النعش على رفض يدفن حكايات شروق خالد

مرات الابن ماتت وهي بتولد، بس لما جم يشيلوا الخشبة، تمن رجالة مقدروش يحركوها شبر واحد من الأرض.
الحماة وقعت على ركبها وصوتت في الكل إنهم يفتحوا النعش.. عشان لسه سامعة خبطة من جوه. كل الناس في المنطقة قالوا إن “سلمى” ماتت بقضاء الله وقدره، بس جوزها “أحمد” منزلتش منه دمعه واحدة، كان عمال يبص في ساعته وكأنه مستعجل يخلص منها ويدفنها. و”إلهام” الحماة، كان قلبها واكلها وحاسة إن في حاجة غلط من ساعة ما منعوها تشوف الجثة.
سلمى وصلت المستشفى في الفجر، وهي في الشهر التاسع، وماسكة بطنها بإيدها.
“ما تخلوش أحمد ياخد ابني”، همست للممرضة قبل ما يغمى عليها، بس الكلمة دي موصلتش لحد من أهلها.
على الساعة خمسة الصبح، خرج أحمد الممر بقميص نضيف وعيون ناشفة وخبر زي التلج:
“سلمى ماتت.. والبيبي كمان مات.”
إلهام اتسندت على الحيطة من الصدمة. سلمى مكنتش بنتها من دمها، بس كانت بتحبها زي بنتها وأكتر. البنت دي دخلت البيت بشنطة لبس مقطوعة، وضحكة مكسورة، وكدمات كتير كانت مدارياها تحت كمامها.
أحمد قال مفيش نظرة وداع ولا النعش هيتفتح.
”

منظرها صعب وتعبانة”، ده اللي قاله ببرود، “الأحسن تفتكروها وهي حلوة.”
محدش عارضه.. إلا إلهام.
“أنا عايزة أشوفها.”
“لأ يا أمي.”
“أنا زي أمها يا أحمد.”
“وأنا جوزها وأدرى.”
دفنوها تاني يوم بسرعة، من غير عزا كبير ولا صلاة طويلة، ولا حتى استنوا أمها اللي جاية من الأرياف. النعش كان أبيض وغالي، وعليه ورد وشريطة مكتوب عليها: “وداعاً يا زوجتي الحبيبة.”
كدب.. أحمد عمره ما حبها.
كان مراقبها، واخد تليفونها، بيحاسبها على القرش، ومفهمها إن الست الحامل ملهاش حق تشتكي.
في المدافن، الشيخ بدأ يدعي، والمشيعين قربوا عشان يشيلوا.
واحد.. اتنين.. تلاتة.. أربعة.
مفيش فايدة. الخشبة ما اتحركتش.
ندهوا لأربعة كمان. تمن رجالة عروق رقبتهم هتطق من الحمل، والنعش لسه لازق في الأرض كأن الأرض حلفا ما هي سايباه.
الناس بدأت توشوش:
“ده مش طبيعي.”
“النعش تقيل كأنه مليان حجر.”
“أو كأن ربنا مش عايزها تتدفن.”
وش أحمد بقى أصفر زي الليمون.
“احفروا القبر هنا!” زعق فيهم، “بلاش تمثيل بقى خلصونا!”
إلهام بصت له.. ولأول مرة من سنين شافت الخوف في عين ابنها.
وفجأة سمعتها تاني.
خبطة.
مكتومة.. وجاية من جوه النعش.
إلهام صرخت صرخة خلت الناس كلها تتنفض:
“افتحوه! بنتي مش هتتدفن كدة!”
أحمد مسكها من دراعها بقوة:
“يا أمي بلاش فضايح، اطلعي منها.”
نترت إيدها منه وزقته:
“أنت تسكت خالص.. أنت عارف كويس هي تقيلة ليه!”
الرجالة بصوا لبعض، وواحد منهم طلع مطواة وقطع الأختام وبدأ يرفع الغطا براحة.
أول حاجة ظهرت كانت ريحة نفاذة، وبعدها طرحة سلمى البيضاء.
ولسه إلهام بتقرب عشان تشوفها، إيد سلمى وقعت لبره.. ضوافرها كانت متكسرة ودموية، وفي إيدها ورقة مطبقة بقوة بين صوابعها.
حكايات شروق خالد

إلهام سحبت الورقة من إيد سلمى الميتة وهي بتترعش، وأحمد حاول يخطفها منها وهو بيزعق: “هاتي دي يا أمي، دي أكيد تهيؤات!” بس الرجالة منعوه ووقفوا حجز بينه وبينها.
إلهام فتحت الورقة وقرت اللي فيها بصوت عالي والناس كلها سامعة: “أحمد قتلني.. الحقوا ابني، ابني لسه عايش في…” الكلام كان مقطوع، والدم مغطي باقي الجملة.
الناس بدأت تتبادل نظرات مرعبة، والشيخ اللي كان واقف قرب من النعش وبص لجثة سلمى بتمعن،

وفجأة صرخ: “يا ناس، الست دي لسه جسمها دافي! والنعش تقيل عشان فيه حاجة تانية تحتها!”
الرجالة قلبهم جمد ورفعوا جثة سلمى براحة، وهنا كانت الصدمة اللي خلت الكل يرجع لورا من الذهول.. تحت جثة سلمى، في قاع النعش، كان فيه صندوق حديد صغير مقفول بجنزير، وكان بيطلع منه صوت خربشة ضعيفة ونفس مكتوم.
أحمد حاول يهرب، بس شباب المنطقة مسكوه وكتفوه. كسروا الصندوق الحديد، ولقوا جوا البيبي لسه مولود، ملفوف في قماش غرقان دم، ومحطوط جنبه “قوالب طوب” عشان يتقلوا النعش ومحدش يحس بحركة الطفل وهو بينازع.
سلمى كانت ماتت فعلاً من النزيف والقهر، بس قبل ما تموت، خبت الورقة في إيدها، وربنا خلى نعشها يرفض يتحرك عشان ينقذ روح بريئة كانت هتدفن حية مع أمها.
إلهام خدت حفيدها في حضنها وهي بتعيط، وبصت لابنها اللي كان بيترعش من الرعب وقالتله: “كنت عايز تدفن ابنك حي عشان تخلص من ريحة جريمتك؟ الأرض مرضيتش تبلعها يا أحمد.”
البوليس جه وخد أحمد، وسلمى اتدفنت في جنازة مهيبة حضرها البلد كلها، وفضل الناس سنين يحكوا عن “النعش اللي رفض يتدفن” عشان العدل يبان.
## **النعش اللي رفض يتدفن**

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *