ليله العيد حكايات صافي هاني الجزء الثاني

السكينة لمعت في إيد أمي “نادية” تحت نور المطبخ، والهدوء اللي ساد المكان كان مخيف، كأن الزمن وقف. أخويا “باسم” رجع لورا خطوة، ووشه بقى شاحب، وهالة صرخت صرخة مكتومة وهي بتستخبى ورا ضهري.
​نادية مكنتش بتهدد، كانت عينها بتلمع بجنون غريب، نظرة واحدة كفيلة تخلي الواحد يدرك إنها فقدت أي تواصل مع الواقع.
​”أنا قرفت من التمثيل!” زعقت نادية وهي بتشاور بالسكينة في الهوا، “سنين بكلمكم بذوق وبحاول ألم اللمة دي، وفي الآخر الكل بيحاول يهمشني.. وخصوصاً أنتي يا هالة!”
​كنت بحاول أهدي أعصابي، قلبي بيدق كأنه طبلة، وبحاول أفكر في أي طريقة أسيطر عليها قبل ما تأذي حد. قلت لها بصوت هادي ومحسوب:
“ماما، نزلي السكينة دي.. إحنا ممكن نتكلم، مفيش حاجة تستاهل إننا ندمر حياتنا بالشكل ده.”
​نادية ضحكت ضحكة هستيرية، وقالت: “كلام؟ إنت لسه فاكر إن الكلام ينفع؟ يا ابني إنت مكنتش شايف إيه اللي بيحصل في البيت ده من وراك!”
​في اللحظة دي، وبحركة خاطفة، نادية اتجهت ناحية هالة بدل ما تيجي ناحيتي. هالة اتجمدت من الرعب، وأنا رميت نفسي بينها وبين أمي، حسيت بنصل السكينة بيجرح دراعي وأنا بحاول أمسك إيد أمي بكل قوتي.
​صوت “باسم” طلع وهو بيحاول يتدخل: “ماما! سيبيه! إنتي بتعملي إيه؟”
​نادية كانت بتقاوم بجنون وقوة غير متوقعة، وكانت بتصرخ: “هي اللي أخدته مني! هي السبب!”
​ووسط العراك ده، ياسين ابني الصغير دخل المطبخ وهو بيعيط، ولما شاف المنظر صرخ صرخة قطعت قلبي: “بابا! سيب تيتا!”
​صوت صرخة ابني خلى نادية تتلفت للحظة، وفي اللحظة دي قدرت أسيطر على إيدها وأوقع السكينة، بس الموقف اتطور لما نادية وقعت على الأرض وبدأت تضحك وتعيط في نفس الوقت بطريقة تخلي أي حد يشك في قواها العقلية.
​فجأة، نادية وقفت كلامها تماماً، وبصت ناحية الباب الخارجي.. سمعنا صوت فرامل عربية بره، وبعدها صوت خبط عنيف على باب الشقة..
​بصيت لباسم، وبصيت لهالة اللي كانت بتترعش، وكلنا اتسمرنا في مكاننا لما سمعنا صوت حد بيزعق بره: “شرطة! افتحوا الباب!”
​بصيت لأمي، لقيت الابتسامة رجعت تترسم على وشها، بس المرة دي كانت ابتسامة نصر.. وهي بتقول بصوت واطي ومسموع لينا كلنا:
“أنا كنت عارفة إن الموضوع هيخلص كدة.. بس مش أنا اللي هخرج من البيت ده في كلبشات.”
​قامت نادية ووقفت، ومسحت دموعها ببرود، وبصت ناحية المطبخ وقالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقنا:
“أنا بلغت عنكم.. قلتلهم إن في تجارة مواد مخدرة في بيتي، وإن ابني ومراته بيحاولوا يسمموني!”صوت الخبط على الباب زاد لدرجة إن خشب الباب كان هيتكسر، وصوت العساكر في الممر بقى مسموع بوضوح: “افتحوا، شرطة!”
​باسم، أخويا، كان واقف زي التمثال، عينه مش قادرة تستوعب اللي أمه عملته. أما نادية، فكانت واقفة بمنتهى الثبات، بتعدل هدومها وتظبط شعرها كأنها في حفلة، مش في نص كارثة هي اللي خططت لها.
​بصيت لهالة اللي كانت بتبص لي برعب، ولقيت في عينيها سؤال: “هنعمل إيه؟”.
​جريت بسرعة ناحية المطبخ، شلت كيس اللحمة اللي هالة كانت مخبياه، وحطيته في جيبي، وبعدين بصيت لباسم: “باسم، لازم نفتح الباب، لو اتأخرنا أكتر من كدة هيقتحموه وهيزيدوا في ظنهم”.
​نادية بصت لي وقالت بتحدي: “افتح، خليك شجاع يا مراد. قولهم الحقيقة.. قولهم إنكم كنتم عايزين تتخلصوا مني عشان البيت، وإن دي اللحمة اللي كنتوا مسممينها عشان أكلها!”.
​صوت هالة طلع مكسور: “يا طنط، حرام عليكي، إنتي ليه بتعملي فينا كدة؟ ده إحنا ولادك!”.
​نادية ضحكت ضحكة باردة: “ولادي؟ أنتوا بقيتوا أعدائي”.
​مشيت ناحية الباب، وقلبي بيدق في راسي كأنه طبلة، فتحت الباب وأنا رافع إيدي لفوق عشان أبين حسن نيتي. لقيت قدامي ظابط ومعاه عساكر، وجوه الصالة كان فيه جيران واقفين بيتفرجوا بصدمة.
​الظابط بص لي بحدة وقال: “مين اللي هنا؟ جالي بلاغ بوجود مواد ممنوعة ومحاولة ق*تل”.
​نادية جريت ناحية الظابط بتمثيلية متقنة، بدأت تصرخ وتعيط: “الحقني يا بيه! ابني ومراته عايزين يخلصوا مني عشان يورثوا البيت! حطوا سم في الأكل، ابني الصغير ياسين كان هياكل ومات من الخوف!”.
​الظابط بص لي بنظرة كلها شك، وقال للعساكر: “فتشوا المكان”.
​في اللحظة دي، مراتي هالة طلعت من المطبخ وهي ماسكة طبق اللحمة اللي كان باقي فيه حتت تانية، وقالت بصوت قوي وواثق، رغم إنه كان بيترعش: “يا فندم، إحنا محتاجين تحللوا الأكل ده في المعمل الجنائي فوراً. مش بس كدة، فيه مطحنة أقراص موجودة في المطبخ، وبصمات حماتي عليها لسه موجودة، ده غير الشريط الفاضي اللي رمته على الأرض!”.
​نادية اتجمدت، وبصت للظابط اللي أمر العساكر فوراً بتأمين المطبخ. الظابط بص لنادية وقال: “يا حاجة، الأكل ده لو فيه أي مواد سامة، هتكون دليل ضدك، مش ضد ابنك”.
​نادية ملامحها اتغيرت، وبدأت تحاول تنسحب لورا، بس في اللحظة دي، باسم أخويا، اللي كان صامت طول الوقت، طلع من المطبخ وهو ماسك تليفونه، وقال بصوت عالي: “أنا صورتها! صورتها وهي بتحط الأقراص في اللحمة، وصورتها وهي بتعترف إنها كانت عايزة تسمم هالة!”.
​نادية بصت لباسم بصدمة، كأنها بتشوفه لأول مرة، وقالت بذهول: “باسم؟ إنت بتصورني يا ابني؟”.
​باسم بص لأمه بدموع وقال: “أنا آسف يا أمي، بس أنا مكنتش هسمح لك تدمريهم، وأنا كنت ممكن أكون مكانهم!”.
​الظابط أشار للعساكر: “خدوا الحاجة دي، وتحفظوا على المطحنة والشريط والأكل كأحراز”.
​نادية بدأت تصرخ وتتخبط في العساكر، وبصت لي نظرة أخيرة خلت جسمي يرتعش.. نظرة كلها كره مش ممكن أنساه.
​خدوها، والبيت بقى ساكت سكون الموت. الظابط قبل ما يخرج، بص لي وقالي: “تقرير المعمل الجنائي هو اللي هيحسم القض*ية دي، بس الواضح إن فيه لعبة تانية خالص.. استنونا”.
​بعد ما خرجوا، قعدت على الكنبة وأنا حاسس إن عمري كبر عشرين سنة في ساعة واحدة. بصيت لهالة، وبعدين لياسين اللي كان بيعيط في حضنها.. وفجأة، موبايلي رن.
​كان رقم غريب. رديت، ولقيت صوت راجل غريب بيقول لي: “مراد؟ ابعد عن الق*ضية دي فوراً.. أمك مكانتش بتشتغل لوحدها، والمطحنة دي مكنتش أول حاجة تستخدمها.. أنت وأهل بيتك في خطر أكبر مما تتخيل”.
​الخط قطع، ووقعت السماعة من إيدي، وبصيت لهالة بصدمة.. القصة لسه بتبدأ.البيت غرق في صمت مريب، وصوت الرنة اللي لسه بتتردد في ودني خلت شعري يقف. هالة كانت بتبص لي بخوف، سألتني بصوت هامس: “مين ده يا مراد؟ ومين اللي بيكلمك في وقت زي ده؟”
​بصيت لها، مكنتش عارف أرد بإيه. هل أمي كانت مجرد أداة؟ مين الناس اللي ممكن تكون متعاونة معاها؟ التليفون رن تاني، نفس الرقم. المرة دي فتحت “اسبيكر” عشان هالة وباسم يسمعوا.
​صوت الراجل المرة دي كان أجش وأهدى بكتير: “مش قلتلك ابعد؟ عموماً.. بما إنك فضولي، روح دور في الخزنة القديمة اللي في بيت العيلة في البلد. هناك هتلاقي السجلات اللي أمك كانت خايفة حد يوصلها.. وهتعرف ليه هي كانت عايزة تخلص من مراتك تحديداً.”
​الخط قطع تاني. باسم، اللي كان لسه مصدوم من اللي عمله في أمه، مسح وشه بإيديه وقال: “خزنة إيه؟ أنا عمري ما سمعت عن خزنة في بيت جدي!”
​بصيت له وبدأت أربط الخيوط ببعض. بيت العيلة اللي ورثناه عن جدي، واللي أمي كانت دايماً بتمنعنا نقرب منه أو نفتش في الدواليب القديمة اللي فيه.
​”لازم نروح دلوقت يا باسم،” قلتها وأنا بقوم بجدية، “لو الكلام ده صح، يبقى فيه حاجة أكبر من مجرد كره أمي لهالة.”
​وصلنا بيت البلد بعد ساعتين من السواقة بسرعة جنونية. البيت كان ضلمة وموحش، ريحة التراب والذكريات كانت مالية المكان. دخلنا أوضة جدي، وبدأنا ندور في كل حتة. وبعد مجهود، باسم اكتشف مكان سري ورا لوحة قديمة على الحيطة.. خزنة حديدية صغيرة.
​الخزنة كانت مقفولة، جربت أرقام كتير، لحد ما جربت تاريخ ميلادي.. فتحت!
​جوه الخزنة مكنش فيه دهب ولا فلوس، كان فيه مجموعة أوراق، ودفتر مذكرات قديم، وصور لأشخاص عمري ما شفتهم، وكان فيه “شريط أدوية” تاني، بنفس نوع الأقراص اللي كانت في مطحنة نادية.
​فتحت الدفتر، وأول صفحة وقعت عيني عليها خلت قلبي يقع في رجلي. كان خط أمي، بس مش التاريخ بتاع النهاردة، ده تاريخ من عشرين سنة.. ومكتوب فيه: “اليوم تخلصت من الشخص اللي كان بيبتزني.. وهالة هي التهديد الجاي، لازم أراقبها قبل ما تكتشف اللي عملته.”
​باسم قرأ الجملة وشه اتخطف: “مراد.. أمك كانت بتعمل كدة من سنين؟ هي مين الضحية اللي قبل هالة؟”
​في اللحظة دي، سمعنا صوت تكتكة خفيفة على باب البيت اللي قفلناه ورانا. حد كان بيحاول يفتح الباب من بره بالمفتاح!
​باسم بص لي وقال بصوت واطي: “محدش معاه مفتاح البيت ده غيري وغيرك.. وماما في الحجز!”
​بصيت للباب والقلب بيدق بعنف، وفجأة، النور بتاع البيت كله اتقطع، وسمعنا صوت حد بيتمشى في الطرقة بره الأوضة، حد تقيل وواثق في خطواته.
​باسم مسك فازة قديمة عشان يدافع عن نفسه، وأنا مسكت السكينة اللي كنت شايلها في جيبي من البيت، ووقفنا ورا الباب. الباب اتفتح ببطء شديد، وظهر خيال راجل طويل لابس بالطو أسود ومغطي وشه، وفي إيده حاجة بتلمع.. كان مسدس كاتم للصوت!
​الراجل دخل الأوضة، وبدأ يدور بنظره، وعينه جت على الخزنة المفتوحة.. اتكلم بصوت بارد وهو بيوجه المسدس ناحية الدولاب اللي مستخبيين وراه:
“أنا عارف إنكم هنا.. والأسئلة اللي سألتوها النهاردة هي اللي هتحفر قبركم.”
​كتمت نفسي، وبصيت لباسم، وإشارة مني بدأت الخطة.. باسم رمى الفازة في ركن تاني من الأوضة، والراجل التفت بسرعة ناحية الصوت، وفي اللحظة دي خرجت من ورا الدولاب وهجمت عليه بكل قوتي..
​بس الراجل كان سريع، وبحركة واحدة وقعني على الأرض، ولما لفيت وشي عشان أضربه، الصدمة كانت أقوى من أي حاجة شفتها.. الراجل شال القناع، وظهر وش شخص كنت فاكره ميت من سنين طويلة.. شخص كان سبب في تدمير عيلة كاملة!
​بص لي بابتسامة مرعبة وقال: “أهلاً يا مراد.. أخيراً هنتقابل وجهاً لوجه.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *