زوجي كان بيديني مرتب الشغالة كل أسبوع… وماكنش يعرف إن الشغالة هي أنا! حكايات شروق خالد

في الأول افتكرت إن أخيرًا ربنا حنّ عليا وهرتاح شوية. تخيلت نفسي قاعدة أشرب قهوتي براحة، أتفرج على مسلسل، وأحس إني ست بيت فعلًا بعد سنين من التعب. لكن أول ما فتحت الظرف، فهمت إن جوزي ماكنش بيحاول يساعدني… كان بيختبرني.

 

كل حاجة بدأت يوم الاتنين.

 

براء رجع من الشغل بوش متجهم، نفس النظرة اللي بيبقى عاملها لما يكون هيقول قرار غبي ومستني مني أصفقله.

 

قال وهو بيرمي مفاتيحه على الترابيزة: “بصي يا منى، أنا فكرت… البيت كبير وانتي بتتعبي أوي. لازم نجيب واحدة تساعد في التنضيف.”

 

كنت هطير من الفرحة. بعد سنين من المسح والغسيل وتنضيف الحمامات وترتيب الهدوم، ولسه كل يوم يسألني: “هو انتي عملتي إيه طول اليوم؟”

 

حسيت إن السما فتحتلي أخيرًا.

 

قلتله بابتسامة: “دي أحسن فكرة سمعتها منك.”

 

تاني يوم إداني ظرف.

 

قال: “ده مرتب الست اللي هتيجي كل أسبوع.”

 

فتحته… الفلوس ماكنتش كتير، بس كانت معقولة.

 

سألته: “طيب هي هتيجي إمتى؟”

 

ابتسم ابتسامة غريبة وقال: “ده يرجعلك… المهم البيت يفضل نضيف يلمع.”

 

مافهمتش قصده.

 

لحد يوم الجمعة.

 

كنت راجعة من السوبر ماركت، وأول ما قربت من الباب سمعته بيتكلم مع أمه في مكالمة فيديو.

 

كان بيقول وهو بيضحك: “أيوه يا ماما، اديتها فلوس الشغالة. خلينا نشوف بقى هتعرف قيمة تعب البيت ولا لأ.”

 

أمه ضحكت بسخرية: “دي عمرها ما عرفت تدبر حاجة. أكيد هتصرف الفلوس وبعدين تمثل إنها نضفت بنفسها.”

 

قلبي وجعني.

 

وبراء ضحك وقال: “ولو نضفت بنفسها يبقى أحسن… أوفر فلوس الشغالة.”

 

ساعتها فهمت.

 

ماكنتش مساعدة… كان فخ.

 

كان بيديني فلوس مقابل تعبي أنا، وبيستهزأ بيا كمان.

 

ليلتها ماقولتش كلمة.

 

الاثنين اللي بعده صحيت بدري، لمّيت شعري، لبست الجوانتي الأصفر، ونضفت البيت كأني بشتغل في قصر. دعكت الأرض، غسلت الشبابيك، عقمت الحمامات، وخليت المطبخ يبرق.

 

لما براء رجع وقف مبهور.

 

صفّر وقال: “واضح إن الست شاطرة.”

 

ابتسمت وقلت: “أوي.”

 

حط ظرف جديد على الترابيزة وقال: “اديهولها.”

 

أخدته وقلت: “من عيني.”

 

ومن يومها الموضوع بقى روتين.

 

كل أسبوع يديني فلوس الست اللي مش موجودة. وكل أسبوع أنا اللي أنضف البيت. وكل أسبوع أخبي الظرف زي ما هو في علبة تحت السرير.

 

بعد تلات شهور، كنت مجمعة مبلغ عمره ما يتخيل إني أعرف أوفره.

 

لكن في يوم، وأنا بمسح طرقة البيت، سمعت مكالمة تانية.

 

المرة دي ماكنتش مع أمه.

 

كان بيتكلم مع ست.

 

قال بصوت واطي: “ماتقلقيش… أول ما مراتي تمضي على ورق البيت، همشي معاكي.”

 

الإزازة وقعت من إيدي.

 

قربت بالراحة أسمع.

 

وساعتها سمعت الجملة اللي جمدت الدم في عروقي:

 

“وبعدين الهبلة ماتعرفش إن الشغالة شافت الورق كله أصلًا…”

 

حكايات شروق خالد

 

وقفت مكاني وقلبي بيدق بعنف.

 

مين “الشغالة” اللي شافت الورق؟

 

أنا الوحيدة اللي بتنضف البيت.

 

يعني هو فاكر إني غبية للدرجة دي؟ فاكر إني بشوف وبسمع ومابفهمش؟

 

رجعت ورا قبل ما يحس بيا، ومسكت الموبايل كأني كنت خارجة من الأوضة عادي.

 

بعد شوية خرج من الحمام وهو مبتسملي ابتسامة مستفزة.

 

قال: “مالك؟ شكلك تعبانة.”

 

بصيتله وأنا ثابتة: “شوية إرهاق بس.”

 

ولأول مرة من سنين… عرفت أمثل زيه.

 

الليلة دي، استنيته ينام.

 

وبراء كان من النوع اللي بيسيب كل حاجة قدامه. تليفونه، أوراقه، حتى اللاب بتاعه من غير باسورد أوقات.

 

فتحت درج مكتبه بهدوء.

 

ولقيت ملف أزرق.

 

نفس الملف اللي شفته من أسبوع وسألته عنه، فقال إنه “ورق تأمين”.

 

فتحته… وإيديا بدأت تترعش.

 

كان عقد تنازل.

 

البيت اللي أبويا ساعدنا نشتريه متسجل باسمه هو، لكنه محتاج توقيعي عشان يقدر يبيعه.

 

وفي آخر ورقة… نسخة من عقد شقة جديدة في الساحل.

 

باسم براء… وست اسمها نادين.

 

حسيت إن نفسي بيتقطع.

 

سنين عمري، تعبي، صبري، شقايا… كله كان بيتباع بالورق.

 

بس بدل ما أعيط، قفلت الملف ورجعته مكانه.

 

وقعدت أفكر.

 

لو هو فاكرني غبية… يبقى يخسر براحته.

 

تاني يوم الصبح، صحيت بدري جدًا.

 

لبست أحسن هدوم عندي، وروحت البنك.

 

فتحت حساب باسمي، وحطيت فيه كل الفلوس اللي كان بيدهالي “للشغالة”.

 

الموظف استغرب من المبلغ.

 

قال: “تحبي تعملي شهادة؟”

 

ابتسمت وقلت: “لا… لسه عندي خطط أهم.”

 

بعدها روحت لمحامي.

 

حكيتله كل حاجة.

 

وريتله صور العقود اللي صورتها بالموبايل بالليل.

 

الراجل سكت شوية، وبعدين قال: “جوزك ناوي يلبسك في تنازل قانوني كامل… بس واضح إنه نسي حاجة مهمة.”

 

سألته: “إيه هي؟”

 

ابتسم وقال: “إنك أذكى مما هو متخيل.”

 

عرفت منه إن براء كان مديون، وإن الشقة الجديدة متدفعلهاش غير مقدم بسيط، وإنه محتاج يبيع البيت بسرعة عشان يكمل باقي الأقساط ويهرب مع الست التانية.

 

يعني ببساطة…

 

أنا كنت المشروع اللي هيمول خيانته.

 

رجعت البيت يومها هادية جدًا.

 

وبراء كان قاعد يتغدى وهو بيقلب في موبايله.

 

قال من غير ما يبصلي: “بالمناسبة، هجيبلك الورق اللي قولتلك عليه قريب. مجرد إجراءات بسيطة.”

 

قلت وأنا بحطله الأكل: “أكيد يا حبيبي… اللي تشوفه.”

 

رفع عينه وبصلي باستغراب.

 

يمكن لأول مرة ماحسش إني منهارة أو شاكه.

 

الأسبوع اللي بعده، جاب الورق فعلًا.

 

وقعد جنبي على الكنبة بابتسامته الباردة.

 

قال: “دي شوية إجراءات عشان الضرايب والعقار والكلام الروتيني ده.”

 

مسكت القلم…

 

وبراء كان شبه فرحان زيادة عن اللزوم.

 

لكن قبل ما أمضي، قلت بهدوء: “صح… نسيت أقولك.”

 

قال: “إيه؟”

 

ابتسمت وأنا بطلع ظرف من شنطتي.

 

“الشغالة بعتالك حاجة.”

 

اتجمد.

 

فتح الظرف بسرعة.

 

وفي ثانية… وشه كله اتسحب.

 

جواه كان فيه نسخة من رسايله مع نادين. وصور العقود. وتقرير من المحامي. وورقة صغيرة مكتوب فيها:

 

“الشغالة عرفت كل حاجة… ومراتك كمان.”

 

حكايات شروق خالد

 

إيده بدأت ترتعش وهو بيقلب الورق.

 

بصلي بصدمة وقال: “إيه الهبل ده؟ انتي فتشتي في حاجتي؟!”

 

ضحكت لأول مرة من قلبي.

 

قلت: “لا يا براء… الشغالة هي اللي شافت.”

 

وشه احمر، وقام وقف بعصبية.

 

“انتي اتجننتي؟! مين سمحلك تمسكي أوراقي؟”

 

قومت أنا كمان، لكن بهدوء غريب.

 

الهدوء اللي بيجي بعد ما القلب يتكسر خلاص ومابقاش فيه حاجة تخوف.

 

قلت: “زي ما انت سمحت لنفسك تخطط تبيع البيت وتهرب مع عشيقتك؟”

 

سكت.

 

ولأول مرة، ماعرفش يرد.

 

قرب مني وقال بصوت واطي: “بلاش تعملي مشاكل… الموضوع مش زي ما انتي فاهمة.”

 

ضحكت بسخرية: “آه طبعًا. الراجل اللي بيقول لعشيقته إنه مستني مراته تمضي عشان يخلع… أكيد عنده تفسير محترم.”

 

بدأ يتوتر.

 

“منى اسمعيني… أنا كنت مخنوق… بينا مشاكل بقالها سنين.”

 

قلت بسرعة: “والمشاكل دي خلتك تسرقني؟”

 

اتلخبط.

 

وأنا كملت: “خدت تعبي، ووقتي، وكرامتي… وحتى الفلوس اللي كنت مفهمني إنها للشغالة كنت بتتريق بيا بيها قدام أمك.”

 

وشه قلب جامد أول ما جبت سيرة أمه.

 

قال بعصبية: “أمي مالهاش دعوة.”

 

ابتسمت ببرود: “بالعكس… أمك كانت شريكة في كل حاجة.”

 

ساعتها مد إيده ياخد الورق مني، لكني بعدت.

 

وقلت: “المحامي قالي حاجة مهمة جدًا… لو حاولت تبيع البيت من غير موافقتي أو تضغط عليا للتوقيع، ده نصب واحتيال.”

 

أول ما سمع كلمة “محامي” اترعب فعلًا.

 

قال: “محامي؟! انتي وصلتي الموضوع لمحامي؟”

 

هززت راسي: “وأكتر من كده كمان.”

 

طلعت ورقة تانية من الشنطة وحطيتها قدامه.

 

كانت مطالبة رسمية بنصيبي القانوني في البيت والحسابات المشتركة.

 

قرأ أول سطر… ووشه اصفر.

 

في اللحظة دي، رن جرس الباب.

 

فتح وهو متوتر.

 

كانت أمه.

 

دخلت وهي بتقول: “ها يا حبيبي؟ مضت؟”

 

ولما شافتني قاعدة بهدوء والورق قدامه، سكتت.

 

بصتلها وقلت بابتسامة: “للأسف يا طنط… الخطة وقفت.”

 

قالت باستفزاز: “خطة إيه؟ انتي مكبرة الموضوع ليه؟”

 

قومت وقفت قدامها.

 

“حضرتك كنتي عارفة إن ابنك بيخوني وبيخطط يبيع البيت من ورايا.”

 

قالت ببرود: “والراجل لما يبقى مش مرتاح يعمل إيه يعني؟”

 

الكلمة نزلت عليا زي النار.

 

لكن بدل ما أعيط، ضحكت.

 

ضحكة خلتهم هما الاتنين يتوتروا.

 

قلت: “عندك حق… الراجل اللي مش مرتاح يمشي. بس قبل ما يمشي يدفع تمن اللي عمله.”

 

براء بدأ يزعق: “كفاية بقى! انتي عايزة إيه؟”

 

بصيتله مباشرة وقلت: “طلاق. ونصيبي كامل. وكل جنيه حاولت تضحك عليا بيه.”

 

أمه صرخت: “انتي طماعة!”

 

بصتلها بثبات: “لا يا طنط… أنا بس أخيرًا فوقت.”

 

وبراء قرب مني وهو بيحاول يهدى صوته: “طيب نتفاهم بهدوء.”

 

قلت: “متأخر.”

 

وبعدين مشيت ناحية أوضة النوم.

 

فتحت تحت السرير، وطلعت علبة الأحذية القديمة.

 

وحطيتها قدامه.

 

فتحها… واتصدم.

 

العلبة كانت مليانة ظروف الفلوس اللي كان بيدهالي كل أسبوع.

 

ماصرفتش جنيه واحد.

 

بصلي بعدم استيعاب: “انتي… مخدتيش الفلوس؟”

 

قلت: “لا. كنت بسيب مرتب الشغالة زي ما هو.”

 

أمه قالت بسخرية: “يعني طلعتي غبية فعلًا.”

 

بصيتلها وابتسمت: “يمكن… بس الغبية دي جمعت مبلغ كفاية تبدأ حياة جديدة… من غير ابنك.”

 

زوجي كان بيديني مرتب الشغالة كل أسبوع… وماكنش يعرف إن الشغالة هي أنا!

 

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *