الكلبشات في إيد أمي والسر في الجراج** حكايات شروق خالد

لما مراتي سارة ماتت، دنيتي كلها اتهدت فوق دماغي.

اليوم ده بدأ عادي جدًا زي أي يوم، أمي كانت قاعدة عندنا والكل كان بيستعد عشان نعمل حفلة شوي في الجنينة، وفجأة سارة تعبت جامد وشها اتقلب. الإسعاف جت نقلتها المستشفى، وبعدها بشوية خرج الدكتور من الأوضة وقالنا إن سارة البقاء لله فيها وماتت.

كل حاجة حصلت بعد كدة كانت زي الحلم المشوش، أمي هي اللي تولت كل ترتيبات العزا والدفن.

أنا كنت عاجز تمامًا، الحزن كان هيدفنني ومكنتش قادر آكل ولا أنام.. حتى في العزا مكنتش قادر أصلب طولي وأقف على رجلي.

بين يوم وليلة، لقيت نفسي أب أرمل ومسؤول عن خمس عيال. حاولت أتماسك وأكمل عشان خاطرهم.

اتعلمت إزاي أضفر شعر بناتي، وإزاي أطبخ لقمة نضيفة، وإزاي أهز سرير ابني الصغير بالليل لما يقعد يعيط وينادي على أمه.

الموضوع كان لسه صعب وتقيل عليا، وعشان كدة في إجازة آخر الأسبوع اللي فات ده، طلبت من أمي تأخد العيال عندها كام يوم. كنت ناوي أستغل الوقت ده عشان أنزل أشتري طلبات البيت، وأطبخ، وأنظف، وأرتب دنيتي شوية.

طلبت من بنتي لوسي تساعدني وتلم هدومها وهدوم إخواتها عشان يروحوا يقضوا الإجازة عند ستهم.

أول ما قلتلها كدة، لوسي اتسمرت في مكانها ونزلت رأسها الأرض. سألتها بالراحة لو فيه حاجة مضايقاها.

همست بصوت واطي وهي بتترعش:

“بابا.. أنا مش عايزة أروح عند تيتا…”

اتفاجئت وقلتلها:

“يا حبيبتي لية؟”

الدموع بدأت تنزل على وشها وقالت:

“الليلة اللي قبل ما ماما تموت، قالتلي إنك لازم متثقش في تيتا أبدًا.. وقالتلي إنها مخبية شنطة سفر زرقا في الجراج…”

دمي اتجمد في عروقي.

لوسي قالتلي إنها كانت خايفة تتكلم طول الفترة اللي فاتت لإنها افتكرت إني مش هصدقها.

الكلام نزل عليا زي الصاعقة، بس رجلي خدتني وطلعت على الجراج جري.

الجراج كان مكركب وكل حاجة فوق بعضها، مكنش عندي طاقة ولا حيل أنظفه من يوم ما سارة ماتت. بدأت أدور وأقلب في الحاجة، ولمحت شنطة سفر زرقا صغيرة مغطياها التراب وخيوط العنكبوت، كانت مستخبية ورا دولاب قديم.

شديتها برا، نفضت التراب من عليها، وبإيد بترتعش بالعافية عرفت أفتح القفل بتاعها.

وقعت على أرض الجراج وركبي مش شايلاني أول ما شفت سارة كانت مخبية إيه جوا الشنطة دي.

مسكت تليفوني وأنا غرقان في صدمتي، اتصلت بأمي وزعقت بأعلى صوت عندي:

“أنتِ هببتي إيه؟! عملتي إيه في مراتي يا أمي؟!”

 

حكايات شروق خالد

 

صوت أمي في التليفون اتهز، وحاولت تتكلم بثقة مزيفة وقالت: “في إيه يا ابني؟ جرى لك إيه بتزعق كدة لية؟ وعملت إيه في مين؟”

زعقت فيها والدموع مغرقة عيني: “الشنطة الزرقا يا أمي! الشنطة اللي سارة خبتها في الجراج قبل ما تموت بيوم واحد! أنا فتحتها وشفت كل حاجة!”

الخط قطع فجأة.. أمي قفلت السكة في وشي.

جوا الشنطة الزرقا مكنش فيه فلوس ولا دهب، كان فيه أوراق تحاليل طبية، وتقارير مأخوذة من مستشفى تانية خالص غير اللي سارة ماتت فيها، ومعاهم جهاز تسجيل صغير. لما شغلت التسجيل، سمعت صوت سارة وهي تعبانة وبتعيط وبتقول: “يا أحمد، لو أنت بتسمع ده، يبقى أنا ميتة.. أمك بتديني دواء غلط بقالها شهور، وبتقنعني إنه فيتامينات عشان الحمل والتعب.. أنا بدأت أشك لما لقيت علب الدواء الحقيقية مستخبية في أوضتها، ولما واجهتها هددتني إنها هتاخد العيال مني وتطلعني مجنونة.. أنا خايفة يا أحمد، أمك بتسممني عشان تخلص مني وتجوزك بنت أختها اللي كان نفسها تجوزهالك من الأول.. الأوراق والتحاليل دي بتثبت إن نسب السموم في دمي عالية بسبب الدواء.. أنقذ عيالنا منها يا أحمد”.

التقرير الطبي اللي مع التسجيل كان بيأكد إن سارة راحت لوحدها عملت تحاليل سموم قبل وفاتها بـ 48 ساعة، والنتيجة كانت كارثة. أمي استغلت تعب سارة المفاجئ يوم الشوي، ولما راحت معاها المستشفى، الله أعلم عملت إيه عشان تموت بسرعة ومن غير ما حد يشك.

مكنتش قادر أتنفس، الدينا لفت بيا.. أمي.. الست اللي شالتني وربتني، هي اللي قت*لت أم عيالي ودمرت بيتي!

وفجأة، لقيت باب البيت بيتحرز.. أمي كانت جاية ومعاها نسخة من المفتاح، وشها كان أصفر ومخطوف، وأول ما شافتني ماسك الورق والتسجيل في إيدي، عرفت إن اللعبة انتهت.

قربت مني وهي بتبكي دموع تماسيح وقالت: “أحمد يا حبيبتي، سارة كانت مجنونة وتعبانة نفسياً، هي اللي تبّلت عليا وعايزة تبوظ علاقتي بيك حتى وهي ميتة! تصدق الغريبة وتكذب أمك؟”

بصيت لها بقرف وكسرة نفس وعمري ما تخيلت إني هبص لأمي كدة، وقلت لها بصوت مخنوق: “التحاليل دي من معمل رسمي ومختومة، وصوت سارة وهي بتموت مش كدب.. أنتِ قت*لتِ سارة! قت/لتِ البنت اللي ملهاش ذنب عشان أنانيتك!”

طلعت تليفوني وضغطت على زرار الاتصال بالشرطة.. أمي لما شافتني بطلب النجدة، اتهبلت وبدأت تصوت وتشد التليفون من إيدي وتقول: “هتسجن أمك عشان حتة عيلة؟ أنا عملت كل ده عشانك وعشان عيالك! البنت دي مكنتش بتسمع الكلام ومكنتش عاجباني!”

ده كان الاعتراف الأخير والواضح اللي سجلته مكالمة الطوارئ اللي كانت فتحت خلاص.

خلال عشر دقائق، كانت عربيات البوليس محاوطة البيت.. لوسي والعيال كانوا مستخبيين في الأوضة فوق وهم بيعيطوا، وأنا واقف برة في الجنينة وبشوف أمي والكلبشات في إيديها والعساكر بيجروها على عربية الترحيلات وهي بتصرخ وتدعي عليا.

الشرطة فتحت التحقيق من جديد، وتم استخراج جثة سارة وإعادة تشريحها، وحكم المحكمة جه عادل واقتص لروح سارة البريئة، وأمي لبست حبل المشنقة بعد ما كل الأدلة والشهود أثبتوا جريمتها البشعة.

رجعت البيت، دخلت الجراج وأخدت الشنطة الزرقا وحضنتها وأنا بعيط وبقول: “حقك رجع يا سارة.. نامي وارتاحي.. عيالك في رقبتي وهعيش عمري كله أحميهم، ومش هسمح لأي حد في الدنيا يمسهم بسوء”.

 

 

حكايات شروق خالد

 

عدت الأيام، وبدأت الجراح تِلم واحدة واحدة بالصبر والدعاء. القضية أخدت وقتها في المحاكم، وكل جلسة كانت بتكشف تفاصيل تِشيب، من أول إزاي أمي كانت بتشتري المواد دي من ورا السوبر ماركت، لحد تزويرها لبعض الروشتات. بس العدالة مابتنامش، والحكم صدر بالقصاص العادل اللي يبرد نار قلب سارة في تربتها.

أنا قفلت البيت القديم ده خالص، مكنتش قادر أعيش في حتة كل ركن فيها بيفكرني بالغدر والخيانة. أخدت الخمس عيال ونقلنا شقة جديدة في مكان هادي، بعيد عن كلام الناس ونظرات الشفقة.

لوسي، بنتي الكبيرة، حست إن جبل انزاح من فوق صدرها. في يوم كنا قاعدين بنتعشى، بصتلي وقالت: “بابا.. أنا أسفة إني سكت طول الفتره دي، بس كنت خايفة تيتا تعمل فينا زي ما عملت في ماما”.

خدتها في حضني ودموعي نزلت: “سامحيني يا بنتي إن مكنتش شايف، بس من النهاردة مفيش خوف.. أنا سندكم وأمانكم في الدنيا”.

اتعلمت أكون الأب والأم في نفس الوقت. بقيت أصحى الفجر عشان ألحق أعمل السندوتشات، وأكوي اللبس، وأسرح للبنات، وأوديهم المدارس قبل ما أطلع على شغلي. الشغل بقى يمثل لي وسيلة عشان أأمن لقمة عيشهم ومستقبلهم، مش أكتر.

وفي ليلة، وأنا داخل أوضة العيال بالليل عشان أغطيهم، لمحت لوسي حاطة صورة لأمها سارة جنب سريرها، وجنبها وردة دبلانة. وقفت وبصيت للصورة وقلت في سري: “حقك رجع يا سارة، وعيالك أهم كبروا وبقوا زي الفل.. نامي وارتاحي يا حبيبتي، الأمانة في حِفظ الله ثم في حِفظي، وعمري ما هقصر معاهم لحد ما أقابلك”.

قفلت النور براحة، وخرجت للصالة، وأنا حاسس لأول مرة من شهور إن البيت فيه دفا حقيقي.. دفا ملوش علاقة بمكان أو حيطان، دفا نابع من إننا مع بعض، وإن ربنا نجانا من الغدر وجمعنا على الحق.

 

**الكلبشات في إيد أمي والسر في الجراج**

 

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *