ثمن العا.ر** حكايات شروق خالد

أنا حملت وأنا لسه في ثانية ثانوي.

أبويا وأمي بصوا لي بعيون باردة وقاسرة وقالوا لي:

“أنتي جبتي لنا العار والمصيبة.. من النهاردة أنتي مش بنتنا.”

وبعدها.. رموني في الشارع.

السنة دي كنت في ثانية ثانوي في بلد صغيرة في الأرياف. لما ظهر خطين في اختبار الحمل، رجليا شالتني ودبت في الأرض وكدت أوقع الاختبار من إيدي. مكنتش لسه استوعبت الصدمة ولا عارفة هعمل إيه، لكن الخبر كان خلاص انتشر زي النار في الهشيم: في المدرسة، في السوق، وحتى في الجامع وكل حتة في البلد.

أبويا وأمي بصوا لي وكأني حشرة أو حاجة قذرة.

“أنتي وطيتي راسنا في الأرض.. من هنا ورايح مالكيش أب وأم.”

كل كلمة من أبويا كانت بتنزل على وشي زي الكرباج.

اليلية دي كانت الدنيا بتمطر ومغرقاها مطر. أمي رمت شنطتي القديمة في الحوش وزقتني بره البيت وكأني غريبة عنهم. مكنش في جيبي جنيه واحد، ومكنش عندي أي مكان أروحه.

فضلت ماشية وأنا حاضنة بطني، ببعد عن البيت اللي كان في يوم من الأيام أأمن مكان في حياتي.. ومشيت ومن غير ما أبص ورايا ولا بَصة.

ولدت في أوضة إيجار ضيقة جداً، متجيش حتى تلاتة في تلاتة، على أطراف القاهرة.

مكنش معايا أي حد من أهلي، ولا أي بني آدم يساعدني.. مكنش معايا غير صوت المطر، وريحة الرطوبة، ووجع كان بيقطع في جسمي كله.

الأيام دي كانت صعبة.

ومليانة وجع.

وكمان نظرات الناس اللي مبترحمش ووشوشاتهم من ورا ضهري.

بس أنا ربّيت بنتي بكل القوة اللي كانت فيا.

وسميتها “نور”.

لما نور تمت سنتين، أخدتها معايا وروحنا عشنا في منطقة شعبية في عين شمس. اشتغلت جرسونة في مطعم صغير، الصبح أخدم على الزباين وأشيل الأطباق، وبالليل أسهر أذاكر عشان أكمل شهادتي وتعليمي.

وبعد طول تعب.. الدنيا أخيراً ضحكت لي.

بدأت أبيع حاجات أونلاين: في الأول كانت حاجات بسيطة، إكسسوارات، لبس، ومشغولات يدوية.

بعد شوية، فتحت محل صغير.

وبعدها المحل بقى براند وماركة معروفة.

وبعدها، بقت شركة كبيرة ولها اسم.

بعد ست سنين، اشتريت شقة تمليك كبيرة.

بعد عشر سنين، بقى عندي سلسلة محلات في كل المحافظات.

بعد عشرين سنة..

ثروتي عدت الملايين وبقيت سيدة أعمال يشار لها بالبنان.

كنت عارفة إني وصلت لمكانة محدش كان يتخيلها زمان.

بس الشوكة اللي كانت في قلبي —

الوجع والكسرة الكبيرة اللي حسيتها لما أهلي رموني واتخلوا عني —

عمرها ما راحت ولا اتمست من جوايا.

في يوم، قررت إني لازم أرجع.

مش عشان أسامحهم.

لأ.. عشان أوريهم هما خسروا إيه.

قعدت ورا دركسيون عربيتي المرسيدس الجديدة، ورجعت لبلدنا القديمة. الطريق اللي بيودي للحارة مكنش اتغير كتير، بس أنا مبقتش نفس البنت الضعيفة المكسورة بتاعة زمان.

البيت كان لسه واقف في مكانه.. شبه ماتغيرش من عشرين سنة، بس كان متبهدل وقدم أكتر.

الباب الحديد كان مصدي.

والحيطان مقشرة.

والحوش كله تراب وقش.

وقفت قدام الباب، أخدت نفس عميق وشد حيلى، وخبطت تلات خبطات جامدين ورا بعض.

فتحت لي الباب بنت صغيورة، يكون عندها تمانتاشر سنة كده.

أنا اتسمرت في مكاني من الصدمة.

البنت كانت شبهي لدرجة تخوف: نفس العينين، نفس المناخير، وحتى نفس التكشيرة لما تستغرب.

كأني كنت ببص لنفسي وأنا في سنها زمان.

“حضرتك بتدوري على حد؟” البنت سألتني بكل أدب وبلهجة أهل البلد الفلاحين.

وقبل ما أرد عليها، أبويا وأمي خرجوا من جوه الدار.

أول ما عيونهم جت عليا، اتجمدوا في مكانهم.

أمي حطت إيدها على بقها، وعينيها احمرت ودموعها كانت هتفر منها.

أبويا وشه جاب ألوان وشفايفه بدأت تترعش.

أنا ابتسمت ابتسامة باردة كلها شماتة وقلت لهم:

“أكيد ندمانين دلوقتي.. مش كده؟”

بس فجأة، البنت جريت على أمي، ومسكت إيدها جامد، وقالت كلمة واحدة هزت كياني وشقلبت دنيتي كلها…

حكايات شروق خالد

البنت بصت لأمي وقالتلها بخوف: “ماما.. هي دي الست الكبيرة صاحبة الشغل اللي جاية تطردنا من البيت؟”

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. “ماما”؟ البنت دي بتقول لأمي يا ماما؟ وأطردنا من البيت؟

أنا اتلجمت ومبقتش عارفة أنطق. بصيت لأمي اللي كانت بتعيط وبتبص في الأرض من كسرتها، وبصيت لأبويا اللي ظهرت عليه علامات العجز والمرض، وضهره بقى محني ومبقاش فيه من جبروت زمان ولا الهوا.

أمي قربت مني وهي بتمسح دموعها بطرف طرحتها وقالت بصوت مكسور: “سامحينا يا بنتي.. أنتي عندك حق تشمتي فينا وتطردينا.. البيت ده مبقاش بيتنا خلاص، البنك حجز عليه من شهرين بعد ما خسرنا كل حاجة، وعرفنا إن شركتك الكبيرة هي اللي اشترت المزاد.. إحنا ملناش مكان نروح فيه، بس وحياة غلاوة بنتك “نور” ما تظلمي أختك.. ذنبها إيه تترمي في الشارع زي ما عملنا فيكي زمان؟”

أختي؟ البنت دي تبقى أختي؟

أمي خلفتها بعد ما أنا مشيت.. خلفت بنت تانية عشان تعوض الوجع اللي عاشوه، بس المفارقة إن الدنيا دارت، والبنت دي كبرت وشبهي في كل حاجة، والنهاردة واقفة بتترجاني عشان منفسدش حياتهم.

أبويا اتكلم بصوت حشرج بالبكاء: “أنا عارف إني كنت قاسي.. وخوفي من كلام الناس والعار عماني عن بنتي وحتة مني.. ربنا عاقبني أشد عقاب يا بنتي، طول العشرين سنة اللي فاتوا مفيش ليلة نمتها وأنا مرتاح.. وكل ما أبص في وش أختك الصغيرة، بفتكرك وأموت في اليوم مية مرة.. أنا مستعد أمشي وأموت في الشارع، بس سيبيهم هما هنا.”

البنت الصغيرة (أختي) دموعها نزلت وبقت تبص لي برعب، متبتة في فستان أمي.

أنا كنت رايحة والغل مالي قلبي، كنت عايزة أكسر عينيهم زي ما كسروني، وأوريهم إن البنت اللي رموها في المطر من غير مليم، بقت النهاردة قادرة تشتري بيتهم وحياتهم كلها.

بس أول ما شفت البنت الصغيرة دي.. شفت نفسي زمان. شفت الخوف اللي في عينيها، واقتنعت إن الانتقام مش هيصلح الوجع اللي جوة قلبي.

أخدت نفس طويل، وبلعت ريقي بصعوبة. بصيت لأبويا وأمي وقلت لهم بجفاء بس من غير شماتة: “أنا مش هطردكم.. البيت هيفضل باسم شركتي، بس أنتوا هتقعدوا فيه ومحدش هيقرب لكم.”

التفتت وعطيتهم ضهري ومشيت ناحية عربيتي المرسيدس. أمي جريت ورايا وهي بتعيط وتدعي لي: “ربنا يبارك لك يا بنتي.. ربنا يريح قلبك زي ما ريحتينا.”

ركبت عربيتي، وبصيت لنفسي في المراية. الدموع كانت مغرقة وشي، بس لأول مرة من عشرين سنة.. حسيت إن الشوكة اللي كانت في قلبي اتخلعت. أنا مسمحتهمش من كل قلبي، بس عتقت نفسي من سجن الماضي.

دورت العربية وطلعت على القاهرة، وأنا عارفة إني راجعة لحضن بنتي “نور”.. الحياة الحقيقية اللي أنا بنتها وعملتها بنفسي، والماضي اتقفل وراه الباب للأبد.

حكايات شروق خالد

طول الطريق وأنا راجعة على القاهرة، كانت ملامح أختي الصغيرة مش راضية تفارق خيالي. نفس الخوف اللي كان في عينيها هو الخوف اللي عشته ليلة ما اترميت في المطر، والفرق الوحيد إنها لقت اللي يحميها، وأنا ملقيتش.

وصلت البيت على الفجر، دخلت الشقة بالراحة عشان مِصحّيش نور. رحت على أوضتها، لقيتها نايمة في هدوء وشعرها مفرود على المخدة.. كانت كبرت وبقت عروسة زي الفل في الجامعة. قعدت على طرف السرير وبصيت في وشها، وحسيت فجأة بكمية امتنان لربنا؛ لأن الوجع اللي شفته زمان طلع منه النور ده كله.

نور حست بيا، فتحت عينيها العسلية وابتسمت ونامت على رجلي: “ماما.. أنتي جيتي؟ طمنيني، رحتي المشوار اللي كنتي خايفة منه؟”

تنهدت وأنا بملس على شعرها: “رحت يا نور.. وشفتهم.”

نور قعدت وانتبهت: “وعملوا إيه؟ شافوا سيدة الأعمال الكبيرة اللي وطوا راسهم قدامها؟”

قلت لها بصوت هادي: “لأ.. شفت ناس عواجيز، مكسورين، والدنيا دارت بيهم لحد ما بقوا عايشين في بيت أنا اللي شرياه.. وشفت أختك الصغيرة.”

نور برقت عينيها: “أختي؟!”

حكيت لها كل اللي حصل، عن البنت اللي شبهي، وعن البنك اللي حجز على البيت، وعن دموع أبويا وأمي. نور سمعتني والدموع لمعت في عينيها، وبصت لي بفخر وقالت: “أنا عارفة إن قلبك طيب يا أمي.. وعارفة إنك مكنتيش هتقدري ترمي بنت ملهاش ذنب في الشارع.. أنتي عملتي الصح.”

عدى أسبوعين.. وفي يوم وأنا قاعدة في مكتبي في الشركة براجع الحسابات، السكرتيرة دخلت وقالت لي: “يا فندم.. في بنت صغيرة بره، شكلها من الأرياف، ومصممة تقابل حضرتك، وبتقول إنها أختك.”

قلبي دق بسرعة، وقلت لها: “دخليها حالا.”

دخلت أختي — كان اسمها “مريم” — كانت لابسة فستان نضيف بس بسيط، وماسكة شنطة قماش في إيدها وبتترعش من هيبة المكان والشركة. أول ما شافتني، وقفت مكسوفة وقالت بصوت واطي: “أنا آسفة يا أبلة إني جيت من غير ميعاد.. بس أنا أخدت العنوان من ورق الشغل اللي سبتيه مع بابا.”

قمت من ورا مكتبي وقربت منها: “تعالي يا مريم.. اقعدي، في حاجة حصلت لأبوكي وأمي؟”

هزت راسها بالنفي وقالت: “لأ.. هما كويسين، بس أمي مبطلتش عياط من يوم ما مشيتي، وبابا علق صورتك القديمة اللي كان مخبيها في المنديل في صالة البيت.. أنا جيت عشان أديكي ده.”

فتحت الشنطة القماش وطلعت علبة قطيفة قديمة ومتبهدلة، فتحتها.. وكان جواها غويشتين دهب قدام بتوع زمان.

مريم قالت والدموع في عينيها: “دول حاجت أمي الشقا عمرها.. بابا قاللي أسافر وأديهم ليكي، وهما عارفين إنهم ميجوش ثمن قفل في عربيتك، بس بيقولولك دي الحاجة الوحيدة اللي حيلتنا ونفسنا تقبليها كـ اعتذار.. إحنا مش عايزين نموت وإحنا شايلين ذنبك.”

بصيت للغوايش واقتربت من مريم، وخدتها في حضني.. المرة دي الحضن كان حقيقي، مكنش فيه غل ولا انتقام، كان فيه ريحة الدم والأهل اللي مهما هربنا منهم بيفضلوا جوانا.

قلت لها: “خديهم يا مريم.. ورجعيهم لأمك وقوليلها بنتك مش محتاجة دهب، بنتك بقت بتشتري الدهب بالبلد كلها.. بس قوليلهم إن البيت هيفضل باسمكم، وأنا كل فترة هاجي أطمن عليكي وعلى دراستك.”

مريم ضحكت وسط دموعها وفرحت من قلبها.

ومن اليوم ده، أنا مقدرتش أرجع أعيش معاهم ولا أقول لأبويا وأمي “يا بابا ويا ماما” بنفس المشاعر القديمة، لأن الشرخ كان كبير.. بس على الأقل، مريم بقت بتجيلي القاهرة، ونور بقت قريبة من أختها.

أنا قفلت كتاب الماضي البائس، وفتحت صفحة جديدة مفيهاش غير النجاح، ونور، وأمل جديد.. وعرفت إن أعظم انتقام في الدنيا مش إنك تأذي اللي أذاك، الأعظم إنك تنجح لحد ما يحتاجوا لك.. وتكون أنتي الأنضف والأرحم.

**ثمن العار**

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *