راية بيضاء** حكايات شروق خالد
«بس لو هتقولي عليا ممثلة ومزيفة قدام الناس كلها، يبقى قولي لهم بالمرة أنتِ عملتي إيه في الفلوس بتاعة…»
صالة المناسبات المتأجرة كانت ريحتها كريمة تورته من السوبر ماركت، ومنظف أرضيات، والبلالين الزرقا الرخيصة اللي أمي صممت إن درجتها “قريبة كفاية” من اللون اللي بتحبه. الكراسي الفولدنج كانت بتحك في البلاط. مفارش السفرة البلاستيك كانت بتلزق في إيدين الناس. كل ضحكة كانت بترن في السقف الواطي بحدة زيادة عن اللزوم، وأنا وصلت الساعة 5:42 المغرب لأن الوصول بدري هو الطريقة الوحيدة اللي جسمي بيعرف بيها يتعامل مع المكان قبل ما يتملى ناس.
تحت البلايزر الكحلي، كنت لابس يونيفورم القوات البحرية الأبيض الرسمي كاملاً.
الأشرطة والوسام بتوعي كانوا مظبوطين بالمسطرة. جزمتي كانت بتلمع. شعري كان ملموم لورا جامد لدرجة إن دماغي كانت بتوجعني. في العربية، كنت قاعدة ومثبتة إيدي الاتنين على الدريكسيون وبمرن نفسي على النفس الطالع والنازل، في الوقت اللي علبة التورتة كانت بتعرق على الكرسي اللي جنبي. كارت ميعاد مستشفى القوات المسلحة اللي في شنطتي كان مكتوب فيه “الثلاثاء 9:10 الصبح”، وتقرير الدخول اللي مطوي وراه كان مكتوب فيه: “أعراض صدمة ناتجة عن حادث، حزام ضاغط ودعم طبي، ومتابعة مستمرة”.
أهلي كانوا بيقولوا على ده “دراما ومحورة”.
“يسرا” أختي كانت بتقول عليه “محتوى للنت”.
كانت واقفة في نص الصالة أول ما دخلت، رافعة موبايلها وبتصور الزينة كأن عيد ميلاد أمي الستين ده إعلان لبراند كبير. يسرا بنت كل شخصيتها على السوشيال ميديا حوالين “الطاقة الإيجابية”، و”الأكل الصحي”، و”اختيار القوة”، بس هي مكنتش بتحب الوجع إلا لو الإضاءة بتاعته مظبوطة، ومبتقتنعش بالتعافي إلا لو مكتوب تحته كابشن مؤثر. مكنتش بتحب التعافي لما يبقى فيه رعشة، أو خضة، أو أدوية، أو لما يتطلب من العيلة تبطل تضحك على حاجات هما مش فاهمينها.
قالت وهي بتميل الموبايل ناحيتي أول ما شافتني: «يا محاسن الصدف.. شوفوا مين اللي نجا من النوبة الغامضة بتاعته المرة دي».
كام واحد من ولاد عمي بَصوا علينا. واحد من خيلاني بص في الطبق الفوم بتاعه كأن سلطة البطاطس فجأة بقت أهم حاجة في الكون.
قلت لها: «ده عيد ميلاد أمي.. بلاش تبدأي».
يسرا ابتسمت أكتر: «أنا بس فرحانة إنك جيتي.. إحنا مبنبقاش عارفين ظروفك الصراحة».
أمي ظهرت جنبي وريحتها كانت نفس ريحة البرفان الهادي اللي بتمشي بيه، حضنتني براحة ووشوشتني: «عشان خاطري عدي الليلة دي على خير».
وعدتها إني هعمل كده. دي دايماً الشغلانة اللي بيدوهالي: اتوجعي في سكات، ابتسمي بأدب، وسمي ده “سلام ونوايا حسنة”.
العشا مشي تمام في الأول، ده لو اعتبرنا إن “تمام” يعني الناس تسألك أسئلة هما مش مستنيين إجابتها. حد ناداني بـ “بنت البحرية”. حد سألني لو كنت “لسه باخد معاش العجز ده”. خالي وقع شوكة على الأرض، ولما اتخضيت واتنفضت، ضحك كأني بعمل نمرة في السيرك.
لثانية واحدة مقرفة، كنت عاوزه أخبط بكفوف إيدي الاتنين على السفرة وأخلي كل الأطباق تطير في الهواء. كنت عاوزه أسألهم مين علمهم إن الجهاز العصبي المتبهدل ده حاجة تضحك. بس بدل ده، مسكت كوباية المية وضغطت عليها لحد ما إيدي بطلت تعوز تقفل على شكل قبضة.
بعدها يسرا وقفت وفي إيدها كاس وفي الإيد التانية موبايلها.
قالت وهي بتلف ناحية أمي: «قبل ما نقطع التورتة، أنا بس عاوزه أقول إني فخورة إن أمي ربت بنتين أقوياء».
الناس صقفت. أمي ابتسمت لأنها كانت عاوزه الليلة تعدي طبيعية بأي ثمن.
يسرا استنت لحد ما الصقيف هدي، وبصت في عيني بالظبط.
وقالت: «واحدة مننا فضلت هنا، بنت حياة بجد، وكانت واجهة تشرف للعيلة دي.. والتانية اختفت سنين ورجعت لنا بلستة مشاكل وهمية ومحدش فينا مسموح له يسأل عنها».
الجو في الأوضة اتقلب.
مش لدرجة إنهم يوقفوها، بس لدرجة تخليها تكمل وهي شمتانة.
رفعت كتفها وقالت: «يعني، مش الموضوع ده يلفت النظر برضه؟ تعبانة زيادة عن اللزوم على إنها تشتغلي شغلة طبيعية، وضعيفة قدام أي مسؤولية، بس فجأة بتبقى زي الفل ولابسة اليونيفورم لما الموضوع يكون فيه لفت انتباه ولم شو».
كام واحد ضحكوا ضحكة خفيفة. كانت ضحكة حرج في الأول، وبعدين صوتها علي لما محدش رد عليهم أو وقفهم.
أمي قالت: «بس يا يسرا، عيب»، بس قالتها بالطريقة اللي الناس بتقول بيها “عيب” عشان تبان إنها اعترضت قدام ربنا، من غير ما تتعب نفسها وتغير أي حاجة في الواقع.
في عائلات مابتنكرش وجعك عشان شاكة فيه؛ هما بينكروه لأنهم لو صدقوه، هيضطروا يفتكروا هما عملوا إيه فيك.
يسرا كملت: «أنا بقول اللي كلنا بنفكر فيه وبس».
في اللحظة دي، في حاجة جوايا سكنت وهديت تماماً.
مش عصبية. مش رعب. هدوء قاتل.
زقيت الكرسي لورا، وصوت حكة الرجلين الحديد في البلاط قطع الصالة كلها. الشوك وقفت في نص الطريق للبوق. بنت صغيرة من قرايبنا بطلت تهرج برجلها. سكينة التورتة كانت مرمية جنب الورد الأزرق، محدش لمسها. العصير اتهز في كاس يسرا، وواحدة من خالاتي فضلت باصة لليافطة بتاعة الطوارئ كأنها بتدور على حتة تخبي فيها كسوفها.
محدش اتهز من مكانه.
سألتها: «أنتِ عاوزه دليل؟»
ابتسامة يسرا فضلت مكانها لأنها كانت فاكرة إني هعيط، وهي طول عمرها بتموت في الفضايح والانهيارات الأسرية قدام الناس، طول ما الانهيار ده مش بتاعها هي.
فكيت زراير البلايزر الكحلي.
السكوت منزلش مرة واحدة. كان بيمشي ترابيزة ترابيزة. الأول أصحاب أمي اللي عند التورتة، بعدين ولاد عمي اللي عند الكاتل بتاع الشاي، لحد ما وصل للقرايب اللي ورا خالص اللي كانوا عاملين نفسهم مش سامعين.
قلعت البلايزر وطويته وحطيتها على ظهر الكرسي.
تحت القميص الأبيض، طرف القماش الطبي الضاغط كان باين عند رقبتي.. وبعده الشاش والرباط الطير. إيدي اترعشت مرة واحدة وأنا بفك الزرار التاني، بس جبرتها تكمل حركتها. أنا وثقت كل ميعاد كشف، وجمعت كل ورقة خروج من مستشفى، ومضيت على كل قرار لجنة طبية في الجيش بإيد مكنش ليها حق تترعش قدام حد غريب.. هعرف أعدي الليلة دي وسط الأوضة دي.
الآثار والجروح كملت الباقي.
مكانتش جروح شكلها مقبول، ومكانتش مجرد خرابيش خفيفة. كانت من نوع العلامات اللي تخلي الناس تبص بعيد وبعدين ترجع تبص تاني، لأن عقلهم بيحتاج ثانية زيادة عشان يستوعب اللي بوقهم لسه كان بيتريق عليه من شوية.
حد وشوش ورا: «يا نهار أبيض.. يا حفيظ».
ابتسامة يسرا اتجمدت على وشها.
بصيت في عينها بالظبط وقلت لها: «أنتِ مكنتيش هناك لما الهليكوبتر وقعت بينا.. مسمعتيش صوت الحديد وهو بيتفرتك ويتشق.. مصحيتيش والخراطيم والأنابيب محشورة في زورك».
الدم هرب من وش يسرا بسرعة لدرجة إن الموبايل في إيدها نزل لوحده من غير ما تحس.
كملت وقلت لها: «بس أنتِ جيتي بعد كده.. في أوضة العناية المركزة.. وكنتِ ماسكة الموبايل ده».
الكاس اتزحلق من صوابع يسرا وخبط في التربيزة، والعصير اطلق على المفرش البلاستيك الأبيض ورايح ناحية تورتة أمي.
أخدت نفس طويل، وبصيت في وش كل واحد ضحك في القاعة، وقلت بصوت هز الحيطة: «وبما إنك بتقولي عليا ممثلة ومزيفة قدام الناس كلها، يبقى قولي لهم بالمرة أنتِ عملتي إيه في الفلوس بتاعة التبرعات والتعويض اللي الجيش صرفهالي باسمك عشان تدفعي لي مصاريف العمليات، وأنتِ أخدتيها حطيتيها مقدم لشقتك الجديدة وسيبتيني بتموت؟»
الأوضة اتقلبت لسكوت زي المقابر، ويسرا لفت وشها في الأرض وهي بتلم حاجتها وبتجري برة القاعة بعد ما وشها الحقيقي انكشف قدام العيلة كلها.
حكايات شروق خالد
أمي قعدت على الكرسي وهي بتعيط وحاطة إيدها على وشها من الصدمة، وخالي اللي كان بيضحك من شوية وقف ووشه جايب ألوان، وبص ليسرا وهي بتجري وقال بصوت عالي: «الكلام ده بجد يا يسرا؟ أنتِ تعملي في أختك كده؟»
بس يسرا مأستنتش، فتحت باب الصالة وجريت برة في الشارع، والباب اتقفل وراها ورجع السكوت المرعب تاني يملى المكان.
قفلت زراير قميصي الأبيض بالراحة، وأخدت البلايزر الكحلي بتاعي ونفضته، ولبسته تاني فوق الشاش والوجع. بصيت لكل القرايب والخلان اللي كانوا من دقيقتين بيحسبوا نوبات خوفي تمثيل وادعاء.. محدش فيهم قدر يحط عينه في عيني، كلهم طأطأوا رؤوسهم في الأرض وبقوا يبصوا في السيراميك وبس.
قربت من أمي، وطيت عليها وبست راسها وقلت لها: «كل سنة وأنتِ طيبة يا أمي.. أنا جيت عشانك، وعشان كنت فاكرة إن ليا ضهر أتسند عليه لما أتعب.. بس الظاهر إن طفايات الحريق اللي في المعسكرات بتصون العيش والملح أكتر من ناس كتير هنا».
أمي مسكت في إيدي وهي بتبكي وبتقول: «سامحيني يا بنتي.. والله ما كنت أعرف إنها عملت كده.. والله ما كنت أعرف إن وجعك حقيقي للدرجة دي».
طبطبت على إيدها، وأخدت شنطتي ومشيت وسط ممرات الكراسي الفاضية، والناس كانت بتوسع لي كأني قبطان ماشي في وسط بحر هادي.. هيبة البدلة البيضاء رجعت، بس المرة دي مغسولة بدم الحقيقة اللي مفيش مخلوق يقدر ينكرها تاني.
النهاردة، بعد ست شهور من الليلة دي.
أنا قاعدة في مكتبي الجديد في مستشفى الجلاء العسكري، الجو برة ساقعة والمطر بيخبط على الشباك، بس المكتب دافي بريحة القهوة وبصوت زمايلي من الضباط والدكاترة اللي عارفين أنا عديت بإيه وبيحترموا كل شرطة على كتفي.
يسرا اتقلب عليها كل اللي كانوا بيتابعوها على النت بعد ما الفضيحة طلعت، وحساباتها اللي كانت بتلم منها فلوس اتقفلت، وبقت عايشة في الشقة اللي بال حرام وهي مش قادرة تنزل بوست واحد من غير ما الناس تشتمها وتفكرها باللي عملته في أختها البطلة.
تلفوني رن، وكانت رسالة من أمي كاتبها فيها: **«وحشتيني يا سيادة القبطان.. الشاي بلبن مستنيكي يوم الجمعة، والبيت مابقاش يدخله حد غريب.. البيت بقى بيتك لوحدك».**
ابتسمت وقفت الموبايل، وسندت ضهري على الكرسي وأنا حاسة بنبضات قلبي مظبوطة، وجهازي العصبي هادي لأول مرة من سنين.. وعرفت إن السلام مبيجيش بالسكوت على الإهانة، السلام بييجي لما تقلع البلايزر وتوري الدنيا جروحك، عشان يعرفوا إنك مش ضعيف.. أنت بس كنت بتتعافى في صمت.
مرت سنة كاملة على اليوم ده.
النهاردة أنا واقفة على رصيف الميناء في الإسكندرية، لابسة اليونيفورم الأبيض بتاعي، والشرط اللي على كتفي بتلمع تحت شمس الصبح. الهوا المالح بيخبط في وشي، وقدامي الفرقاطة البحرية الجديدة اللي تم تعييني عليها كمشرفة طبية ورئيسة طاقم التمريض بعد ما اللجنة الطبية العسكرية أقرت بتعافيّ الكامل وقدرتي على العودة للخدمة الجانبية.
جسمي لسه فيه علامات، وضهري ساعات بيوجعني في الساقعة، بس روحي مابقتش بتترعش. الخوف اللي كان بيصحيني بالليل اتمحى، وبقى بداله يقين إني عديت من الموت عشان عندي رسالة لسه مخلصتش.
سمعت صوت خطوات صغيرة بتجري على رصيف الميناء، وصوت ضحكة أنا عارفاها كويس.
لفت، لقيت أمي جاية ومعاها ابن خالي الصغير، وشايلة في إيدها علبة حلاوة ومستفة فيها كيكة برتقان من اللي بحبها. أمي مابقتش مكسورة ولا مطأطأة راسها زي ليلة العيد ميلاد؛ بقت ماشية ورافعها راسها، وفخورة وهي بتبص لبنتها اللي لابسة لبس الشرف والخدمة.
قربت مني، وحطت علبة الكيكة على جنب، وحضنتني بحضن قوي طويل.. حضن كان دافي لدرجة إنه دَوّب أي باقي من زعل كان فاضل في قلبي ناحيتها.
بست راسها وقلت لها: «إيه اللي جابك المشوار ده كله الصبح يا أمي؟ الطريق من القاهرة متعب عليكي».
قالت والدموع في عينيها بس دموع فرحة وفخر: «أجيبلك الدنيا كلها لحد عندك يا سيادة القبطان.. مكنش ينفع تطلعي أول مأمورية بحرية ليكي من غير ما أدعيلك وأبخرك، ومن غير ما تشوفي إن ليكي ضهر بجد وساندك».
ابتسمت وأخدت منها علبة الكيكة، وبصيت وراها على البحر الواسع الممتد ملوش آخر.
سألتها بالراحة: «ويسرا؟»
أمي تنهدت تنهيدة طويلة وقالت: «يسرا باعت الشقة اللي أخدتها بفلوسك عشان تسدد القضايا والتعويضات اللي المحكمة العسكرية حكمت بيها ليكي.. ورجعت قعدت معايا في البيت القديم. مابقتش بتفتح الموبايل ولا بتصور، ونزلت اشتغلت في شركة صغيرة ومحدش بقى بيسمع صوتها.. ربنا هداها بعد ما عرفت إن مال الحرام مابيدومش، وإن الأخت ملهاش غير أختها».
طبطبت على كتف أمي وقلت لها: «ربنا يسير لها حالها.. أنا مسمحاها يا أمي، مش عشانها، عشان قلبي أنا يفضل نضيف ومفيهوش غل وأنا مسافرة وسط البحر».
صوت سارينة السفينة ضرب، معلنة إن وقت التحرك جِه.
أمي باستني على خدي وقالت: «في رعاية الله يا بنتي.. تروحي وترجعي بالسلامة يا بطلة».
لفت وعطيت التحية العسكرية لأمي وللعلم اللي مرفوع على صاري السفينة. طلعت السلم ووقفت على السطح، وبدأت السفينة تتحرك بالراحة وتبعد عن الرصيف.
بصيت على الهدم والوجع والجروح اللي داريتها زمان تحت البلايزر الكحلي، وعرفت إن الوجع مكنش لعنة.. الوجع كان النور اللي خلاني أشوف طريقي بجد، وأعرف مين اللي بيصون ومين اللي بيبيع. ودلوقتي، وأنا داخلة غريق البحر، أنا مش خايفة.. لأن اللي يعدي من وسط حطام هليكوبتر، ميهزهوش شوية موج.
حكايات شروق خالد
بعد تلات شهور في البحر، رجعت الميناء في الإسكندرية.
المأمورية خلصت، والنواة اللي عدينا عليها في عرض البحر مكنتش سهلة، بس الطاقم الطبي كله رجع سليم، والتقرير اللي رفعته لقيادة القوات البحرية كان واخد تقييم “امتياز”. نزلت من على السلم وأنا شامة ريحة اليود والتراب المحبوب، وحاسة إن كل خطوة على الأرض بتثبتني أكتر.
ركبت القطر ورجعت على القاهرة. طول الطريق كنت باصة من الشباك على الغيطان والبيوت، وكنت حاسة إن ندى اللي راجعة دي، مش هي خالص ندى اللي سافرت من سنة وهي خايفة من خيالها.
وصلت بيت أمي القديم في مصر الجديدة على المغربية.
طلعت السلم، وأول ما حطيت إيدي على جرس الباب، الباب اتفتح بسرعة كأن في حد كان مستنيني ورا الباب بقاله ساعات. كانت يسرا.
وقفت مكانها، ملامحها كانت متغيرة؛ مفيش ميك أب، ولا رموش، ولا الضحكة المصطنعة بتاعة الفيديوهات. كانت لابس ترينج بسيط، وشعرها لمّاه كحكة عادية. أول ما شافتني باليونيفورم الأبيض والشنطة في إيدي، عينيها اتملت دموع، وشفايفها اتهزت.
مكنتش عارفة تنطق، خطت خطوة ووقفت، وبعدين وطت راسها في الأرض وقالت بصوت مخنوق: «حمد الله على السلامة يا ندى.. نورتي بيتك».
أمي ظهرت من وراها وهي بتصوت من الفرحة: «بنتي! سيادة القبطان رجعت!»
دخلت وأمي أخدتني في حضنها، ويسرا كانت واقفة بعيد، باصة في الأرض ومربّعة إيديها، كأنها حاسة إنها ملهاش حق تقرب أو تضمّني. سيبت شنطتي، وبصيت ليسرا وقلت لها بصوت هادي: «مش هتحضني أختك يا يسرا؟ ولا البحرية ملهاش مكان عندك؟»
يسرا رفعت راسها وبصتلي بصدمة، وجريت عليا اترمت في حضني وبكت بحرقة.. بكت بدموع حقيقية لأول مرة من سنين. كانت بتترعش وبتقول: «أنا آسفة.. أنا سارقة وندلة، ومكنتش أخت.. أنا متساهلش ضحكتك دي يا ندى».
طبطبت على ضهرها وقلت لها: «خلاص يا يسرا.. اللي فات مات، وإحنا ولاد النهارده.. المهم إنك عرفتي إن الفلوس والمظاهر بتروح في ثانية، بس اللحم والدم هما اللي بيفضلوا».
قعدنا كلنا على سفرة واحدة.
أمي كانت عامله محشي ورق عنب وفراخ محمرة، ويسرا هي اللي كانت بتغرف وتناولني، وموبيلها كان محطوط على جنب مقفول، ومبقاش يمثل لها أي قيمة. كنا بنضحك وبنتكلم عن البحر والموج، وأمي بتدعيلي وعينها مليانة فخر.
بصيت على إيدي، وبصيت على طرف الكم الأبيض بتاع بدلي.. وعرفت إن الحادثة اللي حصلتلي في الجيش، وموت صحابي، والجروح اللي في جسمي، ومواجهتي لعيلتي.. كل ده مكنش عقاب من ربنا.
ده كان إعادة ترتيب لحياتي. ربنا قلعني البلايزر الكحلي اللي كنت بستخبى وراه، عشان يلبسني الأبيض.. لون النصر، ولون البداية الجديدة، ولون القلوب اللي صِفيت وسامحت بعد ما أخدت حقها تالت ومتلت.
**راية بيضاء**
حكايات شروق خالد