فح في عيد ميلاد حكايات شروق خالد

اللحظة اللي جوزي اتهمني فيها بالخيانة قدام أهله كلهم، استوعبت إنه مكنش عزمني على عشا عيد ميلاد.. هو كان عازمني على “محاكمتي”.
“دانيال” كان واقف في نص صالة أخته “جيجي”، وماسك في إيده كاس عصير، وصوته كان هادي لدرجة تخوف، كأنه حافظ الكلام ومرتبه. في ثانية، العيلة كلها—حوالي عشرين واحد—اتسمروا مكانهم. حماتي بطلت تقطع التورتة، وعمته نزلت الشوكة من إيدها وهي لسه بتاكل سلطة البطاطس، حتى ابن خاله الصغير اللي كان بيلعب بعربيته على السجادة، سكت ورفع عينه.. حتى الطفل حس إن الجو بقى مسموم فجأة.
دانيال قال بصوت عالي عشان الكل يسمع: “قولي الحقيقة يا كلير.. إنتي بتخونيني؟”
نفسي متهزش، وإيدي ماترعشتش.. وده فاجئني. بقاله تلات شهور بيمرني إني أترعب كل ما يسأل أسئلة من النوع ده: “كنتي فين؟”، “مين اللي بعتلك رسالة؟”، “ضحكتي ليه لما الراجل في السوبر ماركت قالك بعد إذنك؟”. كان بيحول براءتي لمتاهة، ويتفرج عليا وأنا بنهج عشان ألاقي المخرج.
بس ليلتها، في بيت أخته، وتحت النور الهادي والزينة اللي مكتوب عليها “عيد ميلاد سعيد”، حسيت ببرود غريب.
“رنا”، أخت دانيال الصغيرة، كانت قاعدة على سن الكنبة، ولابسة فستان أصفر، وركبها مضمومة على بعضها، ووشها فجأة بقى أبيض زي الورقة. من عشر ثواني بس كانت بتضحك، ودلوقتي بتبصلي كأنها شافت عفريت داخل عليها ومعاه كشف حساب.
أخته الكبيرة جيجي همست: “دانيال، بلاش تعمل كدة.”
مبصش ناحيتها، كان عينه في عيني أنا وبس. قال: “أنا عايز مراتي ترد.. وقدام الكل.”
كلمة “مراتي” دي كان طعمها زي السم في بقه.
حماتي “إلهام” مسكت العقد اللولي اللي في رقبتها، وعمه اتحرك بضيق في مكانه، وسمعت حد ورا بيهمِس باسمي كأنه بيحذرني. دانيال كان مثبت نظراته عليا، نظرة قوية وواثقة وشريرة. كان مستني دموع، كان مستني دفاع عن النفس.. كان عايزني أبان مذنبة حتى وأنا بقول الحقيقة.
وفجأة، فهمت اللعبة كلها.
هو مكنش بيحاول يعرف أنا خنته ولا لأ.. هو كان بيحاول يقنع أهله إني خاينة، قبل ما يكتشفوا هبابه اللي عمله.
في ثانية واحدة، شفت جوازنا كله كأنه بيت ض*ربه إعصار؛ الحيطان اتهدت، والأوض المستورة اتكشفت، وحتت من حياتنا العادية بقت مرمية في كل حتة. سبع سنين فطار سوا، ومواعيد دكاترة، ورسايل حب، وطلبات البيت.. سبع سنين وأنا بغسل له مج القهوة الأزرق المفضل بتاعه عشان كان بيقول إن طعم القهوة فيه أحلى. سبع سنين وأنا فاكرة إن قلة كلامه ضغط شغل، وبعده عني تعب، وعصبيته حاجة ممكن أعديها عشان بحبه.
بعدين بصيت لـ “رنا”.
كانت ماسكة في قماش الكنبة لدرجة إن عقل صوابعها ابيضت.
ساعتها بس، ابتسمت.
مش عشان في حاجة تضحك، ولا عشاني شريرة، بس لأني لأول مرة من شهور، مكنتش خايفة إني أبان مجنونة.
مديت إيدي في شنطتي.
ملامح دانيال اتهزت، وسأل: “بتعملي إيه؟”
مردتش. طلعت موبايلي ومشيت من جنبه ناحية الشاشة الكبيرة اللي فوق الدفاية. كان فيه صور لرحلة قرايبه شغالة، بحر وعيال بتضحك وبوفيه أكل.. فصلت الصور دي من الموبايل اللي كان موصلها.
الكل كان بيبص عليا.
محدش اتحرك.
دانيال قرب خطوة: “كلير..”
صوته اتغير.. حاجة بسيطة بس أنا حسيتها.
فتحت ملف على الموبايل، وبعده ملف تاني، وبعدين الملف اللي كنت مسيفاه في تلات أماكن مختلفة؛ لأن الستات اللي بيكتشفوا الحقيقة بيتعلموا بسرعة إن الدليل ملوش لازمة لو ضاع.
رنا وقفت.
وقالت بصوت واطي ومبحوح: “كلير.. بلاش.”
بصيت لدانيال آخر بصة وقلت: “إنت طلبت الحقيقة.. اتفضل.”
ودست “تشغيل”.
مش هوصف بالظبط إيه اللي ظهر على الشاشة، فيه حاجات مش محتاجة تفاصيل عشان تتفهم. هقول بس إن في خلال تلات ثواني، كل واحد في الصالة عرف حاجتين:
الأولى، إني عمري ما خنت جوزي.
والتانية، إن جوزي وأخته “رنا” حولوا بيتي لمسرح لخيانة قذرة وبشعة لدرجة إن أم دانيال حطت إيدها على بوقها كأنها هترجع.
الصوت اللي ملى الأوضة مكنش صدمة عادية، كان صوت أعمق.. صوت عيلة كاملة وهي بتستوعب إن “المسخ” اللي في الأوضة كان واقف وسطهم وبيدعي الفضيلة.
كاس العصير وقع من إيد دانيال واتدشدش على الأرض.
رنا طلعت صوت كأنها بتشرق.
أنا بقى أخدت شنطتي، ومشيت ناحية الباب، وخرجت قبل ما حد يلحق يطلب مني أشرح وجع هما شافوه بعينيهم خلاص.

حكايات شروق خالد

نزلت السلم وأنا سامعة صوت “جيجي” ورايا وهي بتنادي باسمي، بس مابصتش ورايا. ركبت عربيتي وقفلت الأبواب، وحطيت راسي على الدريكسيون لثواني. مكنتش بعيط، بالعكس، كنت حاسة إني “فاضية”.. كأن الروح اللي كانت بتتحرق جوايا انطفت فجأة وسابت مكانها رماد بارد.
موبايلي مابطلش رن. دانيال، حماتي، حتى قرايبه اللي ماليش علاقة بيهم. كلهم فجأة بقى عندهم “فضول” أو “ندم”. بس أكتر رقم كان بيرن هو دانيال.. كان بيبعت رسايل زي المجنون:
*”امسحي اللي بعتيه!”*
*”إنتي دمرتي عيلتي!”*
*”انتي فاهمة غلط.. رنا كانت تعبانة وأنا كنت بساعدها!”*
ضحكت بوجع وأنا بقرا كلمة “بساعدها”. الصور والفيديوهات اللي كانت على الموبايل مكنتش محتاجة شرح. مكنتش مجرد “خيانة”، دي كانت طعنة في شرف العيلة كلها، وفي قلبي أنا اللي كنت بعتبر رنا دي أختي الصغيرة اللي مخلفتهاش.
رحت على بيت أهلي. أمي أول ما شافت وشي عرفت إن فيه كارثة. حكيت لها كل حاجة، ومن غير ولا كلمة، خدتني في حضنها وقالت لي: “حقك هيرجع يا بنتي، والوساخة اللي هما فيها هتاكلهم هما الأول.”
تاني يوم الصبح، المحامي بتاعي كان عنده كل النسخ. مكنتش عايزة فلوس، ولا عايزة ق*ض*ايا تشهير.. كنت عايزة حاجة واحدة بس: “خلع” وبأسرع وقت.
دانيال حاول يجي البيت، بس أخويا وقفه على الباب. شفته من الشباك وهو واقف برا، شكله كان مبهدل، وش السبع اللي كان بيحاكمني قدام أهله اختفى، وحل محله وش بني آدم مهزوم وخايف من الفضيحة.
عرفت بعدها من قرايبهم إن “إلهام” حماتي طردت رنا من البيت، وإن العيلة اتقسمت ميت حتة. اللي كان بيحاول يداري، واللي كان مصدوم، واللي كان بيشتم في دانيال.
أما أنا؟ أنا قعدت في البلكونة، شربت القهوة بتاعتي في مج “جديد” لونه أبيض، وبصيت للسما.. لأول مرة من سنين، حسيت إن الهوا اللي داخل صدري نضيف، ملوش طعم الكذب ولا ريحة الخيانة.
الق*ضية خلصت بسرعة، والكل عرف الحقيقة. دانيال خسر كل حاجة: بيته، سمعته، وحتى أهله اللي مابقوش طايقين يبصوا في وشه.
أصعب حاجة في الحكاية مكنتش الخيانة.. أصعب حاجة كانت إني صدقت في يوم من الأيام إني “مجنونة” عشان كنت بحس بيهم. بس الدرس اللي اتعلمته وغالي قوي: **”لما تحسي إن فيه حاجة غلط، صدقي قلبك.. المظاهر دايماً كدابة، بس ريحة الخيانة مابتستخباش.”**

حكايات شروق خالد

بعد ما الحكاية انتشرت، دانيال حاول يقلب الترابيزة تاني، بس المرة دي السحر انقلب على الساحر. بعتلي وسيط يقولي إنه مستعد يتنازل عن كل حاجة في مقابل إني أمسح الفيديوهات وأطلع أقول قدام أهله إن “الموضوع اتفهم غلط” أو إنه كان “تمثيل” عشان يختبر غيرة الناس.
ضحكت بصوت عالي.. الدراما لسه بتجري في دمه. رديت عليه بجملة واحدة: **”اللي الشاشة شافته، الذاكرة مش هتنساه.”**
رنا اختفت تماماً. سمعت إنها سافرت عند قريب ليهم في المحافظة، هاربة من نظرات جيجي وكلام الناس اللي مابيرحمش. أما دانيال، فبقى زي الضيف الثقيل في عيلته، أمه مابقتش ترد على مكالماته، وأصحابه اللي كانوا بيسهروا معاه بقوا يتجنبوا السلام عليه.
في يوم، لقيت رسالة من حماتي “إلهام”. كانت كاتبة: *”يا بنتي، أنا مكسوفة من نفسي قبل ما أكون مكسوفة منك. ربيت تعبان في بيتي، وكنت بظلمك معاه. سامحينا لو تقدري.”*
مسحت الرسالة من غير ما أرد. فيه سماح ملوش لازمة، وفيه صفحات لازم تتقطع وتترمي في النار عشان نعرف نعيش.
بعد ست شهور، كنت واقفة قدام المراية بلبس طقم جديد عشان أول يوم في شغلي الجديد اللي كنت سيبته عشانه وعشان “طلبات البيت”. بصيت لملامحي، لقيت الضحكة رجعت لعينيا، والهالات السودا اللي كانت من قلة النوم والتفكير اختفت.
تليفوني رن، كان رقم غريب. رديت، وسمعت صوت أنفاس مكتومة.. عرفت إنه هو. مابذلتش مجهود إني أشتمه أو أعاتبه. قلت بكل هدوء:
**”يا دانيال، القاضي حكم بالعدل في المحكمة، وأنا حكمت بالعدل في الصالة عند أختك. متبوظش هدوء حياتي تاني.”**
قفلت السكة وعملت “بلوك” نهائي.
خرجت من البيت، والشمس كانت مالية الشارع. ركبت عربيتي، وشغلت مزيكا هادية، ومشيت وأنا حاسة إني خفيفة زي الريشة. الخسارة الحقيقية مكنتش خسارتي ليه، الخسارة كانت السنين اللي ضاعت وأنا بحاول أصلح بني آدم هو أصلاً “معيوب” من جوا.
**تمت.**
فخ في عيد الميلاد
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *