“حين طردوا والديّ من بيتهما… انكشف السر الذي أخفته العائلة لعقود” ج4 حكايات شروق خالد
إيد كريمة كانت بتترعش وهي ماسكة الظرف.
بصت للضابط.
قال لها:
— “افتحيه.”
فتحت الختم بحذر.
كان جواه مفتاح صغير من النحاس، وشريط كاسيت قديم، وورقة مطوية.
فردت الورقة.
في أول سطر كان مكتوب:
“يا كريمة… لو الورقة دي وصلت لإيدك، يبقى الأستاذ مراد وفّى بوعده، وأنا غالبًا مشيت من الدنيا من زمان.”
دموع عم جلال نزلت وهو سامع خط إيد أبوه.
كريمة كملت القراءة:
“العقد الحقيقي مش في البيت، ولا في المكتب، ولا في البنك. أنا خبيته في المكان الوحيد اللي محدش هيفكر يدور فيه… المكان اللي سليم بنفسه كان بيكرهه.”
الضابط سأل:
— “إيه المكان ده؟”
كريمة نزلت بعينيها تكمل.
“خلي المفتاح معاك، وروحي مسجد الرحمة في شبرا. افتحي الدولاب الخشبي اللي ورا مكتبة المصاحف. هتلاقي صندوق حديد صغير.”
صفاء رفعت رأسها بسرعة.
— “لازم نتحرك حالًا.”
خرجت قوة من الشرطة مع كريمة وعم جلال وصفاء.
كان المسجد هادي، وصلاة العصر لسه مخلصة.
إمام المسجد، أول ما شاف الخطاب، قال باستغراب:
— “أنا فاكر الراجل ده.”
وأشار لصورة الجد.
— “قبل وفاته بسنة، سلمني مفتاح وقال لي: لو جت بنت اسمها كريمة في يوم، ادخلها المكان ده.”
دخلوا غرفة صغيرة خلف المكتبة.
كان فيه دولاب خشبي قديم، عليه قفل صدئ.
المفتاح دخل بسهولة.
ولما فتحوا الباب…
كان فيه صندوق حديد صغير.
فتحوه.
الجميع حبس أنفاسه.
لكن بدل ما يلاقوا عقد الأرض…
لقوا شريط فيديو، وعقدًا قديمًا، ومظروفًا مختومًا بالشمع الأحمر.
صفاء فتحت العقد.
ابتسمت لأول مرة من بداية الق*ضية.
وقالت:
— “العقد الأصلي موجود.”
الضابط تنفس الصعداء.
لكن كريمة كانت باصة لشريط الفيديو.
قالت:
— “إيه ده؟”
الإمام رد:
— “جدك سجل الرسالة دي قبل وفاته، وقال إنها تتشاف قدام كل أفراد العيلة.”
بعد ساعة، كانوا في قاعة النيابة.
اتوصل جهاز تشغيل قديم.
اشتغل الشريط.
ظهر جد كريمة على الشاشة، أضعف مما كان في الصور.
بص للكاميرا وقال:
“لو سليم بيتفرج عليا دلوقتي… فأنا مسامحه.”
الغرفة كلها سكتت.
ثم أكمل:
“لكن المسامحة عمرها ما كانت معناها إنه ياخد حق مش حقه.”
وفجأة…
وقف الفيديو.
وانطفأت الشاشة.
ثم اشتغلت مرة تانية وحدها.
لكن المرة دي…
ماكانش جد كريمة اللي ظاهر.
كان سليم.
قاعد قدام نفس الكاميرا.
وبيبتسم.
وقال أول جملة:
— “أنا كنت عارف إنكم هتوصلوا للشريط ده… عشان أنا اللي سجلت الجزء الأخير منه.”
حكايات شروق خالد
القاعة كلها اتجمدت.
الضابط قام من مكانه بسرعة.
صفاء قربت من الشاشة كأنها مش مصدقة اللي شايفاه.
أما كريمة… فحست إن قلبها هيقف.
سليم بص للكاميرا وابتسم ابتسامة هادية، لكنها كانت تخوف.
وقال:
— “لو بتتفرجوا على الفيديو ده، يبقى معناها إنكم لقيتوا الصندوق… زي ما كنت متوقع.”
بص يمين وشمال، وكأنه بيتأكد إن محدش سامعه.
وكمل:
— “قبل ما تحكموا عليا، اسمعوا الحكاية كلها.”
ظهر وهو طالع ورقة قديمة.
— “أنا ما سبتش البيت بإرادتي… أنا اترميت منه. أبويا صدق كلام الناس، وحرمني من اسمي، ومن حقي، وأنا عندي سبعتاشر سنة.”
عم جلال نزل برأسه في الأرض.
دموعه كانت بتنزل من غير صوت.
سليم كمل:
— “فضلت سنين أنام في الشوارع، وأشتغل أي شغلانة عشان أعيش. ولما رجعت بعد عشرين سنة، لقيت الكل نسي إن ليه أخ اسمه سليم.”
صفاء همست:
— “دي أول مرة يعترف بده.”
لكن سليم أكمل:
— “وده كله… ما يبررش اللي عملته بعد كده.”
ساد صمت.
ثم قال:
— “أنا دخلت في سكة غلط. عرفت ناس أخطر مني، وبقيت أفتكر إن الفلوس هترجعلي كرامتي.”
خفض رأسه.
— “لكن كل مرة كنت أشوف كريمة وهي راجعة من المستشفى بعد نبطشية طويلة، كنت أفتكر أختها… أمي.”
كريمة عقدت حاجبيها.
— “أمي؟”
صفاء بصتلها باستغراب.
سليم ابتسم بحزن.
— “أيوه… أمك كانت أول إنسانة مدتلي إيدها بعد ما اترميت من البيت. كانت تديني أكل من ورا أبوها، وتخبّي عليا، وهي طفلة.”
عم جلال انفجر في البكاء.
وقال:
— “الله يرحمها… عمرها ما قالتلي.”
سليم رفع صورة صغيرة قدام الكاميرا.
كانت صورة قديمة لوالدة كريمة وهي صغيرة.
وقال:
— “عشان خاطرها… عمري ما سمحت لحد يلمس كريمة.”
الضابط قاطعه وهو بيتابع الفيديو:
— “لكنك هددتها!”
سليم هز رأسه داخل التسجيل.
— “هددتها… أيوه.”
ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء:
— “لكن كل أوامر التهديد كانت تمثيل… أما أوامر الق*تل، فكانت طالعة من شخص تاني.”
كل الموجودين بصوا لبعض.
سليم مد إيده بورقة.
وقال:
— “الاسم مكتوب هنا.”
وقبل ما يقرأه…
انقطع الفيديو مرة تانية.
لكن المرة دي، الشاشة فضلت سودة.
حاول الفني يشغله.
حاول مرة واتنين.
ثم قال:
— “باقي التسجيل اتحذف.”
في نفس اللحظة، رن موبايل الضابط.
رد بسرعة.
وسكت.
ثم قال وهو بيبص لكريمة:
— “لقينا سليم.”
كريمة شهقت:
— “فين؟”
الضابط رد بصوت منخفض:
— “في شقة قديمة بالإسكندرية…”
سكت لحظة.
ثم أكمل:
— “لكن وصلنا متأخر.”
“لقيناه ميت… وعلى الترابيزة قدامه نفس الورقة اللي كان هيقراها في الفيديو.”
رفع الضابط الورقة من الملف.
فتحها ببطء.
وفي خانة الاسم، كانت مكتوبة ثلاث كلمات فقط…
“فايزة… أم مدحت.”
حكايات شروق خالد
الاسم وقع على كريمة كأنه طلقة.
بصت للضابط بعدم تصديق.
— “فايزة؟! حماتي؟”
صفاء خطفت الورقة من إيده، وقعدت تقراها كلمة كلمة.
كان تحت الاسم سطر بخط إيد سليم:
“أنا غلطت لما سكت. فايزة هي اللي عرفتني إن العقد موجود، وهي اللي أقنعتني إن جلال خد حقي. كانت كل مرة تولع النار بينا، وتقول إن العيلة كلها اتفقت عليا. ولما حاولت أتراجع، قالتلي إن الرجوع معناه السجن.”
عم جلال قعد على أول كرسي لقى قدامه.
وشه كان شاحب.
همس:
— “فايزة كانت بنت عمنا… كانت داخلة خارجة البيت.”
صفاء رفعت رأسها.
— “يعني كانت عارفة كل أسرار العيلة.”
الضابط قلب في باقي الورقة.
وكان فيها اعتراف أخطر.
“أنا ما أمرتش بق*تل أي حد. الراجل اللي مات كان جاي ياخد العقد مني بالقوة، وفايزة هي اللي باعت الناس ليه. لما حسيت إن اللعبة خرجت من إيدي، سجلت الفيديو.”
في اللحظة دي، دخل عسكري يجري.
قال:
— “يا فندم… الست فايزة مش موجودة في بيتها.”
الضابط وقف.
— “اختفت؟”
— “أيوه… والجيران بيقولوا إنها سابت البيت من الفجر.”
كريمة افتكرت حاجة فجأة.
ضربت بإيدها على الترابيزة.
— “الدوا!”
صفاء بصتلها باستغراب.
— “دوا إيه؟”
— “حماتي عندها سكر وقلب. كل أول شهر كانت تروح بنفسها صيدلية معينة في شبرا تاخد علاجها، وما كانتش تثق في حد غير الصيدلي هناك.”
الضابط ما استناش ثانية.
اتحركت قوة كاملة على الصيدلية.
وأول ما وصلوا…
كانت عربية أجرة واقفة قدام الباب.
وفايزة خارجة وهي شايلة شنطة سفر صغيرة.
أول ما شافت الشرطة، حاولت ترجع تجري.
لكن اتقبض عليها قبل ما تكمل خطوتين.
وأثناء تفتيش الشنطة…
لقوا مبلغ كبير بالدولار.
وجواز سفر.
وتذكرة سفر لنفس الليلة.
في التحقيق، فضلت ساكتة ساعات.
لكن لما الضابط حط قدامها رسالة سليم…
انهارت.
وقالت وهي بتعيط:
— “أنا ما كنتش عايزة أوصل لكده.”
صفاء ردت بحدة:
— “أمال كنتِ عايزة إيه؟”
قالت فايزة:
— “كنت عايزة الأرض… وبس.”
سكتت، ثم أكملت:
— “لما عرفت إن المشروع الجديد هيخلي تمنها بالملايين، قلت دي فرصتي. لعبت بسليم ضد أخوه، ولعبت بابني مدحت ضد مراته، وكل واحد كان فاكر إنه بينفذ خطته… وهو في الحقيقة بينفذ خطتي أنا.”
مدحت، اللي كان حاضر التحقيق، رفع رأسه ببطء.
وعينه مليانة دموع.
قال:
— “يعني… حتى أنا كنت مجرد أداة؟”
فايزة بصت له، وما ردتش.
اكتفت إنها نزلت عينيها في الأرض.
بعد شهور من التحقيقات، رجع عقد الأرض لأصحابه الشرعيين، واتحفظت كل المستندات، واتحاكم كل من ثبت تورطه في التهديد أو التزوير أو الاعتداء.
أما كريمة…
فرجعت بأبوها وأمها إلى بيتهم.
أول حاجة عملها عم جلال، إنه طلع للبلكونة، وحط أصيص ريحان جديد مكان اللي كان مات.
ابتسم لكريمة وقال:
— “شايفة يا بنتي؟”
ابتسمت وهي بتساعده يسقيه.
— “إيه يا بابا؟”
قال وهو بيبص للريحان:
— “البيت مش بالطوب… البيت بالناس اللي بترجع له مهما حصل.”
ولأول مرة من الليلة الممطرة اللي لقت فيها أبويها في الشارع…
حست كريمة إن العاصفة انتهت فعلًا، وإن الحقيقة، مهما اتدفنت سنين، بتلاقي طريقها للنور في النهاية.
“حين طردوا والديّ من بيتهما… انكشف السر الذي أخفته العائلة لعقود”
حكايات شروق خالد