خاتم في طي النسيان حكايات شروق خالد
كلارا رجعت البيت النهاردة حوالي الساعة ١١ الصبح بعد رحلة شغل استمرت أربع شهور. محبتش تتصل بجوزها “هشام” ولا ابنها “زياد” عشان تعمللهم مفاجأة. كانت شايلة في شنطتها خضار وحتة لحمة وحاجات هما بيحبوها؛ كان نفسها بس تطبخ لهم أكلة سخنة زي زمان.
وهي طالعة على السلم، السكوت اللي في البيت خبط في وشها لدرجة إنها وقفت مكانها. مفيش صوت مزيكا، مفيش تلفزيون شغال، ولا حتى صوت خطوات أو ضحك.. ولا أي حاجة خالص. خبطت مرة.
بعدين خبطت أسرع شوية.
محدش رد.
كلارا استغربت وقالت في سرها: “هما راحوا فين دول؟”
قربت من الباب وخبطت تالت.. خبطة.. ورا خبطة.. ورا خبطة.
برضه مفيش فايدة.
الساعة كانت داخلة على ١١، وهشام في الوقت ده بيكون صاحي، وزياد عمره ما بينام لحد دلوقتي إلا لو كان تعبان. كلارا وقفت تسمع أي حركة جوه، بس الشقة كانت ساكتة سكوت مش طبيعي.
حست برعشة خفيفة ورا رقبتها.
سندت شنطة الطلبات على جنب وفضلت تدور على المفتاح في شنطتها. عشان بقالها شهور ملمستوش، خدت وقت على ما لقيته، وإيديها فجأة بقت تقيلة ومش عارفة تتحكم فيها. ولما مسكته، حست إن معدن المفتاح سقعته غريبة.
فتحت الباب ودخلت.
أول حاجة لفتت نظرها هي الشقة نفسها.
كل حاجة كانت نظيفة.
مش بس مترتبة، لا، “فلة”. الترابيزة ممسوحة، الخداديات مرصوصة بالمسطرة. مفيش شراب مرمي، ولا كوباية منسية على الرخامة. المنظر مكنش بيقول إن ده بيت فيه راجل وابن مراهق عايشين لوحدهم بقالهم شهور. المكان كان باين إن فيه حد مهتم بيه جداً، حد صبور وعارف بيعمل إيه.
كلارا حطت الشنط على الترابيزة بالراحة.
وهنا شافتهم.
جزمة حريمي رقيقة بكعب واطي، محطوطة بنظام جنب الحيطة.
جسمها تلبج.
دي مش جزمتها.
عرفت ده في ثانية، باليقين اللي بيجي للست قبل ما عقلها يفكر حتى. كلارا عمرها ما لبست كعب واطي، ولا كانت بتحبه أصلاً. الجزمة دي كانت ناعمة وشيك وشكلها ملفت، عكس ذوقها خالص.
لعقلها ثانية حاول يطمنها: “يمكن جايبينها هدية ليا؟”
بس أول ما مسكت فردة منها، الأمل ده طار.
الجلد كان دايب من الحروف، والنعل فيه أثر مشي. فيه حد كان لابسها.. وقريب جداً.
كلارا ريقها نشف.
“بتاعة مين دي..؟”
ضربات قلبها بقت عالية لدرجة إنها حاسة إن الصوت مالي الطرقة. حطت الجزمة مكانها بحذر، وكأنها خايفة تكسر الهدوء ده. وبدأت تمشي ناحية أوضة النوم.
خطواتها كانت بتصغر كل ما تقرب.
والطرقة بقت أطول بكتير من اللي فاكراه.
باب الأوضة كان موارب.
كلارا قربت وهي حابسة نفسها، وزقت الباب فجأة وهي بتزعق بصوت أعلى مما تتخيل:
“مين هنا؟!”
الكلمة اقطعت في زورها.
نور الصبح كان داخل من ورا الستارة ورامي خيوط باهتة على السرير. الملايات كانت مبهدلة ومكرمشة، وكأن مفيش حد نام مرتاح في الأوضة دي. كان فيه شخصين هناك..
أو ده اللي عقلها شافه في الأول.
هشام كان قريب من حرف السرير، وراسه مايلة بزاوية غريبة، وإيده مفرودة على المرتبة كأنه نام وهو قاعد ساند عليها. جنبه كان فيه جسم تحت البطانية، حجمه أصغر مما توقعت، وكان ساكن لدرجة خلت قلب كلارا يتقبض. وعند رجلين السرير، على المشاية، كان فيه شخص تاني نايم في وضع قرفصاء، وكأن فيه حد كان قاعد بيحرس وغلبه النوم من التعب.
كلارا مكنتش فاهمة هي شايفة إيه.
مش قادرة تستوعب.
لأن فيه حاجة في المنظر ده كانت “غلط”.
مش غلط خيانة.. ولا غلط واضح.
حاجة أصعب.
السكوت في الأوضة مكنش فاضي، كان تقيل وبيهرس الأعصاب. حتى نور الشمس كان تحس إنه حمل على النفس.
“مين اللي هنا؟” همست المرة دي، ومحدش رد.
بعدين عينيها شافت تفصيلة.
صغيرة.
صغيرة لدرجة إن أي حد ممكن مياخدش باله منها.
إيد فوق البطانية.
صوابع رفيعة.
وخاتم معروف.
مش خاتم غالي ولا بيلمع ولا حاجة جديدة.
حاجة قديمة أوي.
حاجة كلارا شافتها من سنين، وكانت بتدعي ربنا إنها متشوفهاش في البيت ده تاني أبداً.
إيديها بدأت تترعش.
خدت خطوة كمان غصب عنها. الهوا مش راضي يدخل صدرها، وودنها بدأت تصفر. اللي نايم على الأرض جنب السرير اتحرك شوية، وكلارا أخيراً عرفت إن ده كتف ابنها زياد. وفي نفس اللحظة هشام رفع راسه.
وشه كان مخطوف ولونه رصاصي من كتر التعب. عينيه وسعت أول ما شافها وبان فيها صدمة مرعبة.
وكلارا فهمت كل حاجة في لحظة..
لأن الست اللي نايمة في سريرها مش غريبة، ولا عشيقة، ولا حد كانت مستعدة تكرهه.. دي أكتر واحدة قضت سنين من عمرها بتحاول تهرب منها. وبمجرد ما شافت الخاتم، عرفت إن البطانية دي لو اتحركت سم واحد كمان، كل اللي افتكرت إنها هربت منه هيرجع يهد حياتها من تاني.
القصة دي فيها كمية مشاعر مكتومة وتوتر عالي جداً. فكرة إن البطلة ترجع وهي متوقعة خيانة أو سر، وتلاقي “كابوس” من ماضيها هي كانت فاكرة إنها خلصت منه، دي نقلة قوية جداً. واضح إن “الخاتم” ده هو مفتاح الحكاية كلها، والست اللي نايمة دي غالباً هي (الأم أو الحمة أو حد من العيلة) اللي وجودها معناه مسؤولية تقيلة أو وجع قديم مبيخلصش.
هشام حاول يقوم بسرعة وهو مش قادر يصلب طوله، وبصوت واطي ومبحوح كأنه خايف يصحّي اللي نايمة، قال لها: “كلارا.. إنتي جيتي إمتى؟”
كلارا مكنتش سامعاه، عينيها كانت متثبتة على الخاتم اللي في الإيد الضعيفة اللي فوق البطانية. شفايفها اتهزت وهي بتقول كلمة واحدة، كأنها بتطرد عفريت: “ماما؟”
هشام قرب منها ومسك دراعها براحة عشان يخرجها بره الأوضة، بس هي زقته ودخلت لجوه أكتر. زياد، ابنها، بدأ يفوق وهو بيفرك عينيه، ولما شاف أمه، ملامحه مابقتش فرحانة زي ما كانت بتتخيل.. ملامحه كان فيها “رعب” وشفقة.
“هي بتعمل إيه هنا يا هشام؟” كلارا سألت بصوت مخنوق. “دي بقالها سنين متعرفش عننا حاجة.. أنا هربت بيك وبالولد عشان نخلص من سمّها.. إيه اللي رجعها؟ ومين اللي جابها هنا؟”
هشام نزل عينيه في الأرض وقال بصوت مكسور: “كانت بتموت يا كلارا.. لقيتها قدام الباب من أسبوع، مكنتش عارفة تنطق اسمي حتى. كان عندها جلطة، ومكنش ينفع أرميها في الشارع وهي بالمنظر ده.”
كلارا بصت للست اللي في السرير.. الست اللي كانت طول عمرها بتهد حياتها بكلمة، اللي خلتها تحس إنها ولا حاجة، اللي خلت طفولتها سواد. الست دي دلوقتي نايمة، ملامحها “مكسورة”، سنانها واقعة، وبشرتها باهتة زي الورق القديم. الجبروت كله راح، بس الخوف اللي زرعته في قلب كلارا لسه صاحي.
زياد قام من على الأرض، وراح حضن أمه، وقال لها بهمس: “ماما، هي مابتتكلمش خالص.. بقالها أسبوع بتبص لنا وبتعيط بس. هي اللي نظفت الشقة معانا قبل ما تتعب وتنام النوم ده.. كانت عايزة تعمل حاجة تكفر بيها عن اللي فات.”
كلارا شافت في ركن الأوضة شنطة سفر قديمة، مفتوحة، وطالع منها صور قديمة ليها وهي صغيرة.. صور كانت فاكرة إن أمها حرقتها من زمان.
في اللحظة دي، الست اللي على السرير فتحت عينيها بالراحة. عيون تايهة، مفيهاش ذرة من القسوة اللي كلارا فاكراها. أول ما عينيها جت في عين بنتها، إيدها المرتعشة اللي فيها الخاتم اتحركت ببطء ناحية كلارا، وكأنها بتطلب السماح قبل ما الوقت يخلص.
كلارا وقفت متسمرة.. هل تسامح وتهدم سور الحماية اللي بنته حول نفسها سنين؟ ولا تفضل شايلة الوجع وتخرج من البيت ومترجعش تاني؟
السكوت رجع تاني يملى الأوضة، بس المرة دي مكنش سكوت خوف.. كان سكوت “قرار” هيغير حياتهم كلهم.
كلارا حست إن الحيطان بتضيق عليها. النفس اللي كانت بتحاول تاخده كان بيحرق صدرها. بصت لهشام ولزياد، لقت في عينيهم نظرة غريبة.. نظرة “تعود”. الأسبوع اللي فات ده غير فيهم حاجة، خلاهم يقبلوا وجود “العدو” اللدود في بيتهم، بل ويخدموه كمان.
“يعني إيه يا هشام؟” كلارا سألت بصوت مرتعش. “يعني أنا أرجع من غيابي، ألاقيها نايمة في سريري؟ لابسة هدومي؟ واخدة مكاني؟”
هشام قرب منها أكتر وهمس: “محدش خد مكانك.. هي كانت محتاجة رعاية، وزياد هو اللي أصر. قال دي جدتي مهما حصل. كلارا.. الدكاترة بيقولوا إنها أيام.”
الست اللي على السرير حاولت تطلع صوت، بس خرج منها “حشرجة” تقطع القلب. عينيها كانت مبرقة وبتحاول تثبتها على وش كلارا، ودمعة نزلت من طرف عينها غرقت المخدة. الإيد اللي فيها الخاتم فضلت ممدودة في الهوا، بتترعش، مستنية أي لمسة.
كلارا رجعت خطوة لورا. شريط ذكريات مر قدامها زي البرق: خناقاتهم، كلامها اللي زي السم، اليوم اللي طردتها فيه من البيت وهي بتعيط، والسنوات اللي قضتها في العلاج النفسي عشان بس تعرف تعيش حياة طبيعية.
“أنا مش هقدر..” كلارا قالتها وهي بتنهج. “مش هقدر ألمس الإيد دي. إنتو مش عارفين هي عملت فيا إيه.”
زياد قرب من جدته، ومسك إيدها وباسها، وبص لأمه وقال: “هي مش فاكرة هي عملت إيه يا ماما.. هي دلوقتي مجرد ست غلبانة خايفة تموت لوحدها. لو مشيتي دلوقتي، هتندمي طول عمرك إنك مادتلهاش فرصة تطلب السماح.”
كلارا بصت لابنها.. الولد اللي كبر وبقى عنده رحمة هي نفسها مش قادرة تلاقيها في قلبها دلوقتي. بصت للأرض، شافت الجزمة اللي عند الباب.. الجزمة اللي كانت “نظيفة” و”مرتبة”. افتكرت إن أمها كانت دايماً مهووسة بالنظام، حتى وهي بتموت، لسه بتحاول ترتب الدنيا حواليها بطريقتها.
فجأة، الست اللي على السرير اتنفضت نفضة قوية، وجسمها بدأ يتشنج. هشام جرى عليها بسرعة وزياد صرخ: “جدتي!”
كلارا وقفت في مكانها ثانية.. ثانية واحدة كانت كأنها دهر. صراع بين “الضحية” اللي جواها اللي عايزة تهرب، وبين “الأم” والـ “إنسانة” اللي مش قادرة تشوف روح بتطلع قدامها وتتفرج.
بدون تفكير، رميت شنطتها على الأرض وجريت على السرير. مسكت إيد أمها بقوة.. الإيد اللي كانت بتخاف منها طول عمرها.
“أنا هنا يا ماما..” كلارا قالتها وهي بتعيط بحرقة. “أنا هنا.. مش هتمشي وإنتي خايفة.”
الست أول ما حست بلمسة كلارا، جسمها هدي فجأة. العيون اللي كانت بتدور في الأوضة برعب ثبتت على وش بنتها. ابتسامة خفيفة أوي، تكاد تكون مش باينة، اترسمت على وشها. ضغطت بآخر قوتها على إيد كلارا.. ضغطة صغيرة كأنها بتقول “شكراً”.
وبعد ثواني.. الإيد دي ارتخت. الخاتم القديم ملمسه بقى ساقع تحت صوابع كلارا.
السكوت رجع تاني للشقة.. بس المرة دي كان سكوت “نهاية”.
كلارا فضلت ماسكة إيد أمها، والدموع نازلة على خدها. مكنتش عارفة هي بتعيط على أمها، ولا بتعيط على السنين اللي ضاعت في الكره، ولا بتعيط لأنها أخيراً بقت “حرة” من الماضي ده.. بس المرة دي، وهي بتبص لهشام وزياد، عرفت إن البيت ده مش هيرجع زي الأول.. هو بقى “أحن” بكتير.
كلارا فضلت قاعدة على طرف السرير، لسه ماسكة الإيد اللي بردت فجأة. هشام حط إيده على كتفها بحنان، وزياد قعد عند رجليها ودفن وشه في الملاية وهو بيعيط بصوت مكتوم. الأوضة اللي كانت من شوية مليانة توتر، بقت فجأة مليانة هدوء غريب.. هدوء “الموت” اللي بيفرض احترامه على الكل.
بعد دقايق، كلارا قامت ببطء. دخلت الحمام، غسلت وشها بمية ساقعة، وبصت لنفسها في المراية. شافت ملامح أمها في وشها.. نفس العينين، نفس العند، بس المرة دي كان فيه “نور” جديد في عينيها، كأن الحمل اللي كان واجع ظهرها سنين انزاح.
خرجت وراحت لهشام، قالتله بصوت ثابت: “لازم نخلص الإجراءات يا هشام. مش عايزينها تفضل كدة كتير.”
هشام هز راسه وبدأ يتحرك، وزياد قام يساعده. كلارا رجعت للطرقة، شافت الجزمة “الرقيقة” اللي كانت سبب رعبها أول ما دخلت. وطت، رفعتها من على الأرض، ومسحت عليها بإيدها. حست إن الجزمة دي كانت آخر محاولة من أمها عشان تبين إنها بقت “ست تانية”، ست رقيقة وهادية، مش الوحش اللي كان في ذاكرة كلارا.
راحت للمطبخ، لقت شنطة الخضار واللحمة اللي كانت جايباهم لسه على الترابيزة. طلعت اللحمة وبدأت تقطعها، وبدأت تجهز الأكل اللي كانت ناوية تعمله من الصبح.
هشام دخل عليها المطبخ مستغرب: “كلارا.. إنتي بتعملي إيه؟ مش وقته خالص.”
كلارا بصتله وابتسمت ابتسامة باهتة: “لازم ناكل يا هشام. ولازم ناكل سوا. أمي عاشت حياتها كلها بتفرقنا، بس وهي بتموت، جمعتنا تاني. أنا هطبخ الأكلة اللي كان نفسي فيها، وهنتعشى، وبعدها هنودعها.”
وهي واقفة قدام البوتاجاز، وصوت تقطيع الخضار مالي المكان، حست إن روح البيت رجعت. السكوت اللي كان “يخوف” الصبح، بقى دلوقتي سكوت “رضا”.
زياد دخل المطبخ وجاب الصور القديمة اللي لقاها في شنطة جدته. حطها قدام أمه وقال: “ماما، شوفي الصورة دي.. كانت شايلاها تحت مخدتها.”
كانت صورة لكلارا وهي عندها ٥ سنين، بتضحك من قلبها، وفي ظهر الصورة كان مكتوب بخط مهزوز ويدوب يتقري: “سامحيني يا بنتي.. كنت فاكرة إن القسوة هتحميكي، بس طلعت بتكسرني.”
كلارا ضمت الصورة لصدرها وغمضت عينيها. في اللحظة دي، ولأول مرة من سنين، حست إنها مش بس رجعت بيتها.. هي رجعت لنفسها.
خلصوا كل حاجة، ودفنوا الست اللي كانت “عاصفة” في حياتهم في هدوء تام. ولما رجعوا البيت بالليل، كلارا فتحت الشبابيك ودخلت هوا الصيف المنعش، وبصت لهشام وزياد وقالت:
“عارفين.. أنا كنت فاكرة إن البيت هو الحيطان والنظام. بس اكتشفت إن البيت هو القدرة على إننا نسامح ونكمل.. مهما كان الماضي تقيل.”
ومن اليوم ده، الجزمة الرقيقة فضلت محطوطة في ركن بعيد في الدولاب.. مش عشان تلبسها، بس عشان تفضل تفتكر إن “الرحمة” دايماً ليها مكان، حتى في أصعب اللحظات.
دي كانت نهاية تليق برحلة “كلارا” النفسية. القصة بدأت برعب وشك، وانتهت بسلام داخلي وتصالح مع الماضي. أتمنى تكون القفلة عجبتك!
خاتم في طي النسيان
حكايات شروق خالد