خيوط النجاه ج2 حكايات منى السيد
الفصل الثالث: الغرزة اللي تلم الجرح
مرت السنة الأولى كأنها عشر سنين. الحياة في أوضة وصالة في بيت أمي ماكانتش سهلة، كانت حرب من نوع تاني. حرب مع القرش، حرب مع ضيق المكان، وحرب مع نظرات الشفقة اللي كنت بشوفها في عيون الناس في السوق لما بيشوفوني ببيع “ملايات” مطرزة أو شغل خياطة عملته بإيدي. بس كنت اتعلمت حاجة مهمة: اللي بيخاف من نظرة الناس، بيفضل محبوس في سجنهم. وأنا خلاص، كسرت السجن ده ورميت المفتاح.
في بيت أمي، اتعلمت دروس مكنتش أتعلمها لو فضلت في بيتي القديم. اتعلمت إن “البركة” مش في كتر الفلوس، البركة في “الرضا” وفي العيال لما يناموا شبعانين ولو بلقمة حاف. أمي، الله يبارك لها، كانت السند. كانت هي اللي بتمسك العيال لما بكون قاعدة على مكنة الخياطة اللي اشتريتها مستعملة بالقسط، وهي اللي كانت بتصبرني لما الحزن يهجم عليا بالليل وأنا لوحدي.
بدأت أطور شغلي. ماكتفتش بالخياطة العادية، بدأت أعمل “تطريز يدوي” على ملايات السرير والمفارش. نزلت الحسين، اشتريت خيوط، وبدأت أبتكر رسومات. كنت بشتغل والعيال حواليا، أحمد بيذاكر، وملك بتساعدني في ترتيب الخيوط، وتامر ودعاء بيلعبوا. بقيت بوزع شغلي على محلات في المنطقة، ومع الوقت، بدأت أسمي نفسي “أنوار للنسيج”. اسم بسيط، بس كان معناه عندي كبير.. كان إعلان رسمي إني رجعت للحياة.
وفي يوم، وأنا في المحل بطلب خيوط، قابلت “حامد”. حامد ده كان راجل طيب، صاحب محل أقمشة كبير في وسط البلد، كان يعرفني من أيام ما كنت بشتري قماش للجهاز. بص لي باستغراب، وقال: “أنوار؟ يا أهلاً يا بنتي. بقالك فترة طويلة غايبة عننا.. ومصطفى أخبارك إيه؟”
سكت للحظة. قلبي مادقش، ولا وجعني. قلت بصوت ثابت: “مصطفى مابقتش أعرف عنه حاجة يا عم حامد. أنا اللي بقيت بشتغل دلوقتي.”
حامد بص لي بنظرة كلها احترام، مش شفقة. قال: “يا بخت اللي اعتمد على نفسه. بصي يا أنوار، أنا عندي طلبيات كبيرة، ومحتاج حد “شاطر” زيّك يخلصها. لو تقدري، أنا هفتحلك باب رزق.”
دي كانت الفرصة اللي مستنياها. روحت البيت، وقلبي كان بيرقص من الفرحة. بدأت أشتغل ليل نهار. مكنة الخياطة مابقتش بتهدأ. البيت بقى عبارة عن خيوط وأقمشة، بس كان بيت “حي”. العيال كبروا معايا، حسوا بوجع القلة، فبقيوا هما كمان بيساعدوا. أحمد، اللي كان بيمسك الكتاب بزهق، بقى يذاكر عشان يطلع “محاسب” ويشيل عني هم الحسابات. وملك، بقت بتساعدني في تصميم الرسمات.
بس، الدنيا ما بتسيبش حد في حاله. في يوم، وأنا راجعة من عند حامد، شفت مصطفى. كان واقف مع “مراته الجديدة” قدام محل موبايلات. كان شكله مبهدل، لبسه مش مهندم زي الأول، ونظراته كانت تايهة. لما شافني، اتجمد في مكانه. بص لي، وبص لشنطة القماش اللي في إيدي، وبص لشكلي.. كان شكلي اتغير، كنت بقيت أقوى، ملامحي بقت أنشف، وعيني فيها لمعة “تحدي” مكنتش موجودة.
قرب مني بخطوات مترددة وقال: “أنوار؟”
وقفت. مشيت بخطوات ثابتة، وبصيت له كأني ببص لغريب. قلت له ببرود: “عايز إيه يا مصطفى؟”
ارتبك، وقال: “أنا.. أنا كنت بسأل عن العيال. عرفت إنك بتشتغلي.”
ضحكت ضحكة ناشفة، وقلت له: “العيال بخير يا مصطفى. أحسن بكتير مما تتخيل. وما تقلقش، هما مش محتاجين منك سؤال، هما محتاجين أب.. وأنت ضيعت الفرصة دي من زمان.”
بص للمرأة اللي كانت واقفة وراه، ورجعت بصت لي، كان في عيونها نظرة “غيرة”. زعلت عليها لحظة، هي كمان كانت ضحية لراجل بيجري ورا الأوهام، مش فاهم إن السعادة مش في “الجديد”، السعادة في “الأصل”.
سبته ومشيت. مكنش فيه في قلبي غير “شفقة” عليه. هو خسر كل حاجة عشان “نزوة”. خسر الأمان، خسر عياله، وخسر الست اللي كانت شايلة الدنيا عشانه.
رجعت البيت، ولقيت العيال مستنييني. دخلت، ولقيت البيت دافي. دخلت للمطبخ، عملت لهم أحلى أكلة. قعدنا كلنا، وكلنا سوا. الضحكة رجعت لبيتنا تاني. أحمد حكى لي عن امتحانه، وملك ورتني الرسمة اللي خلصتها.
في اللحظة دي، حسيت بمعنى “الانتصار”. الانتصار مش إنك تنتقم من اللي غدر بك، الانتصار إنك تعيش، وتنجح، وتكون أسعد وأقوى من غيره.
الديون اللي كانت محاوطاني؟ خلاص، معظمها سددته. البنك بقى بيشوفني عميلة “منتظمة”، ومحلات وسط البلد بقت بتطلب “شغل أنوار” بالاسم. أنا مابقيتش أنوار اللي بتعيط على “الخيانة”، أنا بقيت “أنوار” اللي بتبني مستقبلها بإيديها.
بليل، قعدت مع أمي. مسكت إيدي وقالت: “فخورة بيكي يا بنتي. ما كسركيش الغدر، بالعكس، خلاكي أقوى.”
قلت لها: “يا أمي، الوجع هو اللي بيعلم. أنا كنت فاكرة إن حياتي انتهت يوم ما مشي، بس الحقيقة إن حياتي بدأت يوم ما عرفت إني مش محتاجة غير نفسي وولادي.”
في نص الليل، قمت شفت العيال وهما نايمين. شكلهم كان مطمئن. كنت عارفة إن الطريق لسه فيه تحديات، وإن الدنيا مش دايما بتمشي زي ما إحنا عايزين، بس كنت عارفة حاجة واحدة: إن “أنوار” اللي واقفة قدامكم دلوقتي، غير أنوار اللي كانت بتعجن وهي بتعيط.
المستقبل؟ مش خايفة منه. أنا بانيه الأساس صح، بانيه على “التعب”، “الصبر”، و”الكرامة”. وكل غرزة بخيطها دلوقتي، هي مش بس قماش، دي رسالة لنفسي: “أنا قوية.. أنا أقدر.. وأنا ست بمليون راجل.”
القصة قربت توصل لنهايتها، بس اللي اتعلمته في السنين دي، هيفضل معايا طول عمري. إن الحب الصادق مش هو اللي بيوعدك بالجنة، الحب الصادق هو اللي بيثبت جنبك في “النار” ويساعدك تخرج منها أقوى.
وفجأة، جالي تليفون. كان من حامد. “يا أنوار، في معرض كبير في وسط البلد، وعايزين شغلك يكون هناك. إيه رأيك؟”
بصيت لشنطة القماش، وبصيت للبيت الصغير اللي مالي الدنيا دفا. قلت: “موافقة يا عم حامد. موافقة جداً.”
دي كانت بداية جديدة. بداية مش بس للشغل، بداية لنفسي. أنوار، اللي سابها جوزها بـ 4 عيال وجبل ديون، دلوقتي واقفة على رجلها، وبتفتح أبواب المستقبل بيديها.
**
الفصل الرابع (الأخير): النور اللي طلع في آخر النفق
اليوم اللي كان المفروض أروح فيه المعرض الكبير في وسط البلد، صحيت قبل الفجر. قعدت قدام المكنة، وبصيت للمفارش اللي خلصتها. كل غرزة فيها كانت حكاية، كل خيط كان صرخة، وكل رسمة كانت دمعة نشفت وتحولت لنجاح. وقفت قدام المراية، بصيت لوشي. التجاعيد اللي ظهرت حوالين عيني مابقتش تزعلني، بالعكس، كنت بشوفها “أوسمة شرف”. دي ملامح الست اللي صمدت، الست اللي أكلت نار عشان تبرد قلب ولادها.
لبست لبس بسيط، بس كان مهندم ومرتب. حطيت الطرحة بطريقة خلتني أحس إني ملكة، ملكة على مملكتي الصغيرة اللي بنيتها من العدم. وأنا خارجة، لقيت أمي واقفة عند الباب، عيونها كانت بتلمع بفرحة أم شافت بنتها بتكبر وبتنتصر.
“استودعتك الله يا أنوار، خليكي واثقة في نفسك، إنتِ تعبتِ وشقيتي، والرزق بيحب السعي.”
بست إيدها وخرجت. الشارع كان لسه نايم، بس روحي كانت صاحية ومصحصحة لكل فرصة.
وصلت المعرض. كان مكان كبير، مليان أرقى المحلات، وفيه ناس من كل حتة. في الأول، حسيت برهبة. أنا، بتوع “الحارة”، وسط الناس دي؟ بس الرهبة دي ماقعدتش كتير. دخلت، ووقفت عند الجناح بتاعي. بدأت أرص شغلي: الملايات المطرزة، المفارش اللي فيها روح الفن المصري القديم، واللمسات اللي ضفتها من خيالي.
الناس بدأت تدخل. في الأول كانوا بيشوفوا من بعيد، وبعدين بداوا يقربوا، يلمسوا القماش، يسألوا عن “مين اللي عامل الشغل ده؟”. ولما كنت بقول: “أنا”، كانوا بيبصوا لي بإعجاب حقيقي. مش إعجاب شفقة، ولا استغراب، إعجاب بـ “صنعة” إيد ست مصرية عارفة هي بتعمل إيه.
وفجأة.. في وسط الزحمة، لمحت وش مألوف. كان مصطفى. واقف بعيد، لابس بدلة قديمة، بيبص لي بصدمة. مكنتش عارفة هو جه إزاي أو عرف مكاني منين، بس كان واقف بيراقب “الست” اللي سابها تنهار، وهي دلوقتي واقفة بتمثل في أكبر معرض. مابقيتش أحس بالوجع اللي كنت بحس بيه قبل كدة. بصيت له بابتسامة هادية، ابتسامة “تسامح” مش ضعف، تسامح لأن الغفران بيحرر القلب، وأنا قلبي مابقاش فيه مكان للحقد.
قرب مني، ووقف قدامي. كان باين عليه الانكسار، باين عليه إنه خسر كتير.
“أنوار..” قالها بصوت مخنوق.
رديت عليه بكل هدوء، صوتي كان ثابت: “أهلاً يا مصطفى. شفت؟ أنا وقفت، والعيال كبروا، والبيت اللي كان هيتهد بقى قلعة. كل ده من غيرك.”
سكت، ملقاش كلمة تترد. كنت شايفة في عينه الندم اللي بيحرق صاحبه، بس الندم ده كان متأخر أوي. كان بيحاول يشوف في عيني أي أثر للحب القديم، أي ذرة احتياج، بس ما لقاش. لقاني “مكتملة”. لقاني مش محتاجة حد، ولا حتى “أب” لولادي غير اللي أنا كنت ليهم.. أم وأب في نفس الوقت.
قال بصوت واطي: “أنا آسف.. كان لازم أقولها من زمان.”
بصيت له وابتسمت: “الأسف مابيرجعش السنين يا مصطفى. الأسف مابيسددش الديون اللي سدتها بدم قلبي. روح.. ربنا يسامحك، بس طريقنا خلاص مابقاش واحد.”
مشيت من قدامه، وكملت شغلي. في اللحظة دي، حسيت إني أخيراً “تحررت”. الحبل السري اللي كان رابطني بوجع الماضي اتقطع. أنا دلوقتي حرة، حرة من قيود الذكريات، حرة من انتظار كلمة حلوة، وحرة من الخوف على بكرة.
اليوم خلص، وبعت كل الشغل اللي كان معايا. رجعت البيت، ومعايا فلوس كتير—أول مبلغ كبير أجمعه من عرقي. دخلت البيت، لقيت العيال مستنييني، أحمد جري عليا، ملك حضنتني، وتامر ودعاء جولي بيجروا. في اللحظة دي، حسيت إن ده هو “المعنى”. مش الشغل، ولا المعرض، ولا الفلوس. المعنى هو الحب اللي في العيون دي، هو الأمان اللي زرعته في قلوبهم.
بليل، قعدت مع أمي والعيال، وأعلنت الخبر: “إحنا هننقل بيت جديد. بيت أكبر، بيت لينا إحنا بس.”
العيال صرخوا من الفرحة، وأمي ابتسمت بدموع.
بكرة، هبدا حياة جديدة. هفتح ورشة صغيرة، وهشغل معايا ستات من الحارة، ستات زيهي، اتكسروا وقاموا تاني. هعلمهم إزاي يعتمدوا على نفسهم، إزاي يحولوا الوجع لشغل، والألم لنجاح. أنوار، اللي كانت بتعجن وهي بتعيط، بقت دلوقتي “أنوار اللي بتدير حياة”.
قعدت لوحدي في البلكونة، بصيت للسما. النجوم كانت منورة، كأنها بتضحك لي. افتكرت “سارة” اللي كانت بتبكي على السرير، و”أنوار” اللي بتضحك دلوقتي وهي شايفة ولادها بيكبروا قدام عينيها.
القصة انتهت؟ لأ، القصة الحقيقية بدأت دلوقتي. دي مش نهاية، دي بداية لرحلة طويلة من العطاء، والنمو، والقوة. أنا مش بس نجيت، أنا “انتصرت”. انتصرت على الخوف، على الفقر، وعلى الغدر.
ومهما كانت الحياة صعبة، ومهما رمت في وشنا من مطبات، دايماً فيه “نور”. نور بيطلع في آخر النفق، بس لازم تكوني إنتِ اللي ماشية في النفق ده، وبإصرارك وقوتك، توصلي للنور ده.
أنا أنوار، وبقول لكل ست بتسمعني: “ماتخليش حد يكسرك، وماتخافيش من بكره. إنتِ بإيدك تقدري تعجني حياتك من تاني، وتطلعي منها أحلى عيش، وأحلى حياة.”
نامت الحارة، ونام البيت، بس أنا فضلت صاحية، ببتسم للسما، وبفكر في بكرة. بكرة اللي أنا اللي هكتب تفاصيله، مش حد تاني. بكرة اللي فيه “بيت بسقف أخضر”، وفيه ولاد كبار وفخورين بأمهم.. وبكرة اللي فيه “أنوار”، الست اللي اتعلمت إنها لو اتكسرت، تقدر تلم جراحها وتكمل طريقها.. وتوصل.
**تمت.**