الملكة والوحش ج2 حكايات شروق خالد

مراد ساب إيدها بعد ما باسها، وبص للضيوف اللي واقفين مذهولين، وبابتسامة باردة ماليانة ثقة قال: “يا ريت تشرفونا على العشا، الحفلة لسه مخلصتش.”
الناس بدأت تتحرك وتتكلم تاني، والمزيكا الهادية رجعت تملى المكان، بس الكل كان بيبص لجريس بنظرة تانية خالص… نظرة احترام وخوف من مكانتها الجديدة.
جريس كانت واقفة، لسه قلبها بيدق بسرعة، بس مش من الخوف… من الصدمة. مراد الألفي، الراجل اللي مابيرحمش، وقف وحماها وقدام مين؟ قدام مجتمع القاهرة كله.
مراد مال عليها وهمس في ودنها: “اطلعي أوضتك ارتاحي… أنتِ عملتي اللي عليكِ وزيادة الليلة دي.”
جريس هزت رأسها وطلعت السلم وبمجرد ما دخلت أوضتها، قعدت على السرير ونفست نفس طويل كأنها كانت كاتماه بقالها سنين. الدموع اللي حبستها قدام أبوها نزلت، بس المرة دي كانت دموع راحة… دموع البنت اللي حست لأول مرة إن ليها ضهر.
بعد ساعتين، الحفلة خلصت والبيت هدي تماماً.
جريس كانت واقفة في البلكونة بتبص على الجنينة، ولابسة روب دافي فوق فستانها. سمعت خبط خفيف على الباب، ولما فتحت لقت مراد واقف، قالع الجاكيت والكرافتة، وفاتح أول زرارين من قميصه. شكل التعب كان باين عليه، بس عيونه الرمادي كانت رايقة.
“ممكن أدخل؟” سألها بصوت هادي.
“أكيد، اتفضل،” جريس وسعت له الخطوة.
دخل ووقف قبالها، وبص لها لثواني قبل ما يتكلم: “أنا آسف على اللي حصل تحت. مكنتش أحب إنك تتحطي في الموقف ده، ولا إن حد يتطاول عليكِ في بيتي.”
جريس ابتسمت ابتسامة خفيفة ومكسورة: “أنت مالكش ذنب يا مراد بيه. دول أهلي… وأنا طول عمري عارفة قرفهم. بس أنا اللي بشكرك… أنت رجعت لي كرامتي قدام الدنيا كلها.”
مراد قرب منها خطوة، ووشه القاسي لان شوية: “أولا.. مفيش بيه بيني وبينك. أنا جوزك. ثانياً.. أنا ما عملتش كده مجاملة. أنا قولت الحقيقة. أنتِ من يوم ما دخلتي البيت ده والعيال اتغيروا. يوسف اللي مكنش بيطيق حد، بقى ييجي يحكي لك. والصغيرين مبقوش يناموا غير في حضنك. أنتِ بقيتي الروح بتاعة البيت ده.”
سكت شوية وبص في عينيها مباشرة: “لما اشتريتك… كنت فاكر إني بشتري راحة بالي بفلوسي. بس الحقيقة، أنتِ اللي دبرتي بيتي وحميتي ولادي من غير ما تطلبي حاجة.”
جريس حست بنبضة غريبة في قلبها، وسألته بصوت واطي: “يعني مش ندمان؟”
مراد ابتسم لأول مرة، ابتسامة حقيقية ظهرت في عيونه قبل شفايفه، ومد إيده لمس خدها بالراحة: “أنا عمري ما كسبت صفقة في حياتي زي ما كسبتك يا جريس. أنتِ مش ناقصة… أنتِ كاملة في نظري ونظر ولادي.”
السنوات عدت، وبقت جريس وجيه هي “هانم عائلة الألفي” بجد. مكنتش مجرد ست بيت، دي بقت شريكته في كل حاجة، والوحيدة اللي تقدر تهديه وتخليه يبتسم لما الدنيا تضلم في وشه.
يوسف كبر ودخل الجامعة، وبقى بيعتبرها أمه وصاحبته ومستشاره الأول. والصغيرين كبروا على حسها وحنانها، وعمر ما حد في البيت ده حسسها لثانية واحدة إنها “مابتخلفش”، لأنها ببساطة… كانت أم لأربع عيال سابوا الدنيا كلها ومسكوا فيها.
أما وجيه وإلهام، فمراد نفذ وعده. اتمسحوا تماماً من حياتها، ومبقاش ليهم أي أثر، وعاشوا اللي باقي من عمرهم في فقر وخوف من مجرد ذكر اسم “الألفي”.
وفي يوم من الأيام، في حفلة تخرج يوسف من الجامعة، كان البيت كله ملموم وبيضحك. مراد كان واقف بعيد بيبص على جريس وهي حاضنة يوسف وبتعيط من الفرحة والعيال الباقيين محاوطينها.
مراد قرب منها من ورا، وحط إيده على كتفها وهمس لها: “مبروك يا أم يوسف.”
جريس لفت وبصت له، وعينيها بتلمع بالدموع، بس المرة دي كانت دموع فرحة حقيقية. مسكت إيده وقالت له: “الله يبارك فيك يا أبو الولاد.”
وفي اللحظة دي، جريس عرفت إن ربنا لما بياخد حاجة، بيعوض بأحسن منها بكتير… وأن “الكسرة” اللي أهلها أرادوا ليها تعيش فيها، كانت هي البداية لأجمل وأقوى قصة حب وحماية في حياتها.

حكايات شروق خالد

بعد مرور خمس سنين كمان، البيت اللي كان زمان بيملاه السكوت والخوف، بقى كله حركة وحياة. يوسف مسك أول خط عمل في شركات أبوه، والتوأم دخلوا ثانوي، والصغيرة “سارة” بقت في إعدادي، وكلهم طالعين بيحلفوا بحياة “ماما جريس”.
في ليلة من ليالي الصيف، مراد وجريس كانوا قاعدين في التراس الكبير بتاع الفيلا، بيشربوا شاي بعد ما العيال ناموا والبيت هدي. الدنيا كانت ضلمة، بس النور بتاع الجنينة كان عاكس على وشوشهم.
مراد كان سرحان وهو بيبص للنجم، وجريس لاحظت إنه هادي زيادة عن اللزوم. قربت منه وحطت إيدها على كتفه: “مالك يا مراد؟ بقالك كام يوم مش على بعضك، الشغل فيه حاجة تعباك؟”
مراد مسك إيدها، وبص لها بنظرة ماليانة حنية بس فيها حيرة: “الشغل تمام يا جريس.. أنا بس كنت بفكر فينا.. وبفكر في اللي فات.”
جريس ابتسمت: “واللي فات مزعلك في إيه؟ إحنا عدينا الصعب كله.”
مراد اتنهد وقام وقف، وسند على سور التراس: “عارفة.. زمان لما نزلت المزاد ده، كنت داخل وأنا كاره الصنف كله. كنت شايف إن كل الناس بتتباع وتتشري بالفلوس، وأبوكي وأمك أكدوا لي الفكرة دي لما وافقوا يرموكِ عشان قرشين. كنت فاكر إني باخد ‘حاجة’ هتريحني في البيت وخلاص.. مكنتش متخيل إن ‘الحاجة’ دي هي اللي هترجعني بني آدم تاني.”
جريس قربت منه ووقفت جنبه: “أنا عمري ما لمتك على الطريقة اللي جيت بيها هنا يا مراد. بالعكس، أنت نجيتني من قاع ضلم قوي مكنتش هطلع منه عايشة.”
مراد لف وشاف عينيها اللي لسه بتلمع بنفس البراءة بتاعة زمان: “أنا قصرت معاكي في حاجة يا جريس؟ حسيتي في يوم إنك ناقصة؟”
“عمري،” جريس ردت بسرعة ومن غير تفكير. “أنت وولادك اديتوني الاسم والضهر والعيلة اللي اتحرمت منها. أنا بقيت أم لأربعة من غير ما أتوجع وجع الولادة.. دي نعمة مش تقصير.”
مراد طلع من جيبه علبة قطيفة صغيرة لونها كحلي، وفتحها قدامها. كان فيها خاتم ألماظ حر، فخم جداً وبتصميم رقيق شبهها.
جريس بربشت بعينيها: “إيه ده؟ دي مش مناسبة لسه!”
مراد أخد الخاتم ومسك إيدها ولبسهولها بالراحة: “ده مش بمناسبة حاجة.. ده عشان أفكرك إنك هانم قلبي، مش بس هانم البيت. الخاتم اللي فات كان بتاع الجواز اللي على الورق والصفقة.. الخاتم ده بتاع جريس اللي بحبها.. وبتمنى تكمل عمرها معايا برضاها.”
جريس حست إن قلبها هيقف من الفرحة. الكلمة طلعت منه دافية وصادقة. بصت للخاتم وبصت له، ودموعها نزلت: “أنا مكملة معاك لآخر العمر يا مراد.. برضاي وبكل قلبي.”
الحياة كملت بيهم، والكل عرف إن “جريس الألفي” خط أحمر زيها زي ولاد مراد بالظبط. وجيه وإلهام اختفوا تماماً ومحدش سمع عنهم حاجة، كأن الأرض انشقت وبلعتهم جزاء للي عملوه في بنتهم.
وفي يوم عيلة الألفي كلها كانت متجمعة في الجنينة بمناسبة عيد ميلاد مراد. يوسف جايب خطيبته بيعرفها على العيلة، والولاد التانيين بيهزروا ويضحكوا بصوت عالي، وسارة الصغيرة بتجري ورا الكلب في الجنينة.
مراد كان واقف جنب جريس، باصص للمة دي كلها وهو حاطط دراعه حولين وسطها. مال عليها وهمس: “شايفة العزوة دي كلها؟ دي بتاعتك أنتِ.. أنتِ اللي عملتيها.”
جريس سندت رأسها على كتفه وبصت لضحك العيال: “دي عيلتنا إحنا الاتنين يا مراد.. ربنا مبيرجعش حد مكسور الخاطر أبدًا.”
وعرفوا هما الاتنين، إن المزاد اللي بدأ بأب بيبيع بنته بالرخيص.. انتهى بأعظم وأشرف حكاية حب، خلت البنت اللي قالوا عليها “مكسورة” تبقى هي السند والملكة لبيت “كبير القاهرة”.

الملكة والوحش ج2
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *