أكياس الزبا,,,لة وعربية الترحيلات حكايات شروق خالد

كنت واقفة مذهولة وبصدمة ببص للست شنط زبالة سودا كبار ومنفوخين على آخرهم، محطوطين في نص صالة شقتنا اللى بتلمع. دي كانت خلاصة حياتي كلها، معبيها في أكياس زبالة وكأني كركوبة، والراجل اللي كنت بقول عليه جوزي عمل كده بالظبط في ليلة عيد جوازنا الخامس.

شريف كان قاعد على الكنبة الجلد الفخمة، حاطط رجل على رجل بكل برستيج، وبيشرب كاس ملوكي. رمى رزمة ورق قانوني تقيلة على الترابيزة الإزاز، ورزعتهم عملت صوت عالي ودرامي.

قالها بكل برود وكأنه بيطرد عامل نظافة من شركته: “دي وراق الطلاق.. هتطلعي من الشقة دي بنفس الهدوم اللي دخلتي بيها الجوازة دي.. واللي هي بحسبة بسيطة كده، متساويش مليم”.

قساوته دي كملت بصوت خطوات حافية وناعمة نازلة من على السلم الخشب. نزلت بنت صغنونة، زي القمر، ولابسة بكل بجاحة الروب الحرير الأبيض بتاعي.. الروب اللي كنت مفصلاه عمولة في رحلة برة مصر. حطت إيديها في إيد شريف، وبصتلي بابتسامة كلها شماتة وغل.

شريف ضحك بسخرية وقال: “دي نيرمين، محامية شركات.. وإحنا مع بعض بقالنا تمن شهور”. طلع تليفونه وفتح أبلكيشن البنك بتاع حسابنا المشترك، ورماه في وشي.. الرقم كان منور في الضلمة: 0.00 جنيه. “أنا سحبت كل القرشين اللي في الحسابات، وقفتلك كل الكروت. امضي على الورق ده، وخدي زبالتك واطلعي برة قبل نص الليل”.

وطيت عيني في الأرض، ومثلت دور الزوجة المكسورة والمتبهدلة بأعلى احترافية. شريف كان مصدق من قلبه إنه عمل فخ مالي عبقري لست غلبانة وعلى باب الله، وشغالة مجرد كاتبة بمرتب تعبان.

مكنش يعرف خالص إن مراته “اللي ملهاش لازمة” دي، واللي رماها في عز المطر والبرد، تبقى في الحقيقة مديرة سرية في قطاع مالي سيادي متخصص في قضايا الأموال العامة والكشف عن الثروات المهربة.

أول ما رجلي خطت برة باب العمارة، رميت وش السهوكة ده تماماً. طلعت من شنطتي المتبهدلة تليفون مشفر مخصص للشغل السري، وشاشة التليفون نورت على وشي وأنا ببتسم ابتسامة حد ناوي على شر. جه الوقت اللي هعلم فيه طليقي المستقبلي درس قاسي جداً في يعني إيه “تقسيم ممتلكات”.

صوت رمزي جالي من الخط المشفر، واضح وجاد: “مساء الخير يا فندم، حضرتك في مكان أمان؟”

رديت عليه وأنا سامعة صوت المطر المغرق الشارع: “أمان جداً يا رمزي.. عايزك تبدأ فوراً بروتوكول فحص مالي شامل من الدرجة الرابعة.. الهدف: شريف علام”.

 

حكايات شروق خالد

 

“تمام يا فندم، جاري التنفيذ فوراً،” رمزي رد والجدية باينة في نبرة صوته، وبدأت أسمع ورا الخط صوت تكتكة سريعة على كيبورد الكمبيوتر. “هنقلب الدفاتر من أول ما اتولد لحد دقيقة واحدة فاتت.”

قفلت الخط، وأنا باصة لشنط الزبالة اللي في إيدي. رميتهم على الرصيف في المطر؛ مفيش فيهم حاجة تسوى أصلاً، كل هدومي وحاجتي الغالية شريف كان فاكر إنه حابسني بيها، بس هو ميعرفش إن ثروتي الحقيقية في دماغي. أخدت تاكسي وطلعت على شقة قديمة تابعة للشغل، شقة ميعرفش عنها مخلوق.

تاني يوم الصبح، كنت قاعدة قدام شاشات المخابرات المالية. رمزي دخل عليا ومعاه فايل أزرق تقيل، وعلى وشه ابتسامة ذهول: “يا فندم، جوزك.. قصدي الأستاذ شريف، طلع مغرق نفسه لأخر سطر. مش بس محول فلوس حسابكم المشترك لحساب باسم نيرمين، ده كمان بيغسل أموال لشركات وهمية برة البلد، ومهرب قروض بمليارات باسم مصانع مش موجودة على أرض الواقع”.

سندت ضهري لورا وسندت دقني على إيدي: “ونيرمين؟”

رمزي ضحك: “نيرمين هي اللي مأمناله الليلة دي كلها بالثغرات القانونية. فاكرين إنهم أذكيا.”

قلتله وعيني بتلمع: “حلو قوي.. سيبهم يلعبوا شوية، وقدم طلب استدعاء للمحكمة لطلب النفقة والتمكين، وخلينا نروح بشخصيتي التانية.. الست الغلبانة اللي مش لاقية تاكل.”

بعد أسبوعين، كان ميعاد الجلسة في محكمة الأسرة.

دخلت قاعة المحكمة بعباية سودا بسيطة، وشكلي باهت وتعبان. شريف كان قاعد في الصف الأول، لابس بدلة تفصيل غالية جداً، وجنبه نيرمين لابسة طقم فورمال وبتبصلي بقرف وبتضحك من تحت لِتحت.

لما القاضي نده على القضية، وقفت قدام المنصة لوحدي. شريف ونيرمين قاموا ووقفوا بكل ثقة. نيرمين اتكلمت بصوت عالي وهي بتقدم ورق للمحكمة: “سيادة القاضي، موكلي شريف بيه علام، مديون وميعلمش بيه إلا ربنا، والست دي جاية تتبلى عليه وتطلب مبالغ خيالية، وهي أصلاً دخلت الجوازة دي بشنطة هدومها، ومعندهاش أي إثبات لأي حق، ولا حتى معاها تمن محامي يدافع عنها!”

شريف مال على نيرمين ووشوشها بصوت مسموع وهو بيضحك: “مش قادرة تدفع تمن محامي.. حاجة تكسف!”

القاضي، المستشار جلال، كان راجل وقور وشعره أبيض. بدأ يقلب في أوراق القضية، وفجأة عينه جت على اسمي بالكامل في البطاقة، وبعدين بص على وشي ورفع نضارته. ملامحه اتغيرت تماماً من البرود للذهول الشديد.

القاضي ساب القلم من إيده، وبص لشريف ونيرمين، وبعدين وجه نظره لنيرمين بالذات وسألها بنبرة صوت غريبة وهادية جداً: “أستاذة نيرمين.. أنتِ محامية شركات كبيرة ومشهورة.. هو أنتِ بجد مش عارفاها؟ مش واخدة بالك أنتِ واقفة قدام مين؟”

نيرمين حواجبها اترفت باستغراب وبصتلي من فوق لتحت بقلة قيمة: “عارفة مين يا سيادة القاضي؟ دي مجرد كاتبة وموظفة أطلعت برة بيتها لعدم الأهلية.”

القاضي ضحك ضحكة مكتومة، فيها كمية سخرية خلت ركب شريف تخبط في بعضها من غير ما يفهم ليه. المستشار جلال اتعدل في قعدته وبصلي بكل احترام وتقدير وقال: “أهلاً بسيادة الدكتورة.. نورتي المحكمة.”

في اللحظة دي، الباب الخشبي الكبير بتاع قاعة المحكمة اتفتح بقوة. دخل منه أربعة رجالة بلبس رسمي أسود وفاردين ضهرهم، وفي إيديهم شنط دبلوماسية تقيلة. وراهم ظهر رمزي، ومعاه قوة من مباحث الأموال العامة.

القاعة كلها سكتت. شريف ونيرمين لفوا وشهم بزهول وخوف بدأ يتسلل لقلوبهم. رمزي قرب من المنصة، أدى التحية العسكرية ليا الأول، وبعدين قدم للقاضي الفايل الأزرق الكبير.

رمزي قال بصوت جهوري هز القاعة: “سيادة المستشار، بناءً على التكليف الصادر من الدكتورة بصفتها رئيسة قطاع الفحص السيادي بالأموال العامة، بنقدم للمحكمة التقرير المالي الشامل رقم 4. التقرير بيثبت قيام المدعو شريف علام، بالاشتراك مع المحامية نيرمين عبد الحق، بتزوير مستندات، وتهريب أموال للدولة برة البلاد، واختلاس أموال الزوجة المشتركة وتحويلها لحسابات سرية.”

نيرمين الورق وقع من إيدها، ووشها بقى أبيض زي الأموات. شريف رجع خطوتين لورا وهو بيترعش، وبصلي وصوته مش طالع: “أنتِ.. أنتِ مين؟”

وقفت بكل ثقة وفردت ضهري، وابتسمت نفس الابتسامة اللي ابتسمتها في المطر: “أنا الزوجة “البائسة” اللي ملهاش لازمة يا شريف. أنا اللي كنت بتراجع وراك حساباتك وأنت مش داري. الفلوس اللي سحبتها من حسابنا؟ دي رجعت ومقيد عليها حظر تصرف. الشقة الفخمة والعربية؟ تم الحجز عليهم لصالح الدولة وذمة التحقيق. أما الروب الحرير اللي نيرمين كانت لابساه.. فتقدر تاخده معاها وهي رايحة الحجز، عشان الجو هناك بيبقى برد قوي بالليل.”

القاضي خبط بالشاكوش: “تأجيل الجلسة.. مع تحويل المتهمين شريف علام ونيرمين عبد الحق للنيابة العامة بتهمة غسيل الأموال والتزوير، والقبض عليهم من داخل قاعة المحكمة فوراً!”

الكلابشات اتفتحت واتقفلت في إيد شريف ونيرمين وهما بيصرخوا وبيترجوني، وأنا أخدت شنطتي بكل هدوء، وخرجت من القاعة وأنا سامعة صوت عياطهم بيملى المكان.. المرة دي، هما اللي خرجوا من حياتي، ومش في أكياس زبالة، في عربية الترحيلات.

 

أكياس الزبالة وعربية الترحيلات

 

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *