عن مقعدها بعدما استمعت لصوت الصياح الأتي من حديقة الدار، ووقفت متوعده ولكن سرعان ما انبسطت ملامحها واسرعت بخطواتها مغادرة الغرفة نحو الضيفة التي باتت غالية لديها بهداياها

– أهلا، اهلا مشيرة هانم..

تعلقت عينين مشيرة بها ترسم ابتسامتها الناعمة الراقية تمد يدها لمصافحة
– اهلا مدام كريمة

احتقنت ملامح كريمة بعدما اصطدمت بها صابرين التي التقطت من أحداهن احمر الشفاه الذي اعجبها

– أنتِ مش كل مرة هتاخدي اكتر مننا يا صابرين، شايفه يا مدام مشيرة
– خلاص يا بنات، المره اللي جايه هكتر ليكم من صوابع الروج..

تهللت أسارير الفتيات المجتمعين حولها، وكل منهن نالت هديتها، ازدادت ملامح السيدة كريمة قتامة تلتقط احمر الشفاه الذي يبدو عليه ذو ماركة مشهورة

– مافيش روج يتحط تاني، انتوا سامعين.. لو سامحتي يا مدام مشيرة بلاش الحاجات ديه..

و أندفعت عائدة لغرفتها بملامح متحفظة وقد ارتسم الخوف فوق ملامحهم ،
حدقت بها مشيرة بنظرات تحمل الدهاء، ف أمثال كريمه لا يخفون عنها وتعرف تماماً كيف تسترضيهم
تعالت ثرثرة الفتيات والمشرفات في قلق وكل منهن ترك ما أخذه من الهدايا الكثيرة التي تغدقهم بها

……

طرقت مشيرة غرفة المكتب الخاصه بالسيدة كريمة ترسم فوق ملامحها ابتسامة تُجيد رسمها ببراعه، تعلقت عينين السيدة كريمه بها بعدما رفعت عويناتها قليلًا لأعلى ثم عادت تحدق بتلك الورقة التي تدون فيها ميزانية هذا الشهر وحاجة الدار لعلب اللبن الخاصه بحديث الولاده

– مقصدش اخالف قوانين الدار ولا اتعدى دورك يا مدام كريمه، اسمحيلي اعتذر منك.. أنا ست اتعودت لما الاقي نفسي غلطانه اعتذر والمفروض ده دورك يا فندم أنتِ مش مديرة الدار بس، أنتِ أم لكل بنت في الدار

رفعت كريمة عيناها عن الأوراق تُحدق بها بنظرات ضائقة وسرعان ما لمعت عيناها, تفرد جسدها فوق المقعد مسترخية

انفرجت شفتي مشيرة بابتسامة ماكره، فلا بأس بمزيد من الأحاديث التي ستجعلها تنتفخ كالطاؤوس

– تسمحيلي أحط مبلغ للدار، أنا اعتبرتكم عيلتي حقيقي، أنا اتحرمت من نعمة الامومة لكن كل لحظة بقضيها هنا بحس إن ربنا عوضني بيهم

وضعت مشيرة المبلغ المالي أمام السيدة كريمة تذرف بعض الدموع وقد تمكنت من قلب السيدة كريمة واكتسبت تعاطفها كما اكتسبت سعادتها بالمال
…..

خرجت مشيرة جوار السيدة كريمة التي اتسعت ابتسامتها فور أن مدحتها مشيرة وتسألت عن سر حفاظها على نضارة بشرتها
– شوية خلطات كده هقولك عليه لكن اهم حاجه تنامي بدري وتشربي مية كتير

توقفت مشيرة عن السير بعدما التقطت عيناها زينب التي لم تراها إلا مرتين مع الفتيات
– هي البنت ديه ليه ديما لوحدها

قطبت السيدة كريمة حاجبيها بعدما توقفت عن حديثها تنظر نحو زينب بملامح مستاءة

– اصل صاحبتها خرجت من الدار من مدة وزعلانه عليها، هى كده ديما منطوية
– شكلها بنت هادية

– زينب
ارتعشت أهداب زينب توجسًا وهى تراهم يقتربون منها بعدما هتفت السيدة كريمة اسمها
– أنا ليه مش بشوفك مع البنات يا زينب، حد بيضايقك في حاجة

نظرات السيدة كريمة حملت الوعيد ، فارتعشت شفتيها وأخذت تدلك كفيها
– ردي على مدام مشيرة يا زينب
أسرعت تُلبي أمر السيدة كريمة حتى لا تنال من بطشها بعدما تغادر تلك السيدة الأنيقة
– أصل أنا بحب أفضل لوحدي
– مش قولتلك يا مدام مشيرة
اقتربت منها مشيرة تقربها منها ترسم فوق شفتيها ابتسامة مطمئنة
– المرة اللي جاية عايزة اشوفك مع البنات وتعالي يلا خدي هديتك زيهم ده طبعا بعد أذن مدام كريمة
والسيدة كريمة تنظر لها حتى تُنفذ دون كلمة

……

– إزاي يا مامي قابله الإهانة ديه، هو ده السيد رضوان اللي صممتي تتجوزي وعرضتي كلامنا واحترامنا قرارك عشان كان حبك الأول قبل ما تتجوزي بابي الله يرحمه

احتقنت ملامح بثينة تشيح عيناها عن أبنتها، فقد اهانها ابن رضوان دون أن يأخذ لها حقها رضوان وكيف سيأخذ حقها وكل شئ تحت سلطته

همهمت بغضب ساحق حاولت بشدة أن تخفيه ليلة أمس وهى تُغادر معه عائدة لبيت المزرعة
– طول عمرك سلبي يا رضوان، وكل حاجه خطت ليها ضاعت خلاص
– بتقولي حاجه يا مامي
– هبه أرجوكي كفايه كلام، أنا ضغطي عالي من أمبارح بسبب اللي حصل
أسرعت هبه نحوها تطمئن عليها في لهفة
– أجيبلك دكتور يا ماما
– مين محتاج دكتور يا هبه

ارتسمت ابتسامة مجاملة فوق ملامح هبه ، هى حتى هذا اليوم لا تتقبل زواج والدتها من هذا الرجل رغم مرور عامين على زواجهم ولكن لن تنكر أنه رجل كريم و ودود معهم

– مافيش حاجة يا رضوان
تولت بثينة أمر الجواب عليه، تنظر لأبنتها حتى تصمت وقد فهمت الأمر وغادرت المكان متعلله برغبتها في مهاتفة زوجها

– لو كنت فارقة معاك يا رضوان مكنتش سمحت لابنك يطردني، إظاهر إني غلطت لما قررت اسيب ذكرى زوجي الأول واتجوزك يا رضوان

احتقنت ملامح رضوان فعن أي زوج تتحدث هذه المرأة، اقترب منها يجذبها إليه في تملك

– بثينة بلاش كلامك اللي بيعصبني

لمحت بثينة الغيرة مشتعلة داخل عينيه، فاسبلت أهدابها تلومه على صمته أمس تتجاهل مؤقتً تركه لكل شئ تحت سيطرة ولده المتجبر

– مش قادرة أنسى إني اتهانت قدامك يا رضوان، ابنك طردني قدام بنتي، عارف يعني إيه
– متزعليش يا بثينة

دنى منها يلثم جبينها محاولاً إرضائها

– أنا عمال أصالحك من امبارح، غير أنتِ عارفه كويس كنتِ بتعملي إيه في سلمى طول ما كنا قاعدين في القصر، ده برضوه اللي كنت موصيكي عليه، سلمى حاله خاصه عايزه اللين والحب

– هو أنا كنت بكون قاصده اصرخ فيها، ده هي مره واحده لما تعمدت تحط قشر الموز عشان أقع

رغما عنه كان يضحك وهو يتذكر ذلك اليوم

– ما أنتِ بتحطي عقلك بعقلها، لبسك.. شعرك.. أنتِ مش صغيرة.. طريقة أكلك

احتقنت ملامح بثينة تسمع مبرراته الدائمة لابنة شقيقه التي كان عليهم إداعها في مكان مناسب لحالتها، لا أن تتزوج وتنجب طفل تظنه صديقها

– قولتلك سلمى زي الطفل الصغير لو رضتيها هتحبك مش ليل نهار أوامر.. سلمى مش زينا يا بثينة
– وما دام هي مش زينا، اتجوزها صالح إزاي وخلف منها.. عايز تفهمني إنها بتفهم علاقة الراجل بالست، ابنك مقضيها جوازات في السر وهي فكراه باباها… انتوا عيله مليانه تناقضات يا رضوان وشكلي غلطت لما وفقت نرجع اللي كان بينا زمان
– برضوه يا بثينه بنرجع لنفس الكلام وأنا اللي كنت عاملك مفاجأة هتعجبك
– مفاجأة
استنكرت الكلمه ولكن سرعان ما كانت تلمع عيناها وهي ترى العقد الذي خطف أنظارها
– مافيش حاجه تغلا عليكي يا حببتي

……

توقف صالح أمام المرآة يهندم من قميصه ينظر لأنعكاس تلك الغافية فوق الفراش وقد أنحسر الغطاء بين ساقيها، لقد ضجر وعليه التجديد عليه إنهاء تلك الزيجة حينا يعود من رحلة عمله
غادر الغرفة يسحب سترته من فوق الأريكة ويلتقط بقية متعلقاته

….

توقف عزيز جوار سيارته ينظر نحو سيف الذي غادر أخيراً بعدما انتهت الإجراءات القانونية.
تعلقت عيناه ب سهير طليقة شقيقه وقد طلقها قبل وفاته، يحدق بالمشهد ساخراً هل تذكرت سهير أخيرا أن ابنها سيضيع مستقبله بسبب رفقاء السوء .

لم تكن مشاعر سهير مزيفة من دموع مختلطة بمشاعر الفرح، ولكنها رغما عنها تعود لأنانيتها
– وحشتني أوي يا سيف، وحشتني يا حببتي
ضمته إليها لا تُصدق إنه صار حراً
ارتدى عزيز نظارته يخفي خلفها شوقه، سيف ليس ابن شقيقه فقط بل هو ابنه الذي لم ينجبه حتى الزواج صرفه عن حياته حتى لا تضعه امرأة في خانة الأختيار

اقترب منه سيف في خجل، لقد حذره كثيراً من رفقة السوء.. هو لم يكن يقابل خوفه عليه إلا بالتمرد
– سامحني يا عمي

غامت عيناه بشعور الندم، يسبل جفنيه في خزي يُقاوم غصته, يظنه إنه هذه المرة لن يسامحه
احتضنه عزيز بشوق، لا يُريد رؤية الكسرة في عينيه
– المهم نكون اتعلمنا المرادي يا سيف، شوفت نهاية الطريق كانت ممكن تكون إزاي
والصورة التي حاول نفضها عن عقله مازالت محفورة داخله

…..

طالعت ليلى سعادة العم سعيد وهو يتنقل هنا وهناك داخل المطبخ، ينظر للاصناف التي أعدها من طعام يعرف أن السيد الصغير يحبها

– كل حاجه جهزه يا ليلى
– ايوة يا عم سعيد، أنت بس قولي جهزي الأطباق يا ليلى وأنا هبدء علطول
– تمام يا بنتي، اعملي حساب مدام سهير والده سيف بيه والمحامي
– حاضر
انصرف العم سعيد من المطبخ حتى يسأل السيد عزيز، هل يضع الطعام أم ينتظر قليلاً
عاد بأدراجه ينظر نحو ليلى التي تراجعت للخلف في توتر عندما لمحت قدومه، هى لم تكن ترغب إلا برؤية هذا السيد الصغير الذي رأت صوره المعلقة في غرفة السيد وغرفته أثناء تنظيفها الطبق العلوي

– هو ده اللي اتفقنا عليه يا ليلى، ليلى البيه أوامره لازم تتنفذ يا بنتي…
– سامحني يا عم سعيد، أنا بس كنت عايزة اشوف البيه الصغير.. فضول مش أكتر
تنهد العم سعيد وهو يرى تلك النظرة الحزينة تطل من عينيها
أسرعت ليلى في سكب الطعام وقد ازداد خجلها بعدما شعرت بقلة حيلة العم سعيد وهو يُخبرها أن الأمر ليس بيده ، هو ينفذ الأوامر ولكن ماذا تفعل في فضولها اللعين

…..

زفرت مشيرة دخان سيجارتها بقوة ومازالت عيناها عالقة بتلك الصور التي أمامها
– كلهم بقوا نسخ محروقه يا صبري
زفر الواقف أنفاسه بقوه والتقط الصور من أمامها يُجمعها
– والحل يا مشيرة، أنتِ بقالك شهر ونص بتروحي الملجأ.. ومافيش أي بنت عرفتي تجري رجليها

ارتفعت زواية شفتي مشيرة مع ابتسامة جانبية تسحق عقب سيجارتها في المنفضة
– أنت فاكر الموضوع كان سهل يا صبري لكن هانت خلاص الخيط بقى في أيدي وقريب جداً هنكون بنراضي البشوات

رمقها صبري بنظرة متسعة تحمل غبطة، أخيراً سيكون لديهم نسخ جديدة من الفتيات

– ده أحنا كده هننبسط وهنبسط البهوات، وأنا اللي قولت مشيرة كبرت خلاص وراحت عليها

استنكرت مشيرة حديثه, تدس سيجارة أخرى بين شفتيها
– متخافش يا صبري، لسا مراحتش عليا

اسرع صبري في الجلوس جوارها حتى يتمكن من ترضيتها بعدما رأى الحنق مرتسم فوق ملامحها راغباً في معرفة عدد الفتيات اللاتي ستستطيع جرهم لعملهم

– كام بنت هتقدري تحبيهم يا مشيرة، افتحي نفسي
وسرعان ما كان يتلاشى الانبساط فوق ملامح صبري يهتف مستنكراً
– تلاته!

– التالته ديه الحصان الرابح يا صبري، حاجه كده هتكون هدية مني لواحد بس..

ضاقت عينين صبري للحظات وسرعان ما كان يفهمها، رجلاً واحداً من لا يرتضي إلا بشئ ثمين ليدفع بسخاء

– اسمها إيه البنت اللي وقع عليها الاختيار للباشا
والاسم يُلفظ من شفتي مشيرة مع تنهيدتها المعبأة برائحة الدخان
– زينب

الفصل الخامس
******

انتفض من فوق فراشه يمسح حبات العرق المتناثرة على جبينه، روحه تكاد تُزهق من شدة لهاثه.
ازدرد لعابه في خوف، صورتها لا تُفارق عقله منذ تلك الليلة المشؤمة التي ذهب فيها لمنزل تامر صديقه بعد إلحاحه عليه أن يأتي..
جرعة جديدة من المخدرات اراده أن يُجربها معهم، كاميليا هي من تحضر لهم هذه الجرعات، فهى لديها من يمولها بهذه الممنوعات
صديقه كان مغرماً بها ولم يعد الأمر مجرد إعجاب بل صارت العلاقه بينهم أقوى
لقد تركهم ليغفو قليلاً بعد رفضه لتناول جرعة المخدرات وتجربتها يشعر بالذنب، فما الذي فعله عمه له حتى يخذله هكذا.. كل ما يفعله لأنه يحبه..
اتخذ الغرفة التي يرقد بها كلما أتى لتامر وأراد النوم، يستمع لصوت ضحكاتهم واقترابهم من الغرفة التي تُجاوره ،
اصواتهم العالية بكلامهم البذئ، طالما اخبرهم إنه لا يُحب سماعها ولا يُلقى منهم إلا السخريه مفسرين عدم قدرته في إقامة علاقة لأنه يعيش في بيت وكأنه كتيبة عسكريه مع عم شارف على الأربعين ومازال عاكف عن الزواج..
ارتدائه سماعات الأذن ما تجعله ينفصل عنهم مع أغانيه الأجنبية المفضله ،
لم يعرف ما استغرقه من ساعات النوم، ولكنه كان متأكد إنه غفا لوقت طويل
نفض رأسه وكأنه لا يُريد تذكر هذا المشهد، هى منبطحه برأسها فوق الطاولة وذلك المسحوق الأبيض أمام أنفها جاحظة العينين

– سيف
تمتم بها عزيز بعدما أشعل إنارة الغرفة ينظر إليه في لهفة، اقترب منه وقد ألمه فؤاده على رؤيته هكذا، يلوم حاله إنه من جرده من كل شئ قبل هذه الليله بعدة أيام، ليته لم يدعه يُغادر المنزل

– سيف أنت مالكش ذنب، ديه نهاية الطريق الغلط.. ربنا منحك فرصة عشان تراجع نفسك

– ليه قاتلها، كاميليا مكنتش وحشه.. ظروفها أجبرتها تكون ديلر

خرج صوته مهزوزاً مختنقًا مشيحًا عيناه عن عمه في خزي

– أنا هفضل طول عمري حاسس بالذنب، لو مكنتش بنام وأنا صوت الموسيقى عالي.. كنت سمعتها وهى بتصرخ وبتستنجد بيا.. الحيوان استغل خروج تامر

– سيف كفايه لوم على نفسك، هتفضل حاطت الذنب عليك.. أنت كنت ممكن تكون مكانها مقتول.. اللي أنت كنت عايش فيه ده هو نهايته الطبيعيه

خرج حديث عزيز في خشونة لم يكن يقصدها ولكن هذه الحقيقه
– أنا أسف يا عمي
صوته المعتذر خرج يحمل الندم، يطرق رأسه نحو كفيه المضمومين يفركهما بقوة.. يُذكره بطفولته عندما كان يفعل شئ خاطئ فيعتذر منه.

غلب حبه قسوته المصطنعه التي أراد إشعاره بها مقتربًا منه يضمه إليه بحنان وحب شديد كان يستشعره سيف دوماً بين ذراعيه
– اوعاك تفتكر إني هسيبك تضيع، ديما هكون في ضهرك.. خوفي عليك هو سبب قسوتي.. اوعدني المرادي تبعد عن كل حاجه بتاخدك للوحل.. سيف عمك ممكن يموت فيها لو روحت من بين ايديه زي ما راح أبوك

خانته دمعة ساخنة تحمل الشوق الذي لم ينضب من مقلتيه، سالم شقيقه مازال في قلبه.. يرى صورة سيف فيه
– أوعدك هتغير يا عمي، اوعدك المرادي أكون إنسان جديد

……

توقفت بثينة أعلى الدرج لا تُصدق أن هذه المفاجأة التي أخبارها عنها رضوان منذ فترة ليست ببعيدة
أسرعت تحتضن تلك النسخة المصغرة عنها، أبنتها الغالية “نادين”
– أنا أكيد بحلم يا حبيبت مامي، كده متقوليش كنت جيت اجيبك من المطار
ابتعدت عنها نادين تحمل نفس الشوق لها، لا تُصدق إنها أخيراً احتضنت والدتها
– عمو رضوان قالي خلينا نعملها ليها مفاجأة

أسرعت بثينة في مسح دموعها، أخيراً أبنتها عادت إليها ووفى لها رضوان بوعده
– عمي رضوان خلصني منه أخيراً يا مامي وتمت إجراءات الطلاق

اتسعت عينين بثينة في سعاده لا تُصدق ما تسمعه أذنيها، فهل أخيراً تخلصت أبنتها من هذا الرجل الذي لا يوضع في خانة الرجال، ولولا تمسك أبنتها به منذ ثلاثة أعوام ما كانت وافقت عليه وجعلتها تغترب معه
– أخيراً الهم إنزاح يا نادين ورجعتي لحضني

عادت نادين لأحضانها، تتنهد هى الأخرى براحة
– الحمدلله يا مامي متعرفيش أد إيه أنا ندمت إني ضيعت تلت سنين من عمري مع واحد زيه
ابتعدت عنها بثينه، تتأمل ملامحها الفاتنة.. فقد عادت صغيرتها لاحضانها
– المرادي مش هسيبك تختاري غلط تاني واقف اتفرج عليكي
…..

توقف سيف مكانه يكاد يهتف باسم العم سعيد، فضاقت عيناه يقطب في حيرة, ينظر نحو ليلى الواقفة ..
رفع كفه يحك رأسه في تساؤل، فمن تلك التي تقف امامه تقلب الطعام وتُدندن بلحن غنوة مبهمه بالنسبة له, تؤدي مهام العم سعيد في المطبخ، عمه لا يوظف خادمات إلا إحداهن تأتي للتنظيف وهذا الأمر ما يتولاه العم سعيد

التفت ليلى بجسدها تبحث عن علبة أحد التوابل ولكن سرعان ما كانت تنفلت شهقة قوية من شفتيها تنظر للواقف أمامها
– حرام عليك يا بيه مش تتنحنح وتقول أي حاجه
ارتفع كلا حاجبي سيف في دهشة وقبل أن يعيد سؤاله ثانية حتى يعرف هويتها كان العم سعيد يدلف المطبخ
– سيف بيه، محتاج مني حاجه يا بني

استدار سيف نحو العم سعيد ينظر إليه في تساؤل، والعم سعيد لم يتركه في دهشة من وجود ليلى، هى تعمل هنا ولكنها ليست مرئية الوجود كما أعطى السيد الكبير أوامره والتي باتت مشددة منذ عودة سيف للمنزل

– ديه ليلى يا بني بتساعدني في شغل البيت، أنت عارف إني كبرت خلاص

ابتسمت ليلى على حديث العم سعيد، فلم ينطق كلمه تجعلها تشعر بالحرج من السيد الصغير الذي يُقاربها في العمر

– غريبه يا عم سعيد، أنت حتى لو احتاجت لحد يساعدك هتختار راجل
ابتسم العم سعيد، فالسيد الصغير يستعجب من وجود ليلى المخالف لقوانين منزلهم
– لا عمك سعيد عايز حد بابتسامة حلوه

التمعت عينين ليلى في غبطة العم سعيد يُغازلها بحديثه الطيب، هذا الرجل ستظل تتذكره لأخر يوم في عمرها

علقت عيناها بهم وقد سحب العم سعيد السيد الصغير خارج المطبخ ،
فعادت ليلى تنشغل بالطعام تحمد الله أنها أنتبهت بالوقت المناسب على قِدْر الطبخ

….
– بنت يا يتيمة يا ابني كان عمها صاحب الفيلا قبل ما يشتريها عزيز بيه من مراته
طالعه سيف في ذهول، فهل هناك عم يرمي ابنة شقيقه تعيش في ملجأ وهو يعيش في ترف
– متستعجبش يا بني من حال الدنيا والناس، مش كل الناس زي عزيز بيه
– عندك حق يا عم سعيد
– محتاج مني حاجه يا بني
طالعه سيف ينظر إليه يُحاول تذكر ما كان يُريده منه، عاد الألم يطرق رأسه يرفع كفه ضاغطًا على جبينه
– محتاج حاجه للصداع، أو أي منوم يمكن أعرف أنام

….

بخطوات متغنجة حاولت فيها صابرين تقليد سيدات المجتمع الراقي.. اقتربت من زينب وقد ارتدت ذلك الحذاء عالي الكعبين ،
بتأفف زفرت أنفاسها بعدما كادت أن تسقط، ورغماً عن زينب كانت تضحك عليها

– بتضحكي عليا يا زينب بكره تشوفي هكون من الهوانم واعرف ألبس إزاي كعب عالي

حاولت زينب كتم ضحكاتها وقد انتهت من تبديل ثياب إحدى الصغيرات
– بت يا زينب هى ليه ليلى لحد دلوقتي مجتش تزورك ومجبتش عمها الغني يتبرع للدار زي ما كانت بتقول ولا كانت بتضحك علينا
احتقنت ملامح زينب تنظر نحو صابرين شزرًا، صابرين لا تكف إلا وتحدثت عن صديقتها الغالية بالسوء

– ليلى مش كدابه يا صابرين .. أكيد حصلت ليها ظروف منعتها.. وابعدي عن طريقي بقى خليني ألحق وجبة الغدا

امتقعت ملامح صابرين، هذه الفتاة لا ينفع معها حديث فكيف لها أن تعرض عليها ذلك العمل الذي عرضته عليها السيدة مشيرة، عمل في أحد الملاهي الليلة، سيقدموا للزبائن المشاريب لا غير

اسبلت صابرين جفنيها، تاركة لخيالها الحرية.. تتخيل لو رأها أحد الزبائن الأثرياء وتزوج بها حتى لو سرًا
– صابرين
هتفت بها أحدى الفتيات تنظر إليها في ضيق، فلما عليها أن يبعثوها هى دوماً لتبحث عنها
– الغدا اتحط وأنتِ عارفه أبله كريمه اللي ميلحقش ملهوش أكل
زفرت صابرين أنفاسها حانقة، تتمنى أن تمضي هذه الأيام سريعًا وتُغادر هذه الدار

….

– هتعمل إيه في امتحاناتك يا سيف، معنديش مشكله إنك تأجل السنه
تمتم بها عزيز بعدما مضغ لقمة الطعام ثم ابتلعها يُحدق النظر فيه
– لا يا عمي مش هأجلها
تعجب عزيز من عدم رغبته في تأجيل هذا العام رغم إنه هو من يعرض عليه الأمر
– لو محتاج تروح ترتاح في أي مكان معنديش مشكله، أنا مش عايز تفضل متأثر بالموضوع

اماء سيف برأسه يبتلع طعامه بصعوبه، فعمه يفعل كل ما بوسعه
شيعه عزيز بنظراته وهو يُغادر غرفة الطعام بعدما تمتم معتذرًا لرغبته في الصعود لغرفته.

خرجت زفزات عزيز في ثقل ولم يعد لديه هو الأخر شهية في تناول الطعام
نهض عن الطاولة متجهاً نحو المطبخ راغبًا في صنع قهوته بنفسه، فمنذ فترة طويلة لم يصنعها لنفسه ويترك هذا الأمر للعم سعيد

– طعم الأكل جميل أوي يا عم سعيد تسلم ايدك..
التهمت ليلى قطعة اللحم التي اصبحت تأكلها كثيرًا، تنظر نحو الحلقة المعروضة على شاشة التلفاز بتركيز ثم تعود لتحشو فمها بالطعام الذي ستفتقده حين تغادر هذا البيت

– كلي براحه يا ليلى
ثم نظر نحو الوقت ونحو المسلسل المعروض
– فاضل نص ساعه على ميعاد نومك
توقفت ليلى عن مضغ الطعام تنظر للوقت الذي مازال مبكرًا ولم يتجاوز التاسعة بعد وعليها أن تكون في غرفتها حتى لصباح يومًا جديد
– عمي سعيد هو أنا ممكن اقعد في الجنينه لما ازهق، أنا ساعات كتير مبعرفش أنام
ابتسم العم سعيد وهو يرى تذمرها، كل ليله تُخبره بهذا الأمر ثم تذهب لغرفتها حانقة.
انتظرت ليلى أن تسمع منه السماح بعدما رأت تلك الأبتسامة التي شقت شفتيه، هى بالفعل تقضي اوقاتً في الحديقة الخلفيه بل وأحياناً تتفقد أركن المنزل ليلاً ولكنها تشعر بالذنب لأنها تكذب عليه
– ليلى
ضاع أملها مع هتاف اسمها بتلك الطريقة التي لا تعبر إلا عن قلة حيلته
– عارفه إنها أوامر البيه

سيد المنزل لا تتذكر إنها رأت ملامحه بوضوح أو التقت به سوى مرتين لا أكثر
نهضت تجمع الأطباق من فوق الطاولة حتى تُجليها قبل ذهابها لغرفتها

نهض العم سعيد هو الأخر حتى يرى السيد عزيز إذا أراد شيئاً ولكنه توقف مكانه ينظر نحو الواقف وقد احتلت عيناه بعض الدهشة، فما الذي يفعله السيد عزيز قرب المطبخ
– عزيز بيه..
هتف بها العم سعيد يستعجب من وجوده
– محتاج فنجان قهوة
وقبل أن يلتف العم سعيد بجسده ليعد له القهوة توقف مكانه
– متتعبش نفسك يا عم سعيد، أنا هعملها لنفسي

تلاشت دهشة العم سعيد، فهذا ما يفعله رب عمله من حين إلى أخر
أسرعت ليلى في طرق رأسها فقد دلف السيد ليعد فنجان قهوته، فالحديث بينه وبين العم سعيد وصل لمسمعها

ابتلعت لعابها في وقد غزت رائحة عطره القوية أنفها
– ليلى تقدري تروحي على أوضتك يا بنتي
ارتفعت عينين ليلى نحو العم سعيد تومئ برأسها سريعاً دون النظر نحو الواقف جواره

أسرعت في الأنصراف من أمامهم تخشى أن يأتي الصباح ويُخبرها العم سعيد أن السيد أمر بمغادرتها المنزل بعدما اعتادت على تلك الحياة
طعام نظيف، رجل حنون كالعم سعيد، لا أحد يُعنفها أو يُهينها.. والأكثر متعة بالنسبة لها تلك الحديقة الجميله وجلوسها ليلاً بها دون أن يراها أحد

علقت عينين عزيز بها، وقد طالت نظراته نحوها.. فتعجب العم سعيد وقد ارتسم القلق فوق ملامحه، فهل سيطردها هو يعلم أن ليلى جميلة والسيد يخاف على ابن شقيقه.. ف ليلى تُقاربه في العمر

– البنت أمينة وبتسمع الكلام.. الله يسامحه عمها في حد يرمي لحمه وياريت حتى افتكر يوصي عليها عياله يسألوا عنها

ابتلع العم سعيد بقية حديثه، فالسيد عزيز يقف صامتً
– يا بيه لو قلقان من وجودها عشان سيف بيه.. ليلى مش بتخرج من أوضتها بعد الساعه تسعة وطول اليوم معايا وعيني عليها

” لا تخرج من غرفتها بعد الساعه التاسعة”، العم سعيد رجل طيب القلب ولا يعلم ما تفعله بعدما يخلد الجميع للنوم، هو ليس بالسذاج ليترك أحد يعيش بمنزله دون أن يُراقبه حتى يثبت له حسن نواياه

استدار عزيز بجسده ينظر للعم سعيد
– فاضل كام شهر وصاحبتها تخرج من الملجأ
– اربع شهور يا بيه
…..

ارتفعت عصاة السيدة كريمة لأعلى تنظر نحوهم بنظرات قاتمة تحمل الوعيد إذا وجدت الخاتم الخاص بها المسروق من غرفة مكتبها بعدما وضعته فوق الطاولة بعد أن أهدته لها مشيرة

– عارفين اللي هلاقي معاها العقد هعمل فيها إيه
الجميع أسرع في تحريك رأسه، يقسموا إنهم لم يروا الخاتم الذي تتحدث عنه..
– يا حراميه يا ولاد الحرام
أرتجفت أجسادهن، يكتمون صوت شهقاتهم..
– واحده واحده تيجي تتفتش، داده سعدية تعالي فتشيهم
واحده وراء أخرى كان يتم تفتيشها حتى أتى دور صابرين التي وقفت تبتسم بسماجة تخبرهم إنها حينا تُغادر الدار لن تعود لهذا المكان حتى لو اكلت الكلاب لحمها

طالعتها كريمة بنظرة مستهزءة وعندما انتهى فحصها دفعتها المشرفة سعدية بغلظة لسوء لسانها وكأنها تظن نفسها هانم وليس مجرد فتاة لقيطة تم إداعها في دار أيتام

– تعالي يا زينب الدور عليكي
تمتمت بها سعدية تنظر نحو زينب الخائفة، اقتربت منها زينب تقبض فوق كفيها في ذعر وقد اتجهت بعينيها نحو السيدة كريمة
اشاحت كريمة عيناها عنها غير مهتمة بها، فهى متأكدة أنها ليست زينب، زينب فتاة منطوية تخاف من أي شئ وخاصة منها لن تفعلها..
هكذا خاطبت كريمة حالها تزفر أنفاسها حانقة، فلم يتم إيجاد الخاتم في ملابسها
– مافيش معاهم حاجه يا أبله كريمة
– يبقى نفتش سرايرهم يا سعدية

لم تنتظرها كريمة بل اتجهت تقوم هى بالمهمه وقد انقلب المكان رأسًا على عقب
– في خاتم واقع تحت سرير زينب
هتفت بها إحدى الفتيات وسرعان ما كانت تُكمم فمها، فما الذي فعلته
انتقلت جميع الأعين نحو صاحبة الصوت ، فتراجعت للخلف تنظر نحو زينب التي انحبست أنفاسها وعلقت عيناها بهم في شحوب وذعر تهمهم في خفوت
– أنا معرفش عنه حاجة، أنا مأخدتش حاجة

الفصل السادس
*****

تكورت زينب على نفسها تدفن رأسها بين ركبتيها تُقاوم تلك الرجفة التي تحتل جسدها وأرتعاش شفتيها
ارتفعت يدها نحوها خصلات شعرها التي صارت قصيرة تكتم صوت بكائها، ليتها جلدتها، ليتها حرمتها من الطعام ولكنها اختارت اعز شئ لديها.. شعرها الحبيب
خرجت صوت شهقاتها دون أن تتمكن من كتمانها
– أنتِ فين يا ليلى، قولتي هتسألي عني
– ما خلاص بقى يا زينب، مكنش شعر ده اللي زعلانه عليه
– بس أنا بحب شعري أوي يا صابرين

اطبقت زينب فوق جفنيها تسمح لدموعها بالتحرر مرة أخرى بسخاء
ارتجفت أهداب صابرين تأثرًا، هى السبب فيما حدث ولكن لا حل أمامها غير ذلك حتى تنفذ المطلوب وتجر معها زينب في ذلك الطريق الذي اختارته لهم السيدة مشيرة..
حاولت صابرين ترتيب حديثها ببضعة كلمات لطيفه

– منه لله اللي كان سبب في تهمتك.. مش بعيد تكون هى اللى عملت كده.. تعرفي كريمة ديه عندها عقده من كل بنت حلوه في الدار

طالعتها زينب بعينين أغرقتهما الدموع، فقد نالت عقاب جرم لم تفعله, أقسمت وصرخت ولكن لا أحد صدقها

– كريمة كل يوم جبروتها بيزيد، عارفه يا زينب الست اللطيفه اللي بتيجي الدار

أسرعت زينب في نطق اسمها، هى بالفعل سيدة حنونه ولطيفة معهم ودوماً تُطالعها بابتسامة جميلة
– مشيرة هانم
– ايوة هى مشيرة هانم، اخر زيارة ليها سألتني مين هيخرج من الدار قريب عشان تساعده وتلاقي ليه شغل.. قولتلها عليكي وعلى علياء ونهى..

توقفت صابرين عن إكمال حديثها تنظر نحو زينب، تُحاول رؤية ملامحها في الظلام..
لمعت عيناها في زهو، ها هى زينب تستمع إليها بإنصات شديد
– شغل إيه ده يا صابرين
– هنشتغل في مصنع تعبئة معلبات

تمتمت بها صابرين، فهذا ما خطر ببالها.. فلو اخبرتها إنه ملهى ليلي لن تستمع إليها
– مصنع
تمتمت بها زينب، يا له من حظ ينتظرهم بالخارج.. سيعيشوا بشرفهم
– هو ينفع تعمل حساب ليلى معانا.. يعني لما نخرج نروح ل ليلى ناخدها من بيت عمها…أنا خايفه عليها يكون مقبلش بيها وبيعاملها وحش

ارتفعت زاوية شفتي صابرين في سخريه، فعن أي ليلى تتحدث.. ليلى بالتأكيد صارت من سيدات المجتمع.. ولن تنظر لهن

– ليلى زمانها عايشه في النعيم , أنتِ هتفضلي هابلة لحد أمتى يا زينب.. تفتكري لو عمها كان طردها كانت غابت كل الفترة ديه.. كانت رجعت للملجأ في نفس اليوم تطلب منهم يساعدوها أو على الأقل كانت ظهرت بعد أيام.. لكن إظاهر إنها نسيتك ونسيتنا
– متقوليش على ليلى كده، ليلى وعدتني عمرها ما هتنساني
امتقعت ملامح صابرين وهي ترى ابتعادها عنها
– خلاص يا زينب نكلم مشيرة هانم تشوفي ليها شغل معانا بس نبدء إحنا الأول
استطاعت صابرين أن تلين عقلها، ترسم لها طريقهم الجديد..و زينب لم يكن يرتسم أمامها إلا لقائها ب ليلى

……

توقف صالح متيبس الحركة مكانه ينظر نحو الجالسة في فراشه تتلاعب بخصلات شعرها الطويل وتُحادث نفسها متسائلة
” هل ستعجبه هيئتها كما أخبرتها داده عديله”
– هو صالح اتأخر ليه، أنا خايفه أنام من غير ما يشوفني وأنا حلوه
ازدادت ملامح صالح قتامة وقد وضحت الصورة إليه، سلمى لا تفعل ذلك من تلقاء نفسها.. هم من يدفعوها إليه حتى يُدنسها في علاقة رغم شرعيتها وحقه إلا إنه لا يرى الأمر إلا جرم.. يكفيه ما فعله بها منذ سنوات ، يوم أن غادر الغرفة التي جمعتهم أول ليلة يُلقي لجده دليل دماء عذريتها يُخبره أنه اتم المهمه
– صالح
اغمض عيناه بقوة بعدما أستمع لصوتها ينفض عن ذاكرته أحداث هذه الليلة التي لم تعد تتذكرها هى..
اقتربت منه في لهفة تُلقي بجسدها نحوه تُخبره أنها انتظرت طويلا قدومه
– سلمى كانت هتنام
ابتعدت عنه تُغلق له عينيها كي تُريه بأن عيناها بالفعل كانوا سيغلقوا وستغفو وهى تنتظره

– ليه لسا صاحيه يا سلمى وليه لابسه كده

أسرعت سلمى في فتح عيناها تشعر بلمساته الحنية تسير فوق خديها تنظر إليه
– داده عديلة قالتلي إني هكون حلوه كده وأنت هتكون مبسوط.. هو أنت مش مبسوط عشان أنا جميله النهاردة يا صالح

نفث زفراته بقوة، يتوعد داخله لتلك السيدة التي لولا أنها مربيتها وتحبها.. ما تركها بعد وفاة جده
– أنتِ علطول جميلة يا سلمى
– أنا جميله يا صالح

هتفت عبارتها تُهلل في صياح وسرعان ما كانت تتذكر ما حفظته لها السيدة عديلة مربيتها

اختفت ابتسامة صالح لا يستوعب ما حدث للتو، سلمى تُحاول تقبيله ولمس جسده بطريقة مختلفة
ابتعدت عنه تنظر إليه تتعجب صمته

– هو طعمها وحش، داده عديلة قالتلي إن طعمها بيكون حلو.. أنا اكلت حلاوة كتير عشان تطلع طعمها حلو

ارتفعت أنفاس صالح واحتدت عيناه يُغادر الغرفة لا يرى أمامه
– عديلة

….

توقفت عديلة تطرق رأسها أرضًا في خزي، لم يكن في نيتها إلا خيراً..
خرجت زفراته بقوة وغضب، لا يكاد عقله يستوعب ما حاولت سلمى فعله، هل وصل الحال أن تُعلمها ما يحدث بين الأزواج.. تشوه عقلها الذي لا يفهم هذه العلاقه , هى حتى اليوم لا تُصدق أن رامي طفلها بل صديقها الذي أشتراه لها جدها

– لو اللي حصل اتكرر تاني، أكيد عارفه مكانك هيكون فين
اتسعت حدقتي عديلة في صدمة، فهل بعد هذا العمر الذي فانته في خدمة هذه العائلة سيطردها

– بعد العمر ده كله هتطردني يا صالح بيه

انسابت دموعها تتذكر السيد كارم وكم كان يمنحها مكانتها
– الله يرحمك يا كارم بيه، بعدك بقى مصيري الطرد عشان عايزه اعمل بوصيتك، كان نفسي يكون ليه حفيد تاني منك ومن الست سلمى

ضاقت أنفاس صالح، فلم يعد يرى أمامه من شدة الغضب.. أي أطفال يريدون إنجابهم، يكفيه ما يراه في عينين صغيره
-اطلعي بره بدل ما أموتك في ايدي، بره

أسرعت عديلة تغادر الغرفة مهرولة، فما الذي أخطأت فيه.. إنه تنفذ وصية السيد الكبير

تهاوى بجسده فوق المقعد القريب يرخي من رابطة عنقه زافراً أنفاسه لعلا ضربات قلبه تهدء قليلًا ..
مرت الدقائق وهو جالس هكذا حتى نهض من فوق معقده صاعداً لغرفته
وجدها غافية فوق فراشه بثوبها القصير، اتجه نحو المرحاض لعلا برودة المياه تحد من تلك النيران المشتعله داخله ،
هو السبب وحده من كان السبب ليعيش عمره حامل الذنب كلما نظر نحو صغيره ولها.

غادر المرحاض يحمل تلك المنشفة التي أخذ يُجفف بها عنقه،
بخطوات هادئة اقترب منها يمسح فوق شعرها الغزير ينحني نحو جبينها يلثمه..
فتحت عيناها بنعاس تنظر لملامحه القريبة منها ترفع رأسها تقبل شفتيه مستمتعة بمذاق القبلة تُحاول إكتشاف طعمها..

اغمضت عيناها تمط شفتيها وقد عادت لغفوتها، اطبق صالح فوق جفنيه بقوة، جعلتها تلك الخرفاء تظن أن هذه القبلة لها مذاق بطعام الحلوى
ازدادت ملامحه تجهمًا يود لو اطبق فوق عنق تلك المرأة وقد عادت وتيرة أنفاسه تتعالا من شدة الغضب

جفاه النوم لساعات طويلة يضم تلك الغافية فوق صدره بعدما اقتربت منه راغبه بالنوم في حضنه كما أعتادت مؤخراً منذ أن بدء رامي يكبر ويأتي للنوم جواره

غفا أخيراً تلك الساعات المتبقية ليستيقظ على تلك المداعبات والضحكات ولم يكن إلا هما، اكثر الأشياء نقاءً في حياته
– بابي، لومه بتقولي إنها نامت جانبك.. أشمعنا هى وأنا لاء
– أنت علطول بتنام جانبه، قوله إنه وحش صالح

انتقلت عينين صالح بينهم يفتح عيناه بصعوبه وقد بدأت مشاجرتهم وعليه إرضائهم، اندفع الصغير نحوه يُلقي بجسده بين ذراعيه باكيًا
ضمه صغيره إليه يمسح فوق ظهره يوعده أنه من سينام جواره الليلة بل و سيأخذه ليسبح قليلاً في المسبح

ابتعد عنه الصغير ينظر نحو ملامح سلمى وقد التصقت بهم لتسمع همسهم الخافت تمط شفتيها متذمره
– أبعدي عن بابي، مش هلعب معاكي تاني

دفعها الصغير برفق وركض مهرولاً نحو غرفته حتى يُحضر ملابس السباحه خاصته
– أنت وحش يا رامي
صاحت بها سلمى تلطم الفراش جوارها حانقة
– سلمى.. رامي صغير، أنتِ الكبيره والكبير هو اللي بيخلي باله من الصغير ويحبه أكتر

هزت رأسها رافضة ما يُخبرها به، ف رامي هو الأكبر وليست هى
– أنا كمان صغيره، هو اللي بياخد مني اللعب بتاعتي.. أنت بتحبه أكتر مني عشان أنت بابا بتاعه لكن أنا معنديش بابا

تعالت شهقاتها تتذكر جدها الحنون وعمها
– سلمى أنا بحبك أنتِ و رامي زي بعض، عارفه رامي ده ابن مين.. ابني وابنك يا سلمى

ابتعدت عن حضنه بعدما استكانت بين ذراعيه لبرهة ، تصم أذنيها.. رامي أتى من السوق وقد اشتراه لها جدها

– رامي.. جدو جابوا ليا من السوق.. هو مش بتاعي
توقف الصغير قرب الباب تغرق دموعه خديه وقد سقطت ملابس السباحة من يده وعاد لغرفته ينزوي قرب الجدار ينظر نحو العابه

ظلت تصرخ رافضه ما يُخبرها به، ترفع ثوبها تريها بطنها، فمن أين أتى هذا الطفل
– شوف بطني مافيهاش حاجه ، نوره بنت داده عديله فيها واحد هنا.. أنا معنديش

اغمض عيناه وقد عادت تلك الأيام تطرق ذاكرته

– بطني بتكبر يا جدو
والجد يُسايرها في الحديث وهو ينظر نحو بطنها بسعادة، فقريبًا سيأتي هذا الحفيد
– حببتي بكره هترجع زي الأول، المهم أنتِ كلي كويس
تعود لطعامها مقتنعة أن هذا الأنتفاخ ربما يكون بسبب تناولها للطعام وشرب الماء
وهو يقف يشاهد الأمر ويسمع ثم يُغادر صامتً قبل أن تنتبه على وجوده وتصرخ خائفه منه بعد تلك الليلة التي نالها بها وجردها من ثيابها

فاق من شروده على أنفاسها القريبة منه ثم قبلتها فوق شفتيه وكأن الأمر صار عادة
– طعمها مش حلو
– سلمى أنتِ بتعملي إيه
ابعدها عنه برفق يزيحها من فوق فخذيه بعدما صارت ملتصقة به
– كانت أمبارح طعمها حلو
– سلمى

انهارت في البكاء بعدما تعالا صوته في حده، يقسم داخله إنه سيُعاقب هذه المرأه على فعلتها.. هل كان ينقصه أمر كهذا؟
– أنت وحش يا صالح
– اللي بتعملي ده غلط
طالعته من خلف كفيها المضمومين، هى تفعل ما أخبرتها عنه مربيتها
– لا مش غلط
أنفاسه خرجت بقوه وهو يراها تتحاشا النظر إليها، وقد تعالت شهقاتها
اقترب منها ينتشل الوسادة التي تدفن بها وجهها، هو يعلم إنها تظن الأمر كأنه لعبة.. تتذوق طعم القبلة وكأنها حلوى
– سلمى ما أنتِ طول عمرك بتبوسيني في خدي
وانحنى نحوها يلثم خدها يُذكرها بقبلتها الرقيقة التي تضعها فوق خده كلما أسعدها
طالعته بابتسامة واسعة تتحسس خدها الذي قبلها عليه للتو وعلى ما يبدو ويأمل أنها تناست تلك القبلة التي أخبرتها عنها السيدة عديلة

…..

توقفت ليلى عن تقطيع بعض الخضار تنظر نحو الواقف أمامها ، السيد الصغير هنا في المطبخ وقد أخبرها مراراً وتكراراً العم سعيد أن تنتبه على عدم وجودها معه في مكان واحد، هكذا أمر السيد عزيز بعد رؤيتهم أمس بالمطبخ
– ليلى ممكن تعمليلي فنجان قهوة
اماءت برأسها ونهضت عن المقعد تنفذ ما أمرها به في صمت، تعجب سيف من صمتها..ف أمس جلست قبالته تتجاذب معه الحديث ببساطة تُخبره عن حياتها بالملجأ وكم هو محظوظ ليكون له عم مثل السيد عزيز وتقص له أول يوم لها هنا وكيف كانت تظن أن السيد عزيز عمها

اعدت القهوة كما طلبها وأسرعت في وضعها أمامه ، تبحث عن شئ تنشغل به إلى أن يُغادر
جلس فوق المقعد يرتشف من قهوته، فقد ضجر من الجلوس في غرفته يُطالع السقف في شرود دون رغبة ببدء مذاكرة محاضراته التي بعثها له أحد أصدقائه

– تفتكري يا ليلى هقدر أنجح السنادي

سألها راغبًا في الحديث معها ينظر إليها وقد ازدادت دهشته من تجاهلها لها
– اعذرني يا سيف بيه أنا ورايا شغل كتير
تمتمت بها في خفوت تتحاشا النظر إليه، وقد زاده الأمر دهشة خاصة وهى تُناديه هكذا
– سيف بيه!.. ليلى إحنا اتفقنا نكون اصدقاء.. ومافيش أصدقاء بينادوا بعض كده
– ميصحش يا سيف.. أنا هنا بشتغل عندكم
تجهمت ملامح سيف وقد بدأت الصورة تتضح إليه بعدما تذكر رؤية عمه لهم أمس
– عمي هو اللي طلب منك كده
استدرات بجسدها في خوف من نبرة صوته ، فما الذي يتحدث عنه
– لا، لا ..عزيز بيه مقالش ليا حاجه.. لكن ده المفروض يحصل

شعر سيف بالراحه، فليس لعمه ذنب بالأمر.. عمه عزيز لا يفعل ذلك.. هو أكثر من يعرفه.. فهو رجل عطوف لا يجرح احد
– ليلى أنا بجد كنت مبسوط أوي أمبارح وإحنا بنتكلم سوا، أنا ديما كنت وحيد.. ويمكن وحدتي ديه هى السبب في كل اللي وصلت ليه

عيناها علقت به تشعر بصدق كلماته، رغم كل ما لديه إلا إنه وحيد ويائس
تشابكت أصابعها ببعضهم تطرق رأسها أرضًا، فما عساها أن تفعل.. هى تنفذ الأوامر حتى تحافظ على هذا المسكن الذي وجدت فيه الراحه
– سيف بيه
أتى صوت العم سعيد يُخلصها من حيرتها
– ليلى روحي لحسان ساعديه في الجنينة

…..

توقف العم سعيد يضع فنجان القهوة وكأس الماء ينتظر سماع أوامره قبل أن يخلد للنوم
– أي أوامر تانية يا عزيز بيه
رفع عزيز يده يزيل عويناته الطبية ينظر إليه متسائلًا
– نبهت عليها أوامري
اسرع العم سعيد في تحريك رأسه، ليلى فتاة مطيعة تنفذ كل ما يُخبرها به
– ليلى بتسمع الكلام.. ميتخافش منها
– عم سعيد
اطرق العم سعيد رأسه، فالسيد عزيز لا يُريد هذا الجواب منه.. فسؤاله واضح
– ايوة يا عزيز بيه نبهت عليا

غادر العم سعيد الغرفة، هو يعلم أن لديه كل الحق ليخاف أن يحدث شئ من وراء ظهورهم، ف ليلى فتاة جميلة والسيد الصغير شابً.

الساعة تجاوزت منتصف الليل يغلق إضاءة غرفة مكتبه.. ويعيد النظر لساعة يده, فقد اقترب خروجها للحديقة الخلفية وجاء وقت وقوفه في الظلام لمشاهدتها كما اعتاد

الفصل السابع
***

توقف عزيز عن مضغ لقمة الخبز وقد ضاقت عيناه.. ينظر نحو ابن شقيقه وهو يُخبر العم سعيد أن يعطي ليلى اليوم اجازة عن العمل بالمطبخ فالفتاة مريضة

– كانت كويسه أمبارح يا عم سعيد.. حاول تهتم بيها
تعلقت عينين عزيز بالعم سعيد الذي اسرع في طرق رأسه بتوتر، فاهتمام السيد الصغير ب ليلى سيجلب لها الطرد، ولم يعد الكثير حتى تُغادر صديقتهالدار الأيتام ويجتمعوا

– عمي هو أنت ممكن تساعدها تسافر لأهلها، عم سعيد قالي إنهم باعوا ليك الفيلا وسافروا

عاد عزيز يمضغ لقمته ببطئ هذه المرة وقد انصرف العم سعيد بعدما سكب الشاي
– زوجة عمها و ولاده مش معترفين بوجودها في حياتهم

نهض عزيز عن مقعده بعدما مسح فمه بالمنديل متجهًا نحو غرفة مكتبه في صمت، طالعه سيف للحظات يشعر بالضيق من حاله, ينظر للطبق الذي أمامه في شرود ..
فهو بالتأكيد السبب بعد ما نُشر اليوم في بعض المواقع الإلكترونية عن قضيته التي انتهت ولكن الجميع صار يراه في صورة الشاب المستهتر

نهض هو الأخر عن مقعده واتجه نحو المطبخ ليجد ليلى واقفة تبتلع حبة الدواء التي منحها لها العم سعيد بعدما تناولت فطورها

– أنتِ كويسه يا ليلى، مخليتهاش ترتاح ليه في أوضتها يا عم سعيد
طالع العم سعيد لهفته في حيرة وسرعان ما كان يخرج صوت ليلى متحشرجًا تُخبره إنها بخير
– أنا بخير يا سيف بيه.. عم سعيد اداني علاج للبرد.. متقلقيش ديه حاجه بسيطه

تمتمت بها ليلى ثم اطرقت رأسها، هذه هى الأوامر التي عليها تنفيذها حتى لا يغضب السيد الكبير..الرجل يأويها في منزله وهى عليها أن تنفذ الأوامر لعلا كما أخبرها العم سعيد أن يجد لها ولصديقتها عملا ومسكنًا إذا توسم بهم خير، فالسيد كريم ويفعل الكثير من الخير ولكنه يكره من يعضوا يده التي تمتد بالخير، وليلى
كانت تتلقى الحديث من العم سعيد وتحفظه..
– لو عايزه يا بنتي تروحي ترتاحي في أوضتك روحي

أسرعت ليلى في هز رأسها رافضه، تتحاشا النظر لذلك الواقف.. الذي يُطالعها بقلق
– أنا كويسه يا عم سعيد

….

توقفت عن النظر نحو هاتفها ومطالعة الأخبار التي تخص طليقها، رغم مقتها له وذلك الحب الذي تحول لكره لم تظنه سيحدث يومًا بعد قصة حبهم وتمسكها به
– نادين

انتفضت في رقدتها تغلق هاتفها حتى لا تنتبه والدتها على ما كانت شاردة به ..
اقتربت منها السيدة بثينة تنظر إليها بابتسامة واسعة
– أنا مش قولتلك تقومي تلبسي حاجه شيك وتظبطي نفسك يا نادين

واسرعت السيدة بثينة تنظر نحو ساعة معصمها وقد استاءت ملامحها من مكوث أبنتها بثياب النوم وشعر مشعث
– صالح زمانه جاي يراجع مع رضوان بعض الأوراق والإيرادت الخاصة بالمزرعة

واردفت بثينة حانقة، فلم تعد رابحة من تلك الزيجة كما ظنت.. فكل شئ منحه العجوز قبل موته لحفيده ورضوان كان خير من مرحب بذلك، ف بالنهاية كل شئ صار لابنه

– الدور بقى عليكي أنتِ يا نادين، كل اللي كنت عايزه اعمله عشانكم.. بقى في ايدك.. بأيدك تعيشي في العز ده طول عمرك أنتِ وأخواتك غير كده بعد موتي كل ده هيضيع منكم وهترجعوا تاني للفقر
ضاقت عينين نادين في حيرة، تحك فروة رأسها.. فما سر هذه المحاضرة الطويلة اليوم بسبب قدوم هذا الرجل الذي قصت لها عنه شقيقتها “هبه” تصفه بالمتعجرف المغرور وكيف طرد والدتها بعد موت الجد كارم

احتقنت ملامح بثينة وهى ترى أبنتها مازالت جالسة تطالعها في غباء، فاندفعت نحوها تجذبها من فوق الفراش
– أنتِ لسا هتفكري في كلامي، قومي البسي ولما هتشوفي صالح أنتِ اللي هتجري وراه.. زي ما جريتي ورا حتت التافه اللي ضحك عليكي وخسرك شغلك
– ارجوكِ يا مامي متجبيش سيرة مازن، أنا لسا بحبه
ازداد ملامح بثينة أحتقاناً، فهل أبنتها مجنونه
– بعد كل اللي عمله فيكي، ده أنتِ كنتي هتروحي في داهية بسببه..

……
هبطت نادين الدرج حانقة من رؤية هذا الرجل المتغطرس الذي أصرت والدتها على ملاقته
طالعها السيد رضوان وهى تتقدم منهم يرسم فوق شفتيه ابتسامة حنونه
– أخيراً خرجتي من أوضتك يا نادين

اقتربت نادين منهم وقد وقعت عيناه على جسد ذلك الواقف في أحد زاوية الغرفة الواسعة يتحدث بهاتفه بعدما أشارت لها والدتها برأسها نحوه، إنها تتعجب من أفعال والدتها فلم تعد تعرف هل تحقد على هذا الراجل الذي تولى مقاليد كل شئ واضاع حلمها في أموال هذه العائلة أم تسعى لتلفت نظره بها وبالتأكيد سيقع تحت اقدامها لاهثًا، فمن هو حتى لا ينبهر بجمالها

– غصب عني يا عمو رضوان.. أنت عارف الحالة النفسية اللي بمروا بيها
تمتمت بها نادين برقة وجلست على أحد المقاعد تنظر نحو والدتها
– حالة نفسية وإحنا معاكي يا نادين، كده عايزانى ازعل منك

التمعت عينين نادين بتأثر من حنو هذا الرجل عليها، وسرعان ما كانت تضيق عيناها وهى ترى من يتقدم من مكان جلوسهم
– اسمحلي يا رضوان باشا نكمل كلامنا في غرفة المكتب
شعر رضوان بالحرج من تجاهل صالح..لأبنة زوجته وقد ارتسم الحنق فوق ملامح السيدة بثينة
……

دارت نادين في غرفتها حانقة تتذكر ذلك الترحيب البارد الذي بادر به هذا الرجل بإماءة من رأسه بعدما لفت عمها رضوان أنظاره لوجودها معهم وكأنها كانت شفافة غير مرئية
– شوفتي.. ده ولا كأني شفافه.. أنا نادين فهيم واحد زيه ميمدش أيده ويسلم عليا، ليه شايف نفسه مين

جلست السيدة بثينة مستاءة هى الأخرى عما حدث بالأسفل، ف صالح يثبت لها يوماً بعد يوم إنه لن يتهاون في طردها أشر طردة حينا يموت والده
– ياريت غضبك ده تستغلي في حاجة مفيدة.. بدل ما أنتِ عماله تدوري حوالين نفسك

اقتربت منها نادين حانقة، فلم يتجاهلها أحداً هكذا من قبل.. الكل يسعى لنيل رضاها حتى مازن طليقها في البداية فعل المستحيل ليصل إليها ثم خدعها ولكن هذا الرجل لم ينظر حتى إليها
– ده مغرور ومتغطرس، فاكر نفسه مين
ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق شفتي السيدة بثينة
– فاكر نفسه مين!.. صالح الدمنهوي عارفه مين صالح الدمنهوي..وريث كل العز اللي إحنا عايشين فيه..
ثم تابعت ساخرة تتذكر إنه لم يعد وريث بل صاحب كل شئ
– خليني الغي كلمة وريث لأنه المالك الفعلي لكل العز ده

…..

أسرع العم سعيد خلف السيد عزيز قبل أن يصعد سيارته ويذهب لعمله يعطيه التقرير اليومي الموكل به منذ أن أصبح سيف ملازم للمنزل لا يخرج منه

– ليلى فاهمه كل حاجه يا عزيز بيه.. متخافش منها.. هى عارفه إنك اكرمتها في بيتك وعمرها ما هتعض ايدك، حتى وعدتها إنك هتساعدها طول ما هى مبتخونش الثقة

طالعه عزيز قبل أن يصعد سيارته ويأمر سائقه بالمغادرة
– أتمنى تكون بتسمع الكلام كويس يا عم سعيد

انطلقت السيارة تحت نظرات العم سعيد, فوقف يزفر أنفاسه خائفًا أن تخذله ليلى أمام الرجل الذي فتح له باب منزله منذ سنوات
عاد العم سعيد بأدراجه ليجد ليلى منهمكه في تقطيع بعض الخضروات
– يا بنتي هاتي اللي في أيدك وروحي ارتاحي، شكلك تعبان
ابتسمت ليلى تُقاوم ذرف دموعها تتسأل داخلها لو كانت عائلتها على قيد الحياة, هل كانت ستحظى على اب مثل هذا الرجل الطيب
-أنت ليه مصمم إني تعبانه يا عم سعيد، أنا متعوده متخفش عليا..التعب مش بيأثر على اللي زينا
تقطرت المرارة من حديث أخرجته ببشاشة وجه ولكن العم سعيد كان أكثر من يشعر بها، فقد عاش حياة شبيها بحياتها

….

طالعت ليلى نظرات العم سعيد العابسة وهو يدلف المطبخ ويُهمهم بحديث لم تفهمه
وكالعادة كان الفضول يأخذها تتسأل عن هوية الضيفة وقد رأتها من قبل وعلمت بمن تكون
– هى ليه مش عايشه هنا مع سيف بيه، مش ده بيته برضوه
– ليلى قولنا إيه يا بنتي بلاش نسأل في أمور متخصناش

رمقها العم سعيد بنظرة خاطفة وهو يُلقي بحديثه ثم شرع في صنع القهوة لتلك الضيفة الغير مرحب بها في هذا المنزل لولا السيد الصغير

أسرعت ليلى في كمكمت فمها، فالرجل دومًا يُحذرها من أسئلتها الكثيرة في أمور لا علاقة لها بها وهى تتسأل بفضول عن كل شئ

عاد سعالها، فالتف نحوها العم سعيد ينظر إليها في قلق متسائلاً
– شربتي علاجك
اماءت برأسها، فطالعها العم سعيد هذه المرة بملامح مبتسمة
– النهاردة في فرد زياده على الغدا
ثم اردف يخفي حنقه يتذكر تلك الكلمات المتعجرفة التي خرجت من شفتي سهير
– محتاجين نعمل صنفين زيادة على الغدا والمرادي أنا هسيبك تعملي الصنفين.. عايز اشوف شطارتك يا ليلى
وبحماس أسرعت ليلى في تحريك رأسها
– متخافش يا عم سعيد، أنا بدأت اتعلم ومش هقصر رقابتك قدام البيه
تعالت ضحكات العم سعيد، واقترب منها هامساً بعدما تلفت حوله
– لا أنا عايزك النهاردة تقصري رقابتي يا ليلى، أصل الصنفين لسهير هانم وأنا عايزها تنبسط أوي

طلب العم سعيد جعل ملامحها تنشرح، فهل ستعود لأمجادها في صنع المكائد كما كانت تفعل مع صابرين الحقودة والسيدة كريمة التي تدعي الأمانة والأخلاص في عملها
– اعتمد عليا في المهمه ديه يا عم سعيد، بس اوعى تبعني في النهاية
والعم سعيد يكتم صوت ضحكاته, يُحرك لها رأسه موافقًا

…

ضجرت سهير من الصمت الذي يُغلف الغرفة وقد تجاهل سيف أي حديث معها
تعالت زفراتها حانقة وهى تُطالع مكان جلوسه بتلك اللحية التي احاطت وجهه
– هتفضل كده، أنا هكلم عزيز يشوفلك دكتور نفسي لترجع تتعاطى المخدرات من تاني

تعلقت عينين سيف بها بنظرة مستخفة، فلم يتعلم تناول تلك الأشياء إلا في بيتها الذي تعرف فيه على رفقاء السوء
اصابتها نظراته، فهى مهما حاولت التقرب منه ستظل في عينيه بصورة الأم السيئة دومًا
– متخافيش أنا لسا متجننتش يا سهير هانم
– سهير هانم
استنكرت سهير نطق الكلمة، فها هو الخيط ينفلت منها وسيبدء سيف في كرهها وسينجح عزيز في طردها من محيط حياتهم
– سهير هانم برضوه يا سيف، يعني مش كفايه اتحرمت منك طول عمري وسيبتك تعيش مع عمك.. تحرمني من كلمة ماما

ضاقت عينين سيف مستخفًا ما يسمعه, أين كانت طيلة هذه السنوات وحده من كان جواره عمه عزيز، ضحى بما لم تضحي به هى ومازال يُضحي بالكثير حتى ينال حياه يتمناها الكثير

…
توقفت اللقمة في حلق العم سعيد يستمع لصياح السيدة سهير ينظر نحو ليلى التي وضعت رأسها بالطبق تكتم صوت ضحكاتها
– زودت شوية توابل بس يا عم سعيد..

رفعت رأسها إليه تخشى أن يكون الأمر أغضبه، وكان ما أخبرها به مجرد مزاح
– وأنا لما أقول حاجة فيها شر تنفذيها علطول
ارتسمت ابتسامة ماكرة فوق شفتي العم سعيد.. سرعان ما تحولت إلى ضحكات خافتة ناهضًا عن طاوله الطعام الصغيرة, مُغادراً المطبخ يخفى سعادته
….
– كده يا عم سعيد متقوليش إنها بتعاني من الحساسيه
ضحك العم سعيد منتبهًا على إناء القهوة الذي كاد يفور
– وأنا أعرف منين يا بنتِ
ارتفع حاجبي ليلى تنظر لملامحه، العم سعيد صار متلاعب مثلها.. طالع نظراتها الشقية التي تتفرسه واقترابها منه يرفع يديه مستسلمًا
– بتكدب يا عم سعيد
– ديه كدبه بيضا يا ليلى
اسرع العم سعيد في سكب القهوة مغادراً المطبخ بعدما أشار لها نحو فمه أن الأمر سراً بينهم

داعبت شفتي ليلى ابتسامة عذبة تنظر نحو ما ينتظرها من عمل ،
شرعت في ترتيب المطبخ وتنظيف الأطباق، تدندن بلحن شعبي حزين غير منتبها على ذلك الواقف خلفها يسمعها في صمت
– صوتك جميل يا ليلي
أنتفضت في وقفتها وقد طاح الطبق الذي بيدها
– سيف بيه
خرج صوتها مفزوعًا واسرعت تلملم القطع المتناثرة من الطبق.. فاقترب منها يُساعدها
ارادت أن تنهيه عن الأمر و لكن نبرة صوته الحزينة جعلتها تتراجع عن الحديث
– بلاش يا ليلى تقوليلي مش عايزه مساعده او كلمه بيه..
هربت بعينيها عنه، فأي مقارنة يضعها بينهم..
– حكايتي وحكايتك زي بعض يا ليلى.. الفرق اللي بينا إن أنا عمي ضحى بحاجات كتير عشان يربيني وأنا للأسف خذلته وطلعت ماليش لازمه.. شاب فاسد مستهتر
اشاح سيف عينيه عنها حتى لا ترى دموعه، هو مازال في صدمته.. يتظاهر بتجاوز ما حدث ولكن الأمر كان أكبر منه.. عمه لا يستحق منه إلا أن يراه رجلًا حقيقيًا يُعتمد عليه.. جميع من تظاهروا بحبه خذلوه في محنته وتخلوا عنه ولولا أموال عمه ما كان أحدًا تقرب منه

– كلهم كانوا بيقربوا مني عشان عمي.. حتى الست اللي مفروض تكون أمي كل اللي يهمها الفلوس، زيارتها النهاردة كانت عشان تفكر عمي بمصروفها الشهري اللي اتغافل عنه الشهر اللي فات..
توقف عن الحديث يلتقط أنفاسه الثائرة، هو بحاجه ليخرج كل ما يعتلي فؤاده

تعلقت عيناه بعينين ليلى وقد اذرفت دموعها دون أن تعلم أتبكي على حالها أم حاله.. إنها كانت تحسده كل ليله على ما يعيشه
– كنتِ هتكوني محظوظه لو عمي عزيز طلع عمك يا ليلى مش مجرد تشابه في الأسماء

عبارته كانت موجعه، فعن أي حظ يتحدث.. فبعد أحلامها لليالي طويلة بالعم الثري الذي سيحن قلبه عليها عندما يراها شابة جميلة وشفقة هؤلاء الغرباء عليها.. تأكدت أن الحظ ليس حليفها

انسحب العم سعيد في صمت عائداً من مكان ما أتى, يطرق بطرقات خافته قبل أن يسمع صوت السيد عزيز سامحًا له بالدلوف يرفع عيناه عن الأوراق التي أمامه.. منتظراً أن يسمع منه هل منحته تلك الفتاة الجواب بهذه السرعة, فعمل في أحد ورش الأثاث الخاصه به وشقة صغيرة في إحدى المناطق سيتكفل هو بدفع إيجارها عرض يراه لا يُرفض….

الفصل الثامن
*****
توسعت عينين زينب في دهشة يُخالطها ببعض القلق تقبض فوق حقيبتها الصغيرة.. تلتف حولها تنظر لتلك الشقة الفاخره التي اخذتهم إليها السيدة مشيرة
لم تكن صابرين ونهى وعلياء يقلوا دهشة عنها بل أخذ جميعهن ينظروا لفاخمة الشقة
– إحنا هنعيش هنا يا مدام مشيرة
هتفت بها صابرين في تسأل تتمنى داخلها أن يكون جواب السيدة مشيرة بكلمة واحدة
التمعت عينين مشيرة في زهو، هؤلاء الفتيات يُسهلون عليها المهمة.. ذلك الأنبهار الذي تراه في أعينهم يؤكد لها نجاح مهمتها، مهمة نجحت بها في اصطياد أوجه جديدة وكأس كما تجرعته ارادت أن تجعلهن يتجرعوه.. ونهج صار منهج تسير عليه
” إذا وضع المال انسحب الشرف”

تجمدت ملامحها للحظات، فقد عاد ذلك القابع في قلبها ينبض بالخزي يُخبرها أن تتوقف عما تفعله..ولكن كالعادة أنخرس ذلك الصوت داخلها تنظر لعينين صابرين الجائعة
– هتعيشوا هنا كوضع مؤقت يا بنات.. بكرة كل واحدة فيكم هيكون عندها زي الشقة ديه وبكره تقولوا مشيرة قالت

طالعتها زينب وقد عاد الخوف يدب في أوصالها، فعن أي شقة سيكون لديهم مثلها مستقبلاً.. هم سيعملون في مصنع معلبات مجرد عاملات بأجر شهري
– هيكون عندنا إزاي.. إحنا مجرد عاملات في مصنع.. صابرين قالتلي في مبنى سكن هنسكن فيه..
أسرعت صابرين في إشاحت وجهها عنهم.. ف زينب تنظر إليها في شك وقد نظرت لها كلا من علياء ونهى بنفس النظرة بعدما استيقظوا من إنبهارهم
– صابرين أنتِ كنتِ بتضحكي علينا
هتفت بها زينب ، فارتبكت صابرين وتعلقت عيناها بالسيدة مشيرة التي وقفت صامته
– فين المصنع اللي هنشتغل فيه
– صح يا صابرين ده مش كلامك ولا الكلام ابله كريمة..

ثلاثتهم وقفوا يتسألون وصابرين وحدها من كان لديها الجواب، هى اقنعتهم بعرض السيدة مشيرة، اقنعتهم بأن يُغادروا الدار قبل موعدهم المحدد والسيدة كريمة رحبت بمغادرتهم واتمت الإجراءات ونالت نصيب تغافلها عن طريق تعرف ما تسعي إليه مشيرة

اقتربت منهم مشيرة أخيرًا تتخلى عن صمتها، فلم يعد لصمتها داعي
– ما دام بدأتوا تفهموا.. فمن حقكم تعرفوا شغلكم هيكون إيه
انتقلت أعينهم نحوها حتى صابرين ركزت أنظارها نحوها .. وقفوا مترقبين لمعرفة العمل ينظرون نحو مشيرة التي اتخذت أحد المقاعد وجلست عليها في إسترخاء تقضم اظافرها المطلاء وتنقل عيناها بينهم

– شغلانتنا سهلة أوي.. بنبسط الزبون
تجمدت ملامحهم، فعن أي زبون تتحدث هذه المرأة
– وأي حاجة الزبون بيكون عايزها مُجابه.. ده مش بيكون أي زبون.. ديه ناس تقيله عايزه تقضي كام ليلة حلوه يتدلعوا فيهم
بهتت ملامح زينب.. تنظر نحو صابرين التي سقط عليها الحديث كدلو ماء بارد
– هى شغلانتنا مش هتكون في الكباريه يا مدام مشيرة
صعقت ملامح زينب تنظر نحو صابرين والسيدة مشيرة..
– كباريه

….

اقتربت صابرين من زينب التي استمرت في بكائها ومحاولاتها في مغادرة المكان، ثلاثتهم رضخوا للأمر.. هم يريدون عيش حياة رغدة مثلما وصفت لهن مشيرة
– ما كفايه نواح يا زينب.. عايزه ترجعي الملجأ وكل يوم عصاية أبلة كريمة تعلم على جسمك
توقفت زينب عن البكاء تنظر إليها بنظرات تحمل الغضب وسرعان ما كانت تنقض عليها تدفعها بقوة
– أنتِ السبب ضحكتي علينا.. قولتي إنه مصنع هنشتغل فيه

التصق جسد صابرين بالجدار مصدومة من ثورتها، زينب صاحبة الشخصية الضعيفة المهزوزة تصرخ وتدفعها بقوة دون خوف
– ابعدي عني يا زينب.. أنا مضحكتش على حد.. أنتِ اللي عاملة نفسك شريفة ومستنيه البطلة بتاعتك ليلى هانم تيجي تنقذك.. لعلمك ليلى سافرت بره البلد مع عمها..
“ليلى غادرت وتركتها دون وداع، ليلى لا تفعل ذلك بها”

استغلت صابرين صدمتها وإرتخاء ذراعيها عنها.. تسحب جسدها مبتعدة بضجر تلهث أنفاسها وتعدل من ثيابها وشعرها الذي صار مشعث , ترمقها بنظرة مستخفة
– علياء ونهى راضين بأي شغلانه هتعيشهم كويس، أنتِ الوحيدة فينا معقداها
– ليلى مستحيل تسافر وتسبيني
التوت شفتي صابرين في تهكم، فهذا ما أخبرتها به السيدة مشيرة عندما أخبرتها عن أمر ليلى وعائلتها الثرية
– أهي نسيتك اول ما بقت في العز، الدور عليكي أنتِ عايزه تعيشي طول عمرك في الحياة على الهامش، قوليلي إيه فيها لما نشتغل في كباريه ونبسط الزباين..أو حتى نبقى فتيات ليل.. هتقوليلي الشرف.. شرف مين اللي هنتكلم عنه وإحنا متربين في ملجأ

توقفت صابرين عن الحديث تنظر حولها.. كل جزء في هذا المكان ينطق بالترف، هى تُريد حياة مثل هذه الحياة

تعلقت عينين زينب بها وقد أغرقت الدموع خديها،ولكن هناك من وقفت قريبة تستمع لحديث اطرب فؤادها.. صابرين تُذكرها بنفسها.. هذه الفتاة نسخة منها بل ستكون أكثر شراسة وشراهة مع الحياة

….
امتقعت ملامح مشيرة وهى تستمع لصابرين التي وقفت أمامها تُخبرها أن تعيد زينب الملجأ، فلن يأتي من ورائها أي نفع.. هن اقتنعوا بهذا العمل حتى لو باعوا أجسادهن
نفثت مشيرة أنفاسها بدخان سيجارتها عاليًا، فتلك الفتاة وحدها حصانها الرابح
– مهما حاولت معاها يا مشيرة هانم مش موافقة، بقولها ده مجرد لمس بس مش اكتر
طالعتها مشيرة تعيد دس سيجارتها بين شفتيها ثم تنفث دخانها لأعلى
– ولو أكتر من اللمس يا صابرين هتعملي إيه

جف حلق صابرين تُطالع سحابة الدخان وقد ازداد توترها، فلم تعد تفهم شئ عن عملهم.. هن مجرد نادلات ف ملهى ليلى يرتدون الملابس القصيره ويقدمون المشروبات الكحولية ويسمحون لهم بالتحرش بهن.. أم الأمر سيصل للفراش وتصبح عاهرة من فراش للفراش

– صابرين سيبي نفسك ليا وزي ما وعدتك سنه واحده وهتكوني عايشه عيشة عمرك ما حلمت بيها

مشيرة لم تكن أمرأة ساذجة حتى لا ترى ذلك الجوع الذي ينبض في عينيها.. هذه الفتاة من أجل المال ستفعل أي شئ ستأمرها به

اطفأت مشيرة سيجارتها في المِنفضة واقتربت منها تنظر إليها بنظرات فاحصة تدور حولها
– هخليكي تحبي نفسك..تعيشي كل حاجه كان نفسك فيها.. ولا أنتِ عايزة تفضلي صابرين بنت الملجأ
– لا، لا يا مشيرة هانم.. أنا عايزه أكون زيك
أسرعت صابرين في تمتمت عبارتها، هى لا تُريد إلا حياة رغدة تعيشها.. لا تُريد أن تعيش طيلة حياتها في فقر مُدقِع
توقفت مشيرة عن الدوران حولها، فقد صارت صابرين في قبضتها
– طيب وزينب يا مشيرة هانم ، علياء ونهى أمرهم سهل

تعلقت عينين مشيرة بها تمدَّ أظافرها المطلية نحو خصلاتها تعبث بهم ترتسم فوق شفتيها ابتسامة ماكرة
– سيبي أمر زينب عليا..مبقاش عندها حرية الاختيار خلاص
ازدردت صابرين لعابها تنظر إليها بتوجس وقد احتل الذعر عيناها ،
فالتقطت مشيرة نظرتها الخائفة وقد صدحت قهقهتها عاليًا..
– طول ما أنتِ بتسمعي الكلام يا صابرين.. هتوصلي لكل أحلامك
عادت عينين صابرين تلمع بسعاده تُحرك رأسها إليها في طاعه، هى تُريد مغادرة حياة الفقر.. تُريد أن تكون مثل هذه المرأة بجمالها مهما كان الثمن

….
في الصباح وفي موعدها المحدد دلفت ليلى المطبخ بملامح مبتهجة بعدما ارتدت ذلك الثوب الجديد الذي اشتراه لها العم سعيد
بنظرة سريعة دارت بعينيها في أرجاء المطبخ الفارغ؛ فتأكدت أنه ذهب بالقهوة للسيد عزيز ذلك الرجل الذي صارت تستغرب رجل ثري مثله يُحب الاستيقاظ باكراً وعازف عن الزواج حتى اليوم رغم بلوغة الأربعين

وتساؤل واحد كان يقتحم عقلها ، هل الثراء يمنح المرء سنوات أقل من عمره، فهى حتى اليوم لا تصدق إنه بهذا العمر وبملامح شبابيه وقوره

زفرت أنفاسها بقوة، فما الذي تفكر به وهى مجرد عاملة في منزل هذا الرجل حتى تخرج زينب من الدار ويلتقوا
– وأنتِ شغاله عقلك ليه يا ليلى..
وسرعان ما كانت تعض فوق شفتيها تتسأل داخلها كلما تذكرت أن هذا الرجل كان سيكون عمها لولا الحظ الذي يُحالفها
– كان هيبقى عندي عم وسيم كده..
نفضت رأسها من أفكارها الحالمة، فيكفيها صدمتها الأولى عندما علمت أن عمها مات و زوجته هاجرت لبلد أخرى ولا يعترف أحدًا في هذه العائلة بها

اتجهت نحو البراد تُخرج بعض الأغراض حتى تبدء في تجهيز طعام الفطور، انشغلت لدقائق بأخراج ما تحتاجه حتى سمعت سعال العم سعيد
استدارت إليه بعدما تركت ما في يدها تسأله في لهفة بعدما استمر سعاله
– أجيبلك كوباية مية
أسرعت في سكب الماء واعطته له، ارتشف منه القليل حتى بدء سعاله يهدء.. فتعلقت عيناها به في قلق وهى ترى عيناه الدامعتين من شدة السعال
– أنت كويس يا عم سعيد
– متقلقش يا ليلى.. ديه مجرد شنقة يا بنتِ

طالعها بابتسامة حنونه، فقد اذاق حنان الأبنة معها.. ترقرقت عيناه بالدمع لا يتخيل إنها فترة قصيرة وتُغادر هذا البيت, فالسيد عزيز لا يُفضل وجودها بمنزله ولولا السيد الصغير وحاجته لوجودها لكن نفذ قراره اليوم

وجود ليلى صار قيد الوقف حتى يعود السيد الصغير لحياته ويفيق من تجربته القاسية
– أنت بتعيط يا عم سعيد
أسرعت ليلى في مسح دموعه وقد انسابت دموعها هى الأخرى، فهذا الرجل لم تعد تراه إلا في صورة الأب وكأن الحياة اردات أن تمنحها هذا الشعور الذي تمنته بعدما صفعتها حقيقة أن لا عم لها وستظل ليلى فتاة الملجأ
– شوفي اه هتخليني اعيط فعلا يا ليلى
شاكسها العم سعيد بعدما رفع كفيه يمسح دموعه العالقة بأهدابه ويعود لابتسامته البشوشة ينظر إلى الثوب الذي صار جميلًا بجمالها
– أنا فهمت دلوقتي أنتِ عايزة عمك سعيد يعيط ليه، عشان مياخدش باله من الحاجات الحلوه
ابتسمت ليلى رغم المرارة التي صارت تشعر بها مع قرب مغادرتها لهذا المنزل الذي احست داخله بالدفئ
– أنت ديما شايفني جميله يا عم سعيد
التمعت عينين العم سعيد بالدفئ يربت فوق كفها مبتسمًا، يتمنى أن يكون جمالها حظً لها في الدنيا وليس نقمة عليها
– أنتِ جميلة فعلًا يا ليلى، ربنا يحفظك يا بنتِ ويكون جمالك نعمه ميضيعكيش زي ما ضيع اللي قبلك

ضاقت عينين ليلى في حيرة رأها العم سعيد في عينيها
– هنفضل قاعدين كده والبيه مستني الفطار
وعلى ذكر رب عمله.. كانت عيناه تتسع في صدمة لا يُصدق إنه تناسى أن يُخبرها أن السيد عزيز يُريدها
– شوفتي الكلام اخدنا ونسيت اقولك إن البيه عايزك يا ليلى

توسعت عينين ليلى في خوف، فالسيد يعطي اوامره عن طريق العم سعيد.. بضعة كلمات فقط هم ما خاطبها بهم منذ أن وطأت بقدميها لهذا المنزل
– عايزني أنا
هتفت بها ليلى بعدما لطمت صدرها تنظر حولها في فزع .. فانفلتت ضحكة العم سعيد ، هذه الصغيره جعلت الابتسامة تعرف ثغره
– يا بنتِ متخافيش.. عزيز بيه مش وحش.. هو بس عايزك تكوني ديما قريبة من سيف بيه لانه شايفه بقى قريب منك
– قريبه منه
ازدادت دهشة ليلى، فعن أي قرب يتحدث وهو أخبرها من قبل أن تحفظ المسافات بينهم حتى لا يغضب السيد الكبير

زفر العم سعيد أنفاسه في حيرة فهو لم يعد يفهم ما يُفكر به السيد عزيز ولكن كل ما يهمه أن تبقى ليلى في المنزل حتى يحين موعد خروج صديقتها من الدار
– يا بنتِ عزيز بيه راجل بيخاف ربنا..

وها هى تجر قدميها نحو غرفة المكتب التي لم تدلفها إلا مرة واحدة
بطرقات خافته طرقت الباب ثم تراجعت للخلف بعدما استمعت إلى صوته الأجش وهو يأمرها بالدلوف
ابتلعت ريقها وهى تمدّ يدها نحو مقبض الباب وتدلف إلى الداخل كما أمرها
بخطوات حملت توترها اقتربت بضعة خطوات ثم توقفت بعدما رفع عيناه.. فتعلقت عيناها به في خوف احتل عينيها

عيناه لم تغفل على تلك الرجفة التي احتلت جسدها حتى الخوف ارتسم فوق وجهها
لعقت شفتيها بأرتباك، تقبض فوق ثوبها وسرعان ما كانت تخفض عيناها أرضًا لا تُصدق أنها اطالت النظر لهذا الرجل
نهض عزيز عن مقعده يتقدم منها بنظرات حملت معها قوة صاحبها.. فاتراجعت للخلف تهمهم بخفوت التقطته أذنيه

– أنتِ خايفه كده ليه يا ليلى..
– اقعدي يا ليلى
تمتم بها عزيز بنبرة هادئة بعدما شعر بالشفقة نحوها، فعلى ما يبدو هذه الفتاة الفضوليه التي تقضي الليل تدور في حديقة منزله ما هى إلا طفلة صغيرة تُريد المرح في ترف لم تعيشه يومًا
– نعم
تمتمتها ليلى في ذهول وهى تراه يشير نحو أحد المقاعد يطلب منها بلطف أن تجلس
تبسم رغمًا عنه من تعبيرات وجهها، ينظر إليها ثم للمقعد وسرعان ما كانت تنفذ الأمر تحت نظراته التي صارت مذهولة
– قاعدت يا بيه، قاعدت اه.. اي حاجه عايزني اعملها هعملها بس ليا عندك طلب صغير خالص

لم تنتظر أن يسألها عن طلبها الصغير، استمرت في الحديث دون أن تلاحظ صدمته وتعجبه منها
– خليني اعيش هنا أنا وزينب صاحبتي لما تخرج من الملجأ .. الأوضة اه صغيره والحمام بره لكن هنا احسن لينا من بره.. إحنا يا بيه هنخرج نشتغل في اي حاجه ونأكل من عرق جبينا متخافش..

تعلقت عيناها به تزدرد لعابها, فلم تجد إلا الجمود مرتسم فوق ملامحه، الرجل يقبل وجودها بمنزله إكرامًا للعم سعيد حتى تخرج صديقتها من الدار وهى تُريد المكوث في منزله الجميل
– إحنا ممكن ندفع إيجار الاوضه يا بيه، واوعدك مش هتسمع لينا صوت لحد ما كل واحده فينا تتجوز واحد ابن حلال

عزيز الذي وقف مذهولًا مما يسمع حتى توقفت عن الحديث تلتقط أنفاسها تترقب جوابه ولكنه ظل صامتًا يقطب حاجبيه
– مش موافق يا بيه.. عندك حق متوافقش إزاي هتسيبنا عيشين في بيتك وإحنا خارجين من ملجأ
رفعت عيناها نحوه ثم عادت تطرقهم.. تظنه إنه لم يفهم تلك النبرة المستعطفة، هذه الفتاة ليست بالساذجة تستغل عاطفته وكرمه الذي يتحدث عنهم العم سعيد أمامها
تجاهل إنتظارها لجوابه، فهى من تنفذ أولاً ثم تنتظر منه المكافأة التي يُريد هو منحها لها
– ابن اخويا اهم شخص عندي… وبما إنه بدء يشوف حكايته فيكي.. فانت هتساعدي
طالعته ليلى بحدقتي متسعة تحمل دهشتها، فعن أي مساعده يطلبها منها..
– اساعده إزاي يا بيه
– تقربي منه يا ليلى، تخلي يحكيلك عن كل حاجه…
ارتفع كلا حاجبيها في دهشة، أن تقترب منه, أن تجعله يحكي لها عن نفسه لم يبقى إلا ويُخبرها أن تجعله يُحبها
– لكن إنه يحبك.. ساعتها هتشوفي عزيز الزهار راجل تاني مش هتحبي تشوفي..
ارتعشت شفتيها بعدما وصل لها معنى مقصده, تضغط فوقهما بقوة حتى لا يحتل الألم ملامحها، هو يرفض أن يُحبها ابن شقيقه لأنها فتاة ملجأ.. لديه الحق ولكن كم كانت العبارة مؤلمة

حركت رأسها تُقاوم تلك الدمعة التي ارادت أن تخونها، تنهض من فوق المقعد تتحاشا النظر إليه
– موافقة يا عزيز بيه ومتخافيش أنا عايزه راجل من توبي لا يعيرني ولا اعايره

لم تنتظر منه أن تسمع كلمة أخرى رغم هتافه بها أن تنتظر لتعرف مهمتها بدقة وتلك التقارير التي ستعطيها له يوميًا
تعلقت عيناه بالباب الذي صار مفتوحًا لا يُصدق إنها تجاهلت ندائه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *