خيانة في غرفة العمليات: حكايات شروق خالد
كانت رضا عندها 65 سنة وملهاش غير ابن واحد بس اسمه هيثم. كبرته وعلمته من شقاها في عجن وبيع العيش الفينو والمخبوزات في حي السيدة زينب العريق، كانت بتصحى كل يوم الساعة 3 الفجر. إيديها دايماً كان ريحتها فانيليا وقرفة وخميرة طازة. جوزها سابها وهيثم لسه عيل عنده 4 سنين، ومن ساعتها رضا بقت هي الأم والأب والممرضة والسند الوحيد للبيت. عشان خاطر هيثم، رهنت مكنة الخياطة بتاعتها وكمان ميدالية دهب كانت الحيلة اللي حيلتها. وعشان خاطره، قعدت 5 سنين كاملة من غير ما تشتري لنفسها جزمة جديدة. رضا استحملت التعب والهدد اللي بتهد الحيل، وكانت دايماً بتخبيه ورا ضحكة صافية، لأن كان عندها إيمان مبيتهزش إن تضحية الأم هي أنقى صورة للحب.
بس هيثم حاله اتقلب تماماً لما اتعرف على ميرفت واتجوزها. دخلت البيت الغلبان وهي لابسة كعب عالي وماركة في إيديها، وبنظرة كلها تكبر كانت بتفصص الحيطان وتدور على أي عيب. ومن أول يوم، فرضت سيطرتها. في عصرونية يوم، وهي بترفض تشرب كوباية شاي كشري من إيد رضا، قالتلها: “يا حاجة رضا، أنتِ خلاص شقيتي وعملتِ اللي عليكِ وراحت عليكِ، دلوقتي بقى سيبيلنا المركب تسير ومتقفيش في طريقنا عشان أنا وهيثم نعيش العيشة اللي تليق بينا”. رضا افتكرت ميرفت مجرد واحدة مادية وبتحب المنظرة، بس مع الوقت اكتشفت إن قلبها مليان سم.
ولما كلى هيثم تعبت وفشلت، الدراما كبرت في يوم وليلة. بدل ما يروحوا مستشفيات حكومية، ميرفت نقلته فوراً لمستشفى استثماري غالي جداً في منطقة التجمع الخامس. ميرفت هي اللي بقت تمشي كل حاجة، وبنبرة قاسية قالت لرضا في طرقة المستشفى اللي كلها رخام: “مش وقت عياط ومسلسلات، أنتِ أمه، لو متبcustomعتيلوش بكليتك النهاردة ابنك هيموت والذنب هيبقى في رقبتك لوحدك”.
رضا كانت شايلة شنطة قماش بسيطة فيها جاكيت صوف، ومصحف صغير، وصورة قديمة لهيثم وهو عنده 7 سنين بيلعب كورة في الشارع. في أوضة 512، كان هيثم باين عليه التعب والهم، ومتوصل بأجهزة كتير. همس بصوت ضعيف جداً: “يا أمي.. سامحيني إني بطلب منك كده”. رضا باست إيده اللي كانت بترعش وقالتله: “أنا أفديك بعمري يا ضنايا، مblueprintقولش كده”. ميرفت برطمت ولفت وشها وقالت: “بلاش دموع بقى ومضي الورق، الدكتور مستني”. الجراح شرح لرضا إن العملية هتقعد 4 ساعات وفهمها المخاطر إن واحدة عندها 65 سنة تتبرع بكليتها، بس رضا مكنتش سامعة حاجة، كل اللي شايفاه هو ابنها اللي بيتوجع.مضت على الـ 3 ورقات وإيديها بترعش.
تاني يوم الصبح، وقبل ما يدخلوها أوضة العمليات على طول، دخل مازن حفيدها اللي عنده 8 سنين الأوضة وهو بيجرى، وكان شايل شنطة المدرسة وعينيه حمرا دم من كتر العياط. سألها وهو مرعوب: “تيتا، هما هيفتحوا بطنك؟” رضا ردت عليه: “حاجة بسيطة يا حبيب تيتا”. مازن حضنها بلهفة وخوف مش طبيعي وجسمه كله كان بيتنفض. ميرفت ظهرت عند الباب وهي متنرفزة، وشدت الولد من دراعه جامد وقالت: “مازن، بلاش تضييع وقت، أبوك حالته خطيرة”. وقبل ما تشده بره الأوضة، الولد همس لرضا بسرعة: “لو ماما سألتك، أنا معرفش حاجة”. رضا حست بوجع واقباض في قلبها.
بعد كام دقيقة، كانت رضا نايمة على سرير العمليات الحديد الساقع، واللمبة الكبيرة فوقيها زغللت عينيها. كانت سامعة صوت جهاز ضربات القلب وهو بيصفر. ومن ورا لوح الإزاز بتاع الأوضة، كانت ميرفت واقفة تتفرج ومعاها أبوها وأمها، الحاج فريد والحاجة بهيرة، اتنين من الأغنية والوجهاء اللي ملامحهم ناشفة وقاسية. دكتور التخدير جهز الحقنة وقالها: “عدي من 10 لـ 1 يا حاجة رضا”. بس قبل ما الدوا يمشي في عروقها، حصلت دربكة خضت الكل. باب الأوضة اتفتح خبط في الحيطة، ومازن أفلت من الأمن ودخل وهو بيصرخ ودموعه مغرقة وشه: “يا تيتا متخليهمش يعملولك العملية!”. ميرفت قعدت تخبط على الإزاز من بره زي المجنونة وهي بتزعق: “طلعوا الواد ده من جوه!”. مازن كلبش في ملاية السرير الخضرا بتاعة رضا، وطلع من جيبه موبايل أسود وقال: “بابا مش محتاج كلية يا تيتا!”. مكنش فيه أي حد متوقع ولا مصدق اللي هيحصل بعد ثواني…
حكايات شروق خالد
كل اللي في الأوضة وقفوا مذهولين، ودكتور التخدير شال إيده من على السرنجة وهو مش مستوعب. ميرفت بره كانت بتخبط على الإزاز بغل وعينيها طالع منها شرار وهي بتشاور للممرضين: “امسكوه! الولد ده اتجنن، طلعوه بره حالا!”.
بس مازن كان ماسك في الملاية بكل قوته، وبإيديه التانية اللي بترعش، داس على زرار التشغيل في الموبايل الأسود. الصوت طلع عالي وواضح في هدوء أوضة العمليات المرعب، وكان صوت ميرفت وهي بتتكلم براحتها وبضحكة كلها خبث:
> “بقولك إيه يا هيثم، كله تمام.. أمك خلاص دخلت عش الدبابير ومضت على ورق التبرع. الدكتور اللي متفقين معاه ومظبطينه بفلوسنا هيطلع كليتها، بس مش هتروح ليك يا حبيبي.. الكلية دي متباعة لراجل أعمال خليجي هيدفع فيها 3 مليون جنيه كاش! وأنت كليتك سليمة وزي الفل، والتمثيلية دي كلها عشان نخلص من فقرنا ونشتري الفيلا اللي في الكومباوند اللي حلمنا بيه، وأمك الكركوبة دي كده كده مش هتعيشلها كتير!”
>
الصوت سكت، بس الصدمة خلت الأوضة كلها كأن مفيش فيها نفس. رضا كانت نايمة على السرير، حاسة إن دمها اتجمد في عروقها. الكلمات نزلت على قلبها زي السكاكين. ابنها؟ ضناها؟ اللي شقيت عشانه وربته باللقمة الحلال، بيبيع كليتها عشان الفلوس؟ التمثيلية دي كلها كانت متخططة بينه وبين مراته؟
الدكتور الجراح وشه جاب ألوان، وبص لميرفت اللي ورا الإزاز واللي أول ما سمعت التسجيل، وشها اتقلب وفهمت إن اللعبة انتهت. حاولت تهرب وتجري في الطرقة، بس الأمن بتاع المستشفى، اللي كان سامع الصريخ، وقفها هي وأبوها وأمها.
رضا دموعها نزلت ساكتة على خدها، حست بكسرة قلب متتداواش. بصت لحفيدها مازن، الولد الصغير اللي أنقذ عمرها، وقالتله بصوت مخنوق: “أنت جبت الشريط ده منين يا حبيبي؟”. مازن وهو بيعيط قالها: “سمعتهم يا تيتا بالصدفة بالليل في الصالون وهم بيضحكوا، وماما كانت بتسجل لبابا عشان تأكدله الكلام، وأنا خدت تليفونها القديم من وراها لما نامت”.
الجراح زعق في الممرضين: “بلغوا الشرطة فوراً، دي ج*ريمة اتجار بالأعضاء وشروع في ق*تل!”.
رضا قامت من على السرير، قلعت لبس العمليات وهي حاسة إنها كبرت 100 سنة في دقيقة واحدة. خرجت للطرقة ولقت هيثم جاي بيجرى من أوضته، وشه أصفر زي الليمونة وأول ما شافها ركع تحت رجليها وهو بيعيط: “سامحيني يا أمي! ميرفت هي اللي لفت دماغي، الشيطان وزني!”.
رضا بصتله بنظرة كلها وجع وقرف، زقت إيده براحة وقالتله بنبرة ناشفة ومفيهاش أي عاطفة: “أنا معنديش ولاد.. ابني مات وهو عنده 4 سنين، واللي واقف قدامي ده معرفوش”.
الشرطة وصلت المستشفى وكلبشت هيثم وميرفت وأهلها بتهمة النصب والاتجار بالأعضاء البشرية. ورضا خدت في إيدها مازن، حفيدها البطل اللي صان دمها، ورجعت بيه على بيتها البسيط في السيدة زينب، وسابت ابنها للمحكمة وللأيام تخلصه ذنب الأم اللي باعت عمرها عشان يشتريه، وهو باعها بأرخص تمن.
حكايات شروق خالد
بعد ما الكلابشات اتقفلت في إيد هيثم وميرفت، المستشفى كله كان مقلوب. الدكاترة والممرضين واقفين يتفرجوا بذهول على الابن اللي باع أمه، وميرفت كانت بتصرخ وتلطم وتحدف التهم على جوزها وأهلها عشان تخلص نفسها، بس التسجيل كان حبل المشنقة اللي لف حوالين رقبتهم كلهم.
رضا مشيت في طرقة المستشفى وهي ساندة على كتف مازن الصغير، حاسة إن رجليها مش شايلاها، والشنطة القماش البسيطة في إيدها بقت أتقل من جبل. هيثم قعد يصرخ وراها ودموعه نازلة: “يا أمي عشان خاطر ربنا متسيبنيش! هتحبسي ابنك يا رضا؟”، بس هي مبلتفتش وراها ولا خطوة، وكأن الصوت جاي من عالم تاني ملوش علاقة بيها.
ركبت التاكسي ورجعت السيدة زينب. أول ما دخلت شقتها، ريحة الخبيز والماضي حاصرتها من كل حتة. بصت لصورته وهو صغير على الحيطة، نزلتها وبستها، وحطتها في درج المقفول.. كأنها بتدفن حتة من قلبها.
النيابة تولت التحقيق، والتسجيل اللي قدمه الدكتور الجراح للشرطة كان دليل قاطع. اتضح إن هيثم وميرفت كانوا مديونين لطوب الأرض بسبب منظرة ميرفت وعيشتها اللي فوق مستواهم، ولما اتزنقوا وجالهم السمسار بتاع راجل الأعمال، ميرفت هي اللي خططت وهيتم وافق وبصم على بيع أمه وهو بكامل قواه العقلية.
المحكمة حكمت على هيثم وميرفت بالسجن المشدد بتهمة الاتجار بالأعضاء البشرية والشروع في القت*ل والنصب، وأهل ميرفت خدوا أحكام بتهمة التستر والمشاركة.
أما رضا، فربنا عوض صبر وشقا سنين عمرها بحفيدها مازن. المحكمة حكمت بحضانة الولد لجدته بعد سجن أبوه وأمه. رضا رجعت تفتح دكانة المخبوزات الصغيرة بتاعتها، والمنطقة كلها لما عرفت باللي حصل، بقوا ييجوا يشتروا منها مخصوص عشان يدعموها، وبقت “الحاجة رضا” هي بركة الحتة كلها.
مازن كبر في حضنها، وكل يوم الصبح كان بيصحى على ريحة الفانيليا والقرفة اللي في إيدها، يبوس إيدها ويقولها: “صاحية بدري ليه يا تيتا؟ ارتاحي وأنا هروح الفرن أقف مكانه”.
رضا كانت بتبتسم ودموعها في عينيها، وتضم الولد لقلبها وتقول: “شقايا مراحش الأرض يا مازن.. ربنا خد مني ضنايا اللي من دمي، وبعتلي ابن قلبي اللي صان عمري”.
خيانة في غرفة العمليات:
حكايات شروق خالد