العوض الأخير حكايات شروق خالد
“نهى” كانت لسه بتضحك لما قولت لها ببرود: “أنا عارفة إنك في شرم الشيخ.”
المزيكا العالية اللي كانت شغالة وراها سكتت نص ثانية. بعدين ضحكت أكتر وبصوت أعلى، كأنني قفشتها وهي بتسرق حتة شيكولاتة، مش كأنها رامية بنتها اللي عندها أربع سنين في شقتي، ومن غير غيار واحد نظيف، ومعاها علبة عصير ملزقة، ومن غير حتى الكرسي بتاعها في العربية.
قالت لي بدلع: “اهدي بس يا أميرة.. أنا راجعة يوم الأحد.”
الأحد!
هي سابت لي “فريدة” يوم الخميس الصبح، وقالت لي إنها رايحة مشوار سريع للدكتور و”يمكن تعمل كام مصلحة كدة”. على الظهر، تليفونها بقى بيدي غير متاح. وعلى الساعة تلاتة العصر، فريدة كانت قاعدة بتلون على ترابيزة المطبخ، وقالت لي بمنتهى العفوية: “ماما ركبت طيارة الكبيرة.. وكانت لابسة المايوه اللي بيلمع.”
بطني سقعت وقلبي انقبض.
فتحت الأكونت الفيك اللي أنا عاملاه على إنستجرام للحالات الطارئة، لإن نهى دايماً بتعملي بلوك لما بتختفي. ولقيتها فعلاً.. معمول لها تيج في قرية سياحية في شرم الشيخ، ماسكة كاس في إيدها، وبتضحك من قلبها جنب راجل أنا عمري ما شوفت وشه قبل كده.
اتصلت بيها وقولت لها: “إنتي سافرتي برا القاهرة وسيبتي البلد من غير ما تقولي لأي حد بنتك فين ومع مين؟”
اتنهدت بزهق كأنني بنكد عليها الفسحة بتاعتها وقالت: “جرى إيه يا أميرة! خليكي خالة حنينة بقى.”
في اللحظة دي، فيه حاجة جوايا انقطعت تماماً.
بقالي سنين بداري عليها وبشيل شيلتها. أروح آخد البنت من الحضانات، وألحق مواعيد دكاترة السنان اللي بتنساها، وليالي طويلة فريدة تروح فيها في النوم على كنبتي وهي مستنية أمها اللي عمرها ما بتيجي في ميعادها. كنت دايماً بكدب على نفسي وأقول نهى مضغوطة وتعبانة، مش قاسية ومستهترة.
بس المرة دي الموضوع كان زيادة أوي.
أخدت سكرين شوت لكل حاجة. مكان القرية، صورتها بالمايوه، والرسائل اللي طنشت ترد عليها. وبعدين كلمت خط نجدة الطفل والشؤون الاجتماعية، وفريدة كانت نايمة على رجلي، وإيدها الصغير متبتة في هدومي.
بعد يومين، نهى رجعت.. لونها برونزي من الشمس، ومصدعة من السهر، وعصبية آخر حاجة.
كانت فاكرة إنها جاية تاخد بنتها وتمشي عادي.
بس تفاجأت بورقة برتقاني فاقع من الشؤون الاجتماعية ملزوقة على باب شقتها، ولما كلمتني وهي بتصرخ وتصوّت في التليفون، كنت أنا واقفة جنب موظفة الشؤون، وهم بيسألوني سؤال واحد قلب التربيزة كلها.
كنت فاكرة إن أسوأ حاجة هي إنني فضحت سفرية نهى، بس الموظفة لمحت حاجة في الشقة خلت وشها يتخشب تماماً. وبعدين سألت عن أبو فريدة، وهنا كانت اللحظة اللي كل حكايات نهى وكدبها انهاروا فيها.
إحنا كنا واقفين في صالة شقة نهى المبهدلة. كنت واخدة الموظفة، مدام ميرفت، عشان نلم شوية من هدوم فريدة ودبدوبها المفضّل. وأنا بحط الهدوم في الشنطة، مدام ميرفت كانت بتفتش وتعاير الشقة بعينيها.
وقفت جنب درج مكتب موارب. جوة الدرج، وتحت علب نظارات شمس براندات ومجلات قديمة، كان فيه رزمة تقيلة من ظروف راجعة وإعلانات قضائية.
مدام ميرفت سحبت ظرف تقيل، وحواجبها اتقفلت وقالت بصوت واطي ومخيف: “أميرة.. إنتي قولتي لي أبو فريدة فين بالظبط؟”
رديت عليها علطول: “توفى.. في حادثة عربية قبل ما فريدة تتولد. نهى ربّتها بطولها وعاشت عشانها، وده السبب اللي مخليني دايماً واقفة جنبها وبساعدها.”
مدام ميرفت لفت وبصت لي، وفي إيدها إعلان حضور جلسة محكمة تاريخه من تلات أسابيع بس.
قالت لي: “الراجل ده مماتش.. اسمه عمرو ممدوح، وبناءً على الورق ده، بقاله تلات سنين بيحارب في المحاكم بجميع الطرق عشان ياخد حق الرؤية والحضانة المشتركة، ونهى بتهرب من المحضرين.”
الدنيا بدأت تلف بيا. افتكرت كل المرات اللي نهى كانت بتقول فيها “أنا لازم أنقل من الشقة دي فجأة”. وافتكرت لما كانت بتزعق وتقولي “إياكي تنزلي صورة لفريدة على الفيس بوك عشان فيه ناس وحشة ومرضى برة”. هي مكنتش خايفة من ناس وحشة.. هي كانت بتخبي البنت من أبوها اللي كان هيتموت ويشوفها.
وقبل ما أستوعب الصدمة والكدبة اللي عشت فيها أربع سنين، باب الشقة اتحدف واتفتح بعنف.
نهى دخلت زي الإعصار، ولونها البرونزي باين مع فستانها الأبيض.
صرخت فيا وهي بتهجم عليا: “إنتي اتجننتي يا أميرة؟! تبلغي عني الشؤون الاجتماعية؟ بتبلغي عن أختك؟ فين بنتي يا أميرة؟”
مكنتش واخدة بالها من مدام ميرفت اللي واقفة في الركن، لحد ما الموظفة تنحنحت بصوت عالي.
مدام ميرفت طلعت كارنيه الوزارة وقالت بحسم: “مدام نهى.. بنتك دلوقتي في دار رعاية استضافة طارئة لحد ما التحقيقات تخلص. وبناءً على الورق اللي في إيدي ده، أنا هكلم الأستاذ عمرو ممدوح حالا.”
الدم هرب من وش نهى وبقت بيضا زي الحيطة. بوقها اتفتح بس الصريخ وقف تماماً.
همست وهي بتبص حواليها زي القطة المحبوسة: “لا.. مش هينفع. هو.. هو مش عايزها أصلاً.”
قربت منها وقولت لها والورق في إيدي، وجسمي كله بيرتعش بس مش من الخوف، من الغضب: “الورق ده بيقول عكس كدة خالص يا نهى! إنتي قولي لي إنه مات! خلتيني أحزن وأعيط على راجل عايش، بس عشان تستغليني كدادة ببلاش لفريدة وإنتي بتسهري وتصيفي وتهربي من القانون!”
عيطت وحاولت تمسك دراعي وهي بتقول: “إنتي مش فاهمة! لو أخد الحضانة، هيوقف مصاريف العلاج والنفقة الكبيرة اللي باخدها منه بحجة إن البنت تعبانة! مش هعرف أعيش بنفس المستوى يا أميرة!”
هنا ظهرت الحقيقة المقرفة كاملة. الموضوع مكنش حب ولا حماية.. الموضوع كان سبوبة وفلوس عشان تصرف على لبسها وسهرها.
بصيت لها وقولت بصوت ناشف وزي الموت: “إنتي سيبتي بنتك اللي عندها أربع سنين من غير غيار عشان تشربي وتتبسطي في شرم الشيخ.. إنتي ماتستاهليش تكوني أم.”
الشرطة جت بعد عشر دقائق، لإن مدام ميرفت بلغت عن وجود قضايا تهرب وتنفيذ أحكام حضانة كانت نهى متبلغة بيها وبتتـهرب منها بقالها شهور. منظر أختي وهي بتتكلبش بهدوم المصيف الغالية كان يوجع القلب، بس أنا مدمعتش ولا دمعة واحدة عليها.
بعد يومين، كنت قاعدة في صالة انتظار محكمة الأسرة. الباب اتفتح، ودخل راجل طويل وعينيه تعبانة بس مليانة طيبة. كان شبه فريدة بالملي.
عمرو جه جري أول ما كلموه. ولما الموظفة جابت فريدة، البنت كانت مستغربة ومخضوضة ثانية واحدة، بس عمرو نزل على ركبه والدموع مغرقة وشه، وطلع من جيبه صورة قديمة أوي لفريدة وهي لسه مولودة.. الصورة الوحيدة اللي عرف يوصل لها.
قال لها بصوت مخنوق من العياط: “أهلاً يا فريدتي.. يا قلب بابا.”
فريدة مَيلت راسها وبصت لي.. أنا هزيت راسي وابتسمت والدموع في عيني.
الموضوع أخد تلات شهور في المحاكم. نهى خسرت الحضانة تماماً، والمحكمة ألزمتها ترد كل الفلوس والنفقات اللي أخدتها بالكدب والتزوير، ودلوقتي بتتحاكم بتهمة إهمال طفل وتعطيل أحكام القضاء.
أما فريدة، فـ هي عايشة مع عمرو دلوقتي في شقة واسعة ليها جنينة، ومعاها أب مبيفوتش ميعاد دكتور واحد ليها. وكل يوم أحد، بروح أتغدى معاهم، وعمرو بيحترمني جداً، وبقيت أخيراً الحاجة الوحيدة اللي كان نفسي أكونها طول عمري: مجرد خالة حنينة بجد.
حكايات شروق خالد
مرت الأيام والشهور، وبقيت أشوف فريدة وهي بتكبر قدام عيني في ظروف تانية خالص غير أيام زمان. عمرو طلع راجل محترم وبجد كان محروم من بنته؛ اشترى لها كل اللعب اللي كان نفسه يجيبها لها، ودخلها مدرسة لغات كويسة، وبقى ينسق معايا في كل خطوة تخص البنت كأني شريكته في تربيتها.
أما نهى، فالحكم صدر ضدها بالسجن ست شهور مع الشغل بسبب إهمال طفل وتعطيل تنفيذ أحكام القضاء وتزوير أوراق رسمية عشان تاخد نفقات مش من حقها. لما روحت زرتها مرة واحدة في السجن بطلب من أمي عشان نطمن عليها، كانت قاعدة لابسة اللبس الأبيض ووشها دبلان ومنطفئ، مفيش أي أثر للست الشيك اللي كانت بتسهر في شرم الشيخ.
بصت لي من ورا السلك وبكت: “انتي دمرتي لي حياتي يا أميرة.. أختي هي اللي تسلمني للشرطة وتضيع مني بنتي؟”
بصيت لها بهدوء وقولت لها: “أنا منقذتش غير البنت يا نهى. انتي اللي دمرتي نفسك بكدبك وجشعك.. عمرو كان هيموت على بنته وانتي كنتي واخداها رهينة وس*لاح عشان تلمي فلوس. ربنا يسامحك.” وقومت ومشيت ومستنيتش أسمع باقي كلامها.
## العوض الكبير
في يوم من أيام الأحد، كنت رايحة اتغدى مع عمرو وفريدة كالعادة. أول ما فتحت الباب، فريدة جرت عليا وحضنتني وهي بتضحك: “خالتو أميرة! شوفي رسمت إيه في المدرسة النهاردة!”
أخدت منها الكشكول ولقيتها رسماني أنا وهي وعمرو وماسكين إيد بعض، وكاتبة تحتها “عيلتي الجديدة”. عمرو قرب مننا وهو مبتسم، وعينيه كان فيها نظرة تانية خالص المرة دي.. نظرة امتنان وحاجة تانية مكنتش عارفاها.
قال لي وهو بيقدّم لي كاس عصير: “أميرة.. أنا عمري ما هنسى إنك الست الوحيدة اللي وقفت مع الحق ضد أختها عشان تحمي بنتي. انتي اللي حافظتي على فريدة السنين دي كلها.. وأنا يشرفني.. لو تقبلي.. إننا نكمل الحكاية دي سوا، وتكوني أم لفريدة بجد ومش مجرد خالتها.”
قلبي دق بسرعة والدموع نزلت من عيني.. مكنتش مصدقة إن ربنا شايل لي العوض ده كله بعد كل الشقا اللي شفته مع استهتار أختي. بصيت لفريدة لقتها بتهز راسها وفرحانة، وبصيت لعمرو وقولت له: “أنا يشرفني يا عمرو.”
## الأمان الحقيقي
بعد سنة، وفي يوم فرحي أنا وعمرو، فريدة كانت هي العروسة الصغيرة اللي شيلالي ديل الفستان. الفرح مكنش فيه زفة صاخبة ولا مظاهر كدابة، كان فيه ناس بتحبنا بجد وفرحانة بلم شمل العيلة دي.
وأنا واقفة في بيتنا الجديد بالليل، ودخلت أوضة فريدة عشان أغطيها، لقيتها نايمة في سريرها ومتبتة في الدبدوب القديم بتاعه زمان.. بس وشها كان هادي ومطمن، ومفيش أي علامات قلق. بستها من راسها وكنت لسه هقفل الباب، لقيتها فتحت عينها نص فتحة وقالت بصوت كله نوم: “تصبحوا على خير يا بابا.. تصبحي على خير يا ماما أميرة.”
قفلت الباب ورايا بهدوء، وأنا حاسة إن لمبة الصالة المنورة دي مبقتش منورة عشان حد خايف، دي منورة عشان تطرد أي ضلمة قديمة.. ولإن في الآخر، ربنا مبيضيعش حق حد، والأمان الحقيقي بيجي لما النوايا تكون صافية.
حكايات شروق خالد
عمرو كان واقف مستنيني برة الأوضة، لابس جلابيته البيضا المريحة، وفي إيده كبايتين شاي كشري بنعناع. بصلّي وابتسم الابتسامة الهادية اللي بتنسيني الدنيا باللي فيها، ومدلي الكباية: “نامت؟”
أخدت منه الكباية وقولتله وأنا بتنهد براحة: “نامت زي الملاك.. وقالت لي يا ماما يا عمرو، الكلمة طلعت منها زي الشهد.”
عمرو عينيه لمعت بالدموع، وحط إيده على كتفي وطبطب عليا: “إنتي أمها الحقيقية يا أميرة.. البطن مبتجيبش حنية، وإنتي اللي صونتي اللحم ده لما أمه رمتها.”
قعدنا في البلكونة، والهوا بتاع نص الليل كان يرد الروح. بصيت لشوارع القاهرة الهادية من فوق، وافتكرت نهى.. الحبس بتاعها قرب يخلص، وعرفت من المحامي إنها بتحاول من جوة السجن ترفع قضايا جديدة عشان تبوظ حياتنا، بس المحامي طمنّا وقال إن ورقها كله مكشوف ومستندات الإهمال القديمة والتزوير قفلت لها أي سكة للرجوع. مكنتش حاسة بـ غل ناحيتها، كنت حاسة بالشفقة على ست عميت الفلوس والمنظرة عينيها لحد ما خسرت أختها، وبنتها، وحريتها.
## حكاية جديدة بتـتـكتب
بعد كام شهر، كانت فريدة بتـقفل سنتها الأولى في مدرستها الجديدة، وجابت المركز الأول في مسابقة الرسم على مستوى الإدارة التعليمية. يوم الحفلة، كنت واقفة أنا وعمرو في الصالة الكبيرة بالمدرسة، بنصقف لها وبنـصوّرها والمكيرفون بينطق اسمها: “المركز الأول.. الطالبة فريدة عمرو ممدوح”.
فريدة طلعت على المسرح، وبدل ما تبص للمدير اللي بيديها الشهادة، لفت بعينيها في الصالة لحد ما لقطتني. رفعت الشهادة لفوق وزعقت بـأعلى صوتها وسط أولياء الأمور: “شوفي يا ماما! كسبت عشانك!”
الستات اللي كانوا قاعدين جنبي بقوا يبصوا لي ويبتسـموا ويقولوا لي: “مبروك يا مدام.. بنتك شبهك أوي ربنا يبارك لك فيها.”
كنت ببتسم وبقول: “الله يبارك فيكم”، ومحبـتش أصلح لهم وأقول إنها بنت أختي.. لإنها في اللحظة دي، وبكل المشاعر اللي في الدنيا، كانت بنتي أنا.. حتة من قلبي اللي اتـخلق لها أمان وعوض.
## النهاية.. العوض لما بيكمل
واحنا راجعين في العربية، فريدة كانت قاعدة ورا ومتبتة في الميدالية الـدهب والشهادة، وعمرو سايق ومشغل أغنية هادية في الراديو. التفتّ ليها وقولت لها: “عايزة تاكلي إيه النهاردة يا دكتورة فريدة بمناسبة النجاح ده؟”
قالت لي وهي بتضحك: “عايزة مكرونة بشاميل من إيدك يا ماما.. وأقعد ألف معاكي ورق العنب.”
عمرو ضحك وبص لي بطرف عينه وقال: “وأبو فريدة ملوش نفس يدوق من الإيدين الكريمة دي؟”
رديت عليه وأنا ماسكة إيده: “البيت كله صاحب مكان يا بو فريدة.. وكل اللي تشتهوه هيتعمل.”
لما وصلنا البيت، وقفت ثانية قبل ما أدخل، وبصيت على اسم عمرو واسمي المكتوبين على باب الشقة الجديدة. افتكرت يوم ما نهى سابت البنت وراحت شرم الشيخ، وإزاي مكالمة واحدة تفتكر إنها بتـخرب بيت، تطلع هي السـبب في إن ربنا يجمع القلوب الصح مع بعضها، ويـنقذ طفلة غلبانة من حياة كلها كدب.
الدنيا دي ساعات بتلف بيك لفة صعبة وتوريك الوجع، بس في الآخر، يمهل ولا يهمل.. وبيحط كل واحد في المكان اللي يستاهله. نهى حصدت نتيجة جشعها، وعمرو وفريدة وأنا رسينا في بر الأمان.. بر العيلة الحقيقية اللي متبنية على الصدق والحب الحقيقي.
حكايات شروق خالد
بعد سنتين من اليوم ده، حياتنا بقت هادية ومستقرة تماماً، وبقت المكرونة البشاميل ولف ورق العنب طقس من طقوس يوم الأحد اللي مستحيل نتنازل عنه. فريدة كبرت وبقت في أولى إعدادي، طولت وبقت مالينا البيت بضحكتها وحكاياتها عن صحابها في المدرسة، ومبقتش تخبي عني أي سر.. الصغيرة قبل الكبيرة تيجي تحكيها لـ “ماما أميرة”.
وفي يوم، رن تليفوني برقم غريب.. لما رديت، طلع محامي نهى.
قالي إنها خرجت من السجن من فترة، وحالها اتبهدل، والفلوس اللي كانت معاها خلصت على المصاريف والقضايا، ودلوقتي قاعدة في شقة إيجار قانون جديد على قدها، وبتطلب إنها تشوف فريدة ولو ساعة واحدة في الأسبوع من غير قضايا ومحاكم.
ساعتها قلبي وجعني.. مش عليها، لكن على شكل الدنيا لما بتدور.
دخلت المكتب لعمرو وحكيت له، بصلّي بهدوء وقالي: “القرار قرارك إنتي يا أميرة.. فريدة دلوقتي بقت واعية، وإنتي الست اللي ربت وصانت، وشايف إننا لازم نسأل البنت نفسها.”
قعدت مع فريدة في أوضتها، وأخدتها في حضني وقولت لها بالراحة: “فريدة يا حبيبتي.. مامتك نهى اتصلت، وعايزة تشوفك.. إنتي رأيك إيه؟”
فريدة سكتت شوية، وبصت للدبدوب القديم اللي لسه شايلاه على مكتبها، وبعدين بصت في عيني وقالت لي بمنتهى النضج: “أنا مش زعلانة منها يا ماما.. بس أنا معنديش غير أم واحدة هي إنتي، وأب واحد هو بابا عمرو. لو هي عايزة تشوفني، أنا ممكن أشوفها في النادي، بس بشرط.. تكوني قاعدة معايا وماسكة إيدي.”
## المواجهة الأخيرة
وفعلاً، رتبنا المقابلة في النادي.
نهى كانت قاعدة مستنيانا على تربيزة في الركن. أول ما شوفتها مكنتش مصدقة.. الست اللي كانت مبتنزلش من بيتها غير بالبراندات والشياكة، كانت قاعدة لابة عباية عادية، ووشها عليه علامات الزمن والكسرة.
أول ما شافتنا، وقفت ودموعها نزلت، وجريت على فريدة عشان تحضنها. فريدة سلمت عليها بحب واحترام، بس مكنش فيه الشغف القديم.. كانت بتتعامل بأدب مع ست غريبة عنها. نهى بصت لي وعينها مليانة كسوف وقالت بصوت واطي: “سامحيني يا أميرة.. أنا خسرت كل حاجة عشان كنت طماعة وعايزة المظاهر.. انتي صونتي بنتي وأنا ضيعتها.”
قولت لها وهزيت راسي: “مسامحاكي يا نهى.. وفريدة دايماً هتطمن عليكي، بس خلاص.. كل واحد اختار طريقه.”
المقابلة مأخدتش ساعة، وفريدة كانت كل شوية تبص لي وتمسك في إيدي كأنها بتستمد مني الأمان. ولما قمنا عشان نمشي، نهى فضلت باصة لينا وإحنا ماشيين.. أنا وعمرو وفريدة في النص ماسكة إيدينا إحنا الاتنين.
## نهاية الحكاية
وإحنا راجعين في العربية بالليل، شوارع القاهرة كانت منورة، وفريدة حاطة سماعات في ودنها وبتسمع أغنية وبتبص من الشباك ومبتسمة. عمرو مسك إيدي وقال لي بصوت دافي: “ربنا يخليكي لينا يا أميرة.. إنتي كنتي الهدية اللي ربنا بعتهالي أنا وفريدة في وقت كنا ضايعين فيه.”
رديت عليه وأنا ببص لفريدة في المراية: “وإنتوا كنتوا العوض اللي عشت عمري كله مستنياه من ربنا.”
لما وصلنا البيت، فريدة سبقتنا وفتحت الباب المصفح الجديد، ودخلت وهي بتزعق بفرحة: “أنا جعانة يا ماما! يلا ناكل!”
دخلت وراها وأنا ببتسم وبحمد ربنا من كل قلبي.. لإن في الآخر، البيوت مابتتبنيش بالحيطان ولا بالفلوس والمظاهر الكدابة.. البيوت بتبني بالصدق، وبالأمان، وبالأب والأم اللي بيقفلوا بابهم بالليل وهم مطمنين إن ولادهم في حضنهم، ومفيش أي ضلمة تقدر تقرب منهم. ودي كانت نهاية حكايتي.. حكاية الخالة اللي بقت أم، والراجل اللي لقى حقه، والطفلة اللي ربنا كتب لها تعيش في النور.
العوض الأخير
حكايات شروق خالد