دموع البراءة: الموبايل اللعبة يقود الأرملة للمشنقة** حكايات شروق خالد 

شواكيش المحكمة خبطت تلات مرات ورا بعض، بس الصوت في القاعة الواسعة بتاعة مجمع المحاكم هز الحيطان كأن عمارة كاملة بتهد فوق الرؤوس. الجو كان حر وخنقة، من نوع الحر اللي يخلي الإيدين تعرق والنفس يتقطع، بس في ثانية واحدة، القاعة كلها اتجمدت كأننا في طوبة.
“سيبوا دادة فوزية! القاتلة الحقيقية قاعدة هناك اهي!”
البوابات الخشب الكبيرة بتاعة القاعة اتفتحت لورا هب دبة واحدة، وخبطت في الحيطان بعنف خض أكتر من خمسين صحفي ومصور كانوا واقفين على أطراف صوابعهم. كل الرؤوس لفت في نفس اللحظة.
هناك كانت واقفة مريم.
حتة عيلة عندها تمان سنين، داخلة بتجري حافية، ورجليها الصغيرة مليانة تراب، وفستانها البمبي مقطوع من عند الكتف. شعرها الكستنائي كان منكوش وملزوق على خدودها المحمرة من كتر العياط، بس عينيها السود كانت بتطلع شرار وغضب مش بتاع عيلة في سنها خالص. مشيت وسط الممر، وخطواتها الحافية كان ليها رنة مرعبة على الرخام الساقع.
“فوزية ملقنتش حاجة واصل!” صرخت بأعلى صوتها، وصوتها كان مبحوح ومخنوق: “هي مق*تلتش أبويا!”
المستشار رئيس المحكمة رفع إيده عشان يهدّي العساكر، بس المشهد نفسه لجم لِسانه.
على تربيزة الدفاع، فوزية عبد الحميد حست إن قلبها سقط في رجليها. بقالها ست شهور كاملة مرمية في الحبس الاحتياطي، عايشة في جهنم وبئس المصير، مكلبشة في تهمة هدت حيلها ودمرت اسمها. مية وتمانين يوم وهي بتسمع وكلاء النيابة ببدلهم الغالية وهم بيوصفوها بـ “الشغالة الطماعة”، بنت العشوائيات اللي عماها القرش، فسمت الحاج رأفت علام، واحد من أكبر حيتان سوق المقاولات والحديد في مصر كلها.
بس لما شافت البنت، كل الرعب والذل اللي شالته فوزية في شهور السجن اتقلب لنداء حنين طالع من وسط دموعها: “يا قلب دادة.. مريم بنتي…”
البنت الصغيرة وقفت قدام منصة القضاة، لفت جسمها اللي كان بيتنفض، وبكل جبروت وشجاعة، رفعت صباعها الصغير وشاورت على الكرسي اللي في أول صف.
“هي اللي عملت كده”، مريم نطقتها والكلمة طلعت زي الس*كينة: “هي دي.. شاهيناز.”
فلاشات الكاميرات بدأت تضرب ورا بعض، والهمهمة ملأت القاعة. سكوت تقيل وزي الزفت نزل فوق دماغ شاهيناز السيوفي، الأرملة الشابة الفرفورة اللي عندها ٢٨ سنة. كانت لابسة أسود في أسود، فستان شيك أوي من بتوع عارضات الأزياء، وطول الست شهور بتوع القض*ية مكنتش بتنزل من عينها غير دموع التماسيح قدام الميكروفونات، وتدعي لزوجها المرحوم بالرحمة وتقول “عايزة حق جوزي”.
شاهيناz متحركتش ولا شعرة، بس الشفايف اللي كانت حاطة فيها روج أحمر دموي، ابيضت فجأة وبقت زي الورقة.
“هدوء في القاعة وإلا هأمر بإخلاء السامعين كلهم!” رئيس المحكمة زعق وهو بيخبط بالشاكوش مرتين كمان.
اتنين عساكر قربوا عشان يمسكوا البنت، بس مريم جِريت واستخبت في حضن فوزية. الدادة، والكلابشات الحديد في إيديها، وطت لحد الأرض وضمت البنت لرقبتها بكل قوتها.
“أنا شفتها يا فوزية”، البنت وشوشتها، بس صوتها كان واصل للميكروفون اللي محطوط على تربيزة المحامين: “أنا شفت شاهيناز وهي بتموت بابا.”
قلب فوزية دق بسرعة والدموية جِريت في عروقها.
من ست شهور فاتوا، فيلا علام في التجمع الخامس كانت مكان يشرح القلب من بره، بس من جوه كانت تلج. بالنسبة لمريم، البيت الكبير ده مكنش فيه دفا غير لما فوزية تعمل لها طبق البيض بالبسطرمة، أو تقعد تغني لها عشان تطرد الخوف من قلبها بالليل. بس من يوم ما شاهيناز دخلت البيت كزوجة تانية للحاج رأفت، والمكان بقى ريحته خيانة. شاهيناز كانت بتبقى ملاك والراجل موجود، بس أول ما يسافر يتابع مشاريع الإسكندرية، كانت بتكشر عن أنيابها.
“الشغالة دي مش أمك يا بت، فوقي لنفسك،” شاهيناز كانت بتقولها وهي بتلويلها دراعها من ورا الراجل.
ليلة المصيبة، الحاج رأفت رجع من السفر قبل معاده بيومين، ولقى مريم قاعدة بتعيط ومستخبية في المطبخ التحتاني. حصلت خناقة طوب الأرض سمعها في المكتب بتاعه. زعيق وتكسير وكلام يوجع. وتاني يوم الصبح، ج*ثة المليونير كانت مرمية على السجادة وجنبها كباية مية كريستال. فوزية كانت أول واحدة دخلت وشافته؛ صرخت وحاولت تفوقه، ولمست الكباية وبصماتها طبعت عليها. وده كان كفاية جداً لشاهيناز عشان تلبسها القض*ية وتوديها ورا الشمس.
وبالعودة لسرير المحكمة وقاعتها، مريم مدت إيدها الصغيره جوه جيب فستانها المتبهدل، وطلعت موبايل قديم، محطوط في جراب أطفال على شكل لعبة حصان بقرن مكسور.
“أنا كنت مستخبية… وصورت فيديو،” البنت قالتها بكل ثقة.
شاهيناز وقفت فجأة من على الكرسي، والبرستيج والشياكة طاروا في الهواء: “البت دي كدابة وبتخرف! خرجوا العيلة دي بره!”
بس المستشار، وعينيه لمعت بالفضول، شاور لخبير الفنيين في المحكمة: “هات الموبايل ده يا ابني.. واعرض اللي عليه على الشاشة الكبيرة فوراً.”
مكانش فيه مخلوق في القاعة دي كلها مستعد للقطة اللي هتعرضها الشاشة الكبيرة دلوقتي، لقطة هتقلب الطاولة وتغير نصيب الكل…

 

حكايات شروق خالد

النور في قاعة المحكمة انطفى فجأة بطلب من رئيس المحكمة عشان الشاشة الكبيرة تشتغل. الجو بقى ضلمة، ومبقاش مسموع في القاعة غير صوت نفس شاهيناز اللي كان عالي ومكتوم كأنها بتغرق، وصوت عياط فوزية وهي لسه متبتة في حضن مريم الحافية.
الشاشة نورت، وظهر كادر مهزوز، التصوير كان واطي أوي وقريب من الأرض، واضح إن مريم كانت مصورة وهي مستخبية تحت مكتب خشب كبير أو ورا ستارة.
الصوت في الفيديو طلع مشوش في الأول، بس بعد ثواني وضح.. كان صوت زعيق ونفس عالي. ظهر في الكادر رجلين الحاج رأفت وهو لابس جلبابه الأبيض بتاع البيت، وكان واقف بيهز رجله بعصبية، وقدامه كانت واقفة شاهيناز.
الحاج رأفت صوته طلع جهوري وبيهز المكان: “بقى بتمدي إيدك على بنتي في غيابي يا شاهيناز؟ طفلة يتيمة ملهاش ذنب! أنا كنت عميان وعميتيني بوشك المزيف.. بس لحد هنا وفوقي، كل قرش كتبته باسمك هيرجع، والورقة العرفي اللي بينا دي هتتقطع الليلة، وملمحش وشك في بيتي تاني!”
في الفيديو، ظهرت شاهيناز وهي بتقرب منه، صراخها سكت فجأة واتقلب لنبرة هادية ومرعبة تخوف: “هتطلقني وترميني برا يا رأفت؟ بعد كل اللي عملته عشانك؟ طب خد اشرب بق المية ده عشان ريقك النَاشف.. ونتكلم بهدوء.”
الكاميرا بتاعة الموبايل اللعبة اتهزت لما مريم حاولت تقرب عشان تشوف أكتر. ظهرت إيد شاهيناز وهي بتمِد كباية المية الكريستال للحاج رأفت، بس قبل ما يدها تلمس إيده، صباعها الكبير كان بيضغط على كبسولة صغيرة مخبياها تحت دبلتها، ونزلت منها نقطتين بالعدد جوه الكباية.
الحاج رأفت، من كتر عصبيته ومن غير ما ياخد باله، مسك الكباية وشربها دفعة واحدة عشان يبلع ريقه.
ثواني.. وثواني تانية مرت في الفيديو كأنها دهور.
الحاج رأفت بدأ يحط إيده على صدره، كبايته وقعت من إيده واتدشدت مية حتة على الأرض. وشه بدأ يزرق، وعينيه طلعت لبرة وهو بيبص لشاهيناز بذهول وصدمة. حاول ينطق، حاول يصرخ، بس صوته كان بيطلع حشرجة مخنوقة.
شاهيناز وقفت تتفرج عليه وبرود الدنيا كله في عينيها، ممدتش إيدها تسنده، ولما وقع على ركبه وبدأ يروح، وطت عليه وقالت له بصوت واطي وشماتة: “البيت ده بتاعي، وفلوسك دي كلها هتبقى ليا أنا وبس.. نام يا حبيبي.. نام وارتاح.”
الفيديو قطع هنا.
القاعة كلها اتكهربت. الصحفيين وقفوا على الكراسي، والمصورين فلاشاتهم بدأت تضرب في وش شاهيناز زي المطر. رئيس المحكمة وقف من طوله وعينيه كانت بتطلع شرار، وبص لشاهيناز وقال بصوت زلزل القاعة: “يا فجرك! يا فجرك يا شيخة!”
شاهيناز رجلها ملقلتش تشيلها، وقعت على الأرض وسط قفص الاتهام وهي بتصرخ زي المجنونة: “لااااا! ده مش حقيقي! الفيديو ده متفبرك! البت دي بتكرهني! أنا مقت*لتوش!”
رئيس المحكمة ضرب بالشاكوش بكل قوته: “بس! حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء، أولاً: ببراءة المتهمة فوزية عبد الحميد من التهمة المنسوبة إليها، وإخلاء سبيلها فوراً من سراي المحكمة. ثانياً: تحويل المتهمة شاهيناز السيوفي إلى فضيلة مفتي الديار المصرية، وتأجيل النطق بالحكم لجلسة…”
صوت الفرحة والزغاريط من أهل فوزية اللي كانوا قاعدين ورا غطى على بقية الكلمات. العسكري قرب من فوزية وبدأ يفك الكلبشات من إيدها وهو بيقول لها: “مبروك يا دادة.. الحق ظهر.”
فوزية نزلت على ركبها، خدت مريم في حضنها وبقت تبوس في راسها وفي رجليها الحافية وهي بتعيط وتصرخ من الفرحة: “يا قلب أمك! أنقذتيني يا مريم.. أنقذتي دادة يا بنتي!”
مريم مسحت دموع فوزية بإيدها الصغيرة وقالت لها ببراءة: “أنا مكنتش هسيبهم ياخدوكي يا دادة.. بابا قالي بالليل في الحلم إنك هترجعي معايا البيت.”
المحامين والصحفيين اتلموا حوالين البنت الصغيرة وهم مش مصدقين الذكاء والجبروت اللي عندها، وشاهيناز كانت بتتسحب من العساكر وهي مكلبشة، ووشها في الأرض، رايحة للمكان اللي تستاهله. فوزية وقفت وشالت مريم على كتافها، وخرجت بيها من باب المحكمة لبرة، والنور والشمس والحرية مستنيينهم، بعد ما حتة عيلة بـ موبايل لعبة.. قادت حبل المشنقة للقاتلة الحقيقية.

الصحافة مسبتهمش في حالهم، وأول ما فوزية خطت برجلها بره بوابة المحكمة وهي شيلة مريم، اتلمت حواليهم الكاميرات والميكروفونات زي الجراد. الكل عايز كلمة من “الدادة البريئة” ومن “البنت الأسطورة” اللي هزت الرأي العام في مصر كلها.
لكن فوزية مكنتش سامعة حاجة من الهيصة دي، كانت لسه بتترعش وضامة مريم لصدرها كأنها خايفة حد يخطفها منها. مشيت وسط الزحمة لحد ما لقت عربية سوداء كبيرة واقفة مستنياهم على الرصيف، والباب اتفتح.
ده كان الأستاذ جلال، المحامي العجوز اللي تولى قض*ية فوزية متطوعاً بعد ما شعر إن ورا الحكاية لغز كبير. بصلهم وابتسم وهو بيمسح دموعه: “اطلعي يا فوزية.. اطلعي يا مريم يا بنتي.. المكان هنا مبقاش أمان ليكم من كتر الصحافة.”
ركبوا العربية، والسرير الحديد والزنزانة الضلمة بقوا خلاص وراهم. العربية بدأت تتحرك في شوارع القاهرة، ومريم كانت باصة من الشباك وهي ساندة راسها على كتف فوزية، ولأول مرة من ست شهور تنام وهي مطمنة.
جلال لف وشه ليهم وقال بنبرة هادية: “عارفة يا فوزية.. الحاج رأفت الله يرحمه مكنش مغفل.. الراجل ده قبل ما يموت بأسبوع، لما بدأ يحس بإن في حاجة غلط بتحصل في البيت، جالي المكتب.”
فوزية انتبهت ورفعت راسها: “جالك المكتب يا بيه؟ قالك إيه؟”
الأستاذ جلال طلع ملف من شنطته الجلد وقال: “الحاج رأفت كتب وصية شرعية وموثقة.. وشالها عندي أمانة، وقال لي متتفتحش إلا لو جرى له حاجة. الوصية دي بتقول إن كل أملاكه، من شركات وعقارات وفلوس في البنوك، تؤول بالكامل لبنته الوحيدة مريم.. وبما إن مريم قاصر، فالوصي الشرعي على المال وعلى البنت لحد ما تتم ٢١ سنة…” جلال سكت لحظة وبص في عين فوزية مباشرة “… هو أنتِ يا فوزية.”
فوزية برقت عينيها والدموع جمدت في جفونها: “أنا؟! أنا يا بيه؟ الشغالة الغلبانة وصية على ملايين الحاج رأفت؟”
الأستاذ جلال هز راسه بيقين: “الحاج رأفت كان عارف إن شاهيناز طمعانة، وعارف إن أهله ميهمهومش غير القرش. الشخص الوحيد اللي كان مأمنه على بنته وروحه هو أنتِ.. أنتِ اللي ربتيها بعد ما أمها ماتت، وأنتِ اللي صنتيها. ودلوقتي، الفيلا بتاعة التجمع الخامس دي بقت بتاعتكم، ومفيش مخلوق يقدر يخرجكم منها.”
فوزية بصت لمريم اللي راحت في النوم، ولمست وشها الصغير بحنية، وقالت بصوت طالع من قلبها: “والله العظيم يا رأفت بيه، لأشيلها في عنيا وأربيها أحسن تربية، وفلوسك دي مش هيلمسها غيرها، وهتطلع دكتورة قد الدنيا زي ما كنت بتتمنى.”
بعد مرور سنة كاملة..
الفيلا في التجمع الخامس رجعت الروح فيها من تاني، بس مبقتش الفيلا الضلمة بتاعة زمان. الأنوار كانت قايدة، وصوت ضحك مريم كان مالي المكان وهي بتجري في الجنينة ووراها كلب صغير بتلعب معاه، ولابسة فستان جديد وشياكة، بس لسه محتفظة بالموبايل اللعبة القديم في أوضتها كأنه حرز بيحميها.
فوزية كانت واقفة في البلكونة، لابسة عباية شيك تليق بمقامها الجديد كـ “ست البيت”، بس قلبها وطيبتها متغيروش. كانت بتبص على مريم وهي بتضحك، وحست فجأة بنسمة هواء دافية لفت حواليها، كأن روح الحاج رأفت بتبتسم ليهم من بعيد وبتقول لهم إنهم أخيراً بقوا في أمان.

**دموع البراءة: الموبايل اللعبة يقود الأرملة للمشنقة**

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *