أتوبيس التخرج والملايين المستخبية** حكايات شروق خالد
يوم الصبح بتاع تخرجها من الجامعة، چوردان كيسي جالها تليفون من أمها لخص طفولتها وحياتها كلها في جملة واحدة:
“اركبي الأتوبيس يا حبيبتي.. أنا وبابا مشغولين وبنستلم عربية تسلا جديدة لكايلي”.
بس كدة.
لا قالوا مبروك، ولا فرحوا بيها، ولا حتى قالوا إحنا فخورين بيكي. مجرد أوامر وبس.
واللي يوجع أكتر؟ إن أهلها مكانوش مزنوقين ماديًا، ومكنش فيه أي ظرف طارئ معطلهم. الموضوع ببساطة إنهم فضّلوا يروحوا يستلموا عربية تسلا موديل 3 بيضا وزيرو لأختها الصغيرة كايلي، على إنهم يوصلوا في ميعاد تخرج بنتهم الكبيرة.
چوردان كان عندها اتنين وعشرين سنة، وبتتخرج بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى بعد سنين من الكفاح والمرمطة بين منح دراسية، وليالي من غير نوم، وشغل ليل مع نهار في مكتبة الجامعة. وفي نفس الوقت، أختها كايلي اللي عندها تسعتاشر سنة، يدوب كانت مخلصة سنة أولى جامعة، ومع ذلك كانت هي النجمة والكل في الكل في العيلة.
وقفت چوردان تحت مطر سياتل الخفيف، والروب والقبوع بتوع التخرج بدأوا يتبلوا، وفهمت ساعتها إن العربية نفسها مش هي اللي وجعتها.. اللي وجعها بجد إن يوم تخرجها اللي تعبت فيه سنين بقى حاجة ثانوية وجنب الحيط عشان خاطر لقطة كايلي الكبيرة.
أبوها قالها بوضوح إنهم محتاجين العربية التسلا قبل إجازة آخر الأسبوع عشان كايلي تروح بيها الحفلة و”تتباهى بيها قدام الناس كلها”.
دي كانت أولوياتهم.
وبعدها أمها استخدمت طريقتها المعتادة في اللعب بالمشاعر، النوع اللي بيبقى مستخبي في شكل حنية وطبطبة:
“الأتوبيس أحسن وأسهل يا حبيبتي.. الباقي كلهم هيركبوا مع كايلي في التسلا، ولو تيتة جت معانا مش هيبقى فيه مكان في العربية. وبعدين إنتِ طول عمرك جدعة وبتعتمدي على نفسك”.
بتعتمدي على نفسك.
الكلمة دي فضلت ملاحقة چوردان طول عمرها. كانت الحجة السهلة اللي بيقولوها كل ما يدوا كايلي اهتمام أكتر، وفلوس أكتر، ومدح أكتر، وفرص أكتر.
عيد ميلاد كايلي الستاشر كان في قاعة متأجرة، ودي چيه، ومعازيم بالهبل، وعربية هوندا سيفيك زيرو ملفوفة بشريط ستان كبير.
أما عيد ميلاد چوردان الستاشر؟ عشا هادي في البيت، ولاب توب “عشان المذاكرة”، ووعود عايمة بإنهم ممكن يساعدوها تشتري عربية مستعملة في يوم من الأيام.
وفي الآخر اشتروا لها فعلاً عربية.
عربية تويوتا متبهدلة بقالها عشر سنين ماشية، الباب اللي جنب السواق مبيفتحش، وموتورها بيطلع في الروح وصوته يوجع القلب.
أبوها يومها خبط على كبوت العربية بفخر وقالها: “دي عربية ليها شخصية.. وبتعلم المسؤولية”.
لأ، مكنتش بتعلم المسؤولية.
ده كان تمييز وظلم صريح مستخبي تحت غطا التربية.
العيلة مكنش ناقصها فلوس، بالعكس، فلوسهم كانت كتير. أبوها كان مهندس برمجيات كبير، وأمها كانت شغالة في العقارات الفاخرة، وكانوا عايشين مرتاحين جدًا في بيت واسع وكبير في ميريلاند.
الأزمة عمرها ما كانت في الماديات.
الأزمة إن چوردان عمرها ما اتعاملت على إنها الطفلة اللي تستاهل تتقدر أو يتفرح بيها.
الموضوع ده كان شغال بقاله سنين.
لما چوردان كسبت المركز الأول في معرض العلوم، أهلها مروحوش عشان كايلي كان عندها دور برد خفيف.
ولما ألقت خطبة الوداع في تخرجها من الثانوي، برضه مروحوش عشان كايلي كان عندها تمرين كورة طايرة.
ولما جالها قبول في جامعة بنسلفانيا بمنحة كاملة، أمها يدوب بصت على جواب القبول بطرف عينها، وقبل ما تبارك لها سألت كايلي: “أنهي فستان سواريه شكله أحلى عليكي عشان الحفلة؟”.
ده كان مكان چوردان ودورها في العيلة…
حكايات شروق خالد
ركبت چوردان الأتوبيس ورأسها ساندة على الشباك، والدموع محبوسة في عينيها وهي شايفة صور كايلي بتنزل على جروب العيلة وهي بتتصور جنب التسلا الجديدة والشرائط الحمراء مغطياها. لما وصلت قاعة التخرج، كانت القاعة زحمة جدًا، ووسط آلاف الوشوش، ملمحتش أبوها وأمها وأختها غير قبل الحفلة بدقايق. وصلوا متأخرين، وكانوا مستعجلين وعينيهم في تليفوناتهم بيتابعوا الكومنتات على صور العربية، ولا كأن بنتها الكبيرة واقفة بروب التخرج المستعمل اللي مأجراه.
أموها طبعت بوسة باردة على خدها وقالت: “معلش يا چوردان، المرور كان واقف، والتسلا الجديدة دي سحبها سريع ومكنّاش متعودين عليها.. المهم، إحنا حاجزين في مطعم غالي بالليل عشان نحتفل بعربية كايلي، فخلينا نخلص بسرعة”.
أبوها هز رأسه وقال: “يلا يا بنتي أدخلي مكانك عشان نلحق نتصور كلمتين ونمشي”.
دخلت چوردان ووقفت وسط زمايلها، قلبها كان واجعها بس ملامحها كانت هادية ومرفوعة الرأس. بدأت الحفلة، وجاءت اللحظة المنتظرة. العميد وقف ورا المايك، وبدل ما يبدأ يقرأ الأسامي كالعادة، سكت وبص للجمهور بابتسامة كلها فخر وإعجاب وقال:
“سيداتي وسادتي، قبل ما نبدأ تسليم الشهادات، فيه تقليد سنوي بنعمله تكريمًا للطالب الأول على الدفعة، لكن السنة دي التكريم مختلف.. الطالبة دي مش بس طلعت الأولى بامتياز مع مرتبة الشرف، دي كمان فازت بجائزة الجامعة للابتكار العلمي، وقدمت مشروع برمجيات اشترته شركة تكنولوجية عالمية الأسبوع اللي فات بمبلغ ضخم، والجامعة بتعلن النهاردة عن تسمية المعمل الجديد باسمها.. رحبوا معايا بالطالبة النابغة: چوردان كيسي!”
القاعة كلها اتهزت من التصقيف والصريخ، والكل وقف على رجليه يحييها. في اللحظة دي، أبوها كان ماسك كتيب الحفلة بيقلب فيه، أول ما سمع الاسم، إيده اترعشت والكتيب وقع منه على الأرض. بص لأمها وهو مش مصدق، وأمها حطت إيدها على بقها ووشها اتقلب ألوان. كايلي تليفونها سكت في إيدها وبقت تبص لأختها بذهول وصدمة.
العميد كمل في المايك: “چوردان مكنتش مجرد طالبة متفوقة، دي كانت بتشتغل في مكتبة الجامعة عشان تصرف على أبحاثها، وبجهدها الفردي ومن غير دعم من أي حد، بقت فخر للجامعة وفخر لبلدنا كلها.. اتفضلي يا چوردان استلمي شهادتك وشيك الجائزة الأولى بقيمة مائة ألف دولار!”
چوردان مشيت بخطوات ثابتة وواثقة، استلمت الشهادة وشافت من بعيد عيلتها وهم بيحاولوا يقفوا وسط الناس ويشاوروا لها بابتسامات منافقة وندم مالي عينيهم. أبوها بدأ يدمع، وأمها كانت هتموت وتطلع تتصور معاها عشان تتباهى بيها قدام صحابها، وكايلي حست لأول مرة إنها صغيرة جدًا والعربية التسلا بقت ملهاش أي قيمة جنب اللي چوردان عملته.
بعد ما الحفلة خلصت، چوردان خرجت برا القاعة، وأهلها جروا عليها بلهفة وعياط. أمها قربت تفتح إيديها عشان تحضنها وهي بتقول: “يا حبيبتي يا چوردان! رفعتِ رأسنا! أنا كنت عارفة إنك هتبقي حاجة كبيرة! لية ممقلتلناش على المفاجأة دي؟”
أبوها قال بصوت مخنوق من الكسوف: “أنا فخور بيكي يا بنتي.. قوليلي، الشيك ده هتعملي بيه إيه؟ والشركة اللي اشترت مشروعك دفعت كام؟ إحنا لازم نعملك حفلة كبيرة تليق بيكي!”
چوردان رجعت خطوة لورا، وبصت في عينيهم بمنتهى البرود والهدوء اللي في الدنيا، وقالتلهم: “مفيش داعي للحفلة يا بابا.. ومفيش داعي للتمثيل ده كله. المفاجأة دي أنا تعبت فيها سنين لوحدي، في الوقت اللي كنتم مشغولين فيه بتمارين كايلي وعياد ميلاد كايلي وعربية كايلي. أنتو مكنش عندكم وقت تسمعوني أصلاً”.
أمها بدأت تبرر: “يا بنتي إحنا كنا بنعلمك تعتمدي على نفسك..”
قاطعتها چوردان وهي بتركب تاكسي طلبته ومجهزا حاجتها: “أنا فعلاً اتعلمت أعتمد على نفسي، وعشان كدة أنا أمّنت مستقبلي والشركة عينتني مديرة فرعهم الجديد في نيويورك وهنقل هناك من بكرة.. الشيك والملايين اللي هتدخل من المشروع دي بتاعتي لوحدي، زي ما تعبي كان لوحدي.. اتفضلوا اركبوا التسلا مع كايلي وروحوا احتفلوا بيها، أنا تخرجي خلاص خلص، ومكاني مابقاش معاكم”.
قفت باب التاكسي وسابتهم واقفين في المطر، وشهم في الأرض من كتر الخزي والندم، بعد ما عرفوا إن البنت اللي كانوا بيستخسروا يوصلوها بالباقي، بقت هي الشخص الوحيد اللي كان ممكن يغير حياتهم كلها.
**أتوبيس التخرج والملايين المستخبية**
حكايات شروق خالد