ام عزباء
أم عزباء فقيرة غلبها النوم على كتف مدير شركة ملياردير في الطيارة
لكن لما صحيت، كانت حياتها اتغيرت للأبد.
صوت عياط البيبي شقّ هدوء كابينة الطيارة زي الإنذار، لدرجة إن الركاب بدأوا يتحركوا في كراسيهم ويبصوا بضيق.
راشيل مارتينيز حضنت بنتها الصغيرة صوفيا، اللي عندها ست شهور، بقوة وهي بتعتذر لكل حد حواليها. في كابينة الدرجة الاقتصادية الضيقة، كان صوت عياط صوفيا باين أعلى بكتير، كأنه بيرتد من جدران الطيارة المعدنية وأعصاب الناس المرهقة. راشيل كانت حاسة بنظرات الحكم عليها جاية من كل ناحية.
قالت بهدوء وهي تهز بنتها
لو سمحتي يا حبيبتي بس اهدي.
هي ما كانتش نامت بقالها تقريبًا 36 ساعة.
بعد ما خلصت شيفت مضاعف في مطعم صغير في لوس أنجلوس، جريت على المطار عشان تلحق رحلة ليلية لشيكاغو. تذكرة الطيارة خلتها تصرف آخر فلوس معاها، بس أختها كارمن هتتجوز بعد يومين، ومهما كانت علاقتهم متوترة، راشيل ما قدرتش تغيب.
عندها 23 سنة بس، لكن التعب اللي على وشها يخليها تبان أكبر بكتير. هالات سودة حوالين عينيها، والابتسامة اللي كانت دايمًا على وشها اختفت بسبب شهور من السهر، الفواتير المتأخرة، وحقيقة إنها بتربي طفلة لوحدها.
أبو صوفيا اختفى أول ما عرف إنها حامل.
ومن ساعتها، كل قرار في حياتها بقى معادلة صعبة
حفاضات
ولا أكل؟
لبن صناعي ولا كهربا؟
إيجار ولا أمل؟
مضيفة طيران في الخمسينات قربت منها ووشها باين عليه الضيق.
قالت بحدة
يا مدام لازم تهدي البيبي شوية، الركاب عايزين يرتاحوا.
راشيل ردت بصوت مكسور
أنا بحاول هي عادة هادية، بس يمكن صوت الطيارة والتغيير.
لكن صوفيا زادت في العياط.
راشيل لاحظت ناس بتطلع موبايلاتها. الإحراج ولّع جواها. كانت متخيلة العناوين اللي ممكن تتكتب
أم مهملة.
بيبي بوّظ رحلة الطيارة.
ست ما ينفعش تسافر أصلاً.
راجل كبير عبر الممر تمتم بضيق
كان المفروض تفكري قبل ما تحجزي تذكرة.
دموع راشيل بدأت تنزل.
هي فعلًا فكرت فكرت في كل حاجة.
السفر بالعربية ما ينفعش لأن عربيتها القديمة باظت من 3 أسابيع، وتصليحها مستحيل. الرحلة دي كانت الأمل الوحيد عشان توصل لشيكاغو، رغم إن الفلوس دي كان المفروض تروح للإيجار.
كانت لسه هتدخل الحمام الصغير في الطيارة وتعيط لوحدها
وفجأة صوت راجل هادي قال جنبها
ممكن أجرب أساعد؟
راشيل بصتله.
الراجل اللي جنبها كان واضح إنه من عالم تاني. في أوائل الثلاثينات، لابس بدلة كحلي مفصلة بإتقان، وجزمة جلد إيطالي لامعة، وساعة شكلها غالي جدًا. شعره متظبط وعينيه الزرقا هادية ومفيهاش أي ضيق زي باقي الناس.
بس صبر.
قال بابتسامة بسيطة
عندي شوية خبرة مع الأطفال. أختي عندها 3. ساعات حضن مختلف بيهدّيهم.
راشيل ترددت.
الحياة علمتها ما تثقش في الغرباء خصوصًا الرجالة اللي فجأة يهتموا بيها أو بطفلتها.
لكنها كانت منهكة جدًا.
فببطء ادته صوفيا.
اللي حصل كان فوري.
عياط صوفيا خف بقى همهمة بسيطة وبعدين سكتت خالص.
إيده كانت بتمشي بهدوء على ضهرها وهو بيهمهم بلحن خفيف.
راشيل بصت بدهشة.
قالت
إزاي عملت كده؟
ابتسم وقال
خبرة. الأطفال بيحسوا بالتوتر. أحيانًا بس محتاجين نبض قلب أهدى.
في لحظات، الركاب ارتاحوا. حتى المضيفة بقى شكلها ألطف.
سألها
اسمها إيه؟
قالت
صوفيا.
بص للطفلة كأنها حاجة غالية جدًا.
اسم جميل.
ثم سألت
وإنت اسمك إيه؟
قال
جيمس.
راشيل بدأت تلاحظ ملامحه أكتر. حسّت إنها شافته قبل كده بس مش فاكرة فين.
قالت له
إنت أكيد مش بتسافر درجة اقتصادية كتير.
ابتسم بخفة
خلينا نقول إن النهارده كنت عايز شوية هدوء مش اهتمام.
صوت محركات الطيارة كان ثابت حوالينهم.
ولأول مرة من أسابيع راشيل حسّت بشعور نادر.
الأمان.
صوفيا نامت أخيرًا.
والراجل جنبها هادي وثابت وجسمها اللي بقاله أيام عايش على التعب بدأ يستسلم.
قالت بتعب
خليها ترجعلي.
قال بهدوء
هي كويسة هنا إنتي اللي محتاجة تنامي.
راشيل حاولت تعترض
لكن التعب كان أقوى.
وبعد لحظة رأسها مال على كتفه.
وغلبها النوم.
اللي راشيل ما كانتش تعرفه إن جيمس كان بيراقبها من أول ما الطيارة أقلعت شايف إزاي بتعتذر للناس، وتهدي بنتها رغم الإحراج، وإزاي بتحاول تبقى قوية رغم إن حياتها باين إنها بتنهار.
وما كانتش تعرف كمان إن جيمس ويتمور مش مجرد راكب عادي.
هو المدير التنفيذي لشركة Whitmore Industries.
ملياردير.
ومؤسس واحدة من أكبر المؤسسات الخيرية في البلد.
ولما راشيل صحيت على صوت الكابتن بيعلن إن الطيارة هتوصل بعد 30 دقيقة حياتها كانت على وشك تتغير.
في الأول ما فهمتش هي فين.
وبعدين لاحظت إن رأسها كانت على كتف جيمس
وصوفيا لسه نايمة في حضنه.
راشيل قامت بسرعة وقالت بخجل
أنا آسفة جدًا مش مصدقة إني نمت عليك.
جيمس قال بهدوء
كنتي تعبانة. وصوفيا صحيت مرة واحدة بس.
ورجع الطفلة لحضنها.
وقال مبتسم
ملاك صغير لما ما تكونش معترضة على الدنيا.
راشيل بصت لبنتها وقالت بتنهيدة
الدنيا بقت صعبة.
وجيمس سكت بس كان بيسمع.
وده خلاها تحكي.
قالت بصوت واطي
أنا أم لوحدي أبوها سابني لما عرف إني حامل. بشتغل شيفتات مضاعفة في مطعم. عربيتي باظت. ومتأخرة في الإيجار ودفعت آخر فلوسي عشان التذكرة دي عشان أختي هتتجوز.
ضحكت بمرارة
إحنا أصلاً ما بنتكلمش بقالنا سنتين هي شايفة إني ضيعت حياتي.
جيمس قال بعد لحظة
ده مش ضياع ده بقاء.
راشيل بصتله وقالت
إنت ما تعرفنيش.
رد بهدوء
أنا شوفت كفاية. شوفتك وإنتي بتعتذري للناس وإنتي شايلة كل حاجة لوحدك وما وقفتيش لحظة
عن الاهتمام ببنتك.
سكتت لحظة وبعدين سألته
وإنت؟ بتشتغل إيه؟
ابتسم وقال
بدير شركة.
ضحكت بتعب
طبعًا.
طلع كارت من جيبه وادهولها.
وقال
كلميني بعد الفرح.
راشيل بصت للكارت
واتجمدت.
مكتوب عليه
James Whitmore
CEO Whitmore Industries
نفس الشركة اللي كانت بتقرا عنها في المجلات وهي واقفة في طابور الكاشير.
رفعت عينيها ليه بصدمة.
فقال لها الجملة اللي عمرها ما توقعتها
أنا ممكن أساعدك مش عشان شفقة. لكن لأن الستات اللي زيك هما اللي لسه مخليين الدنيا واقفة راشيل فضلت باصة للكارت في إيدها كأنها مش مصدقة اللي شايفاه.
اسم الراجل اللي قدامها كان معروف في كل مكان في الأخبار، في المجلات، وعلى مباني المستشفيات والجامعات.
رفعت عينيها ببطء وقالت بتوتر
حضرتك بتهزر؟
جيمس ابتسم بهدوء.
لا. بس ما تقلقيش أنا مش بعرض عليك صدقة.
راشيل حضنت صوفيا أكتر وكأنها بتستمد منها قوة.
قالت
أنا متعودة أعتمد على نفسي.
رد جيمس فورًا
وده بالضبط السبب اللي خلاني أتكلم معاكِ.
الطيارة بدأت تقلل سرعتها استعدادًا للهبوط، وصوت الكابتن أعلن إنهم هيوصلوا خلال دقائق.
جيمس كمل كلامه بهدوء
مؤسستي الخيرية بتعمل برنامج لدعم الأمهات اللي بيكافحوا لوحدهم تعليم، شغل، حضانة للأطفال. مش مساعدات مؤقتة فرصة حقيقية.
راشيل سكتت لحظة.
كان واضح إنها مش عايزة تبان ضعيفة لكن التعب والخوف كانوا واضحين في عينيها.
قالت بتردد
وليه أنا؟ في ناس كتير محتاجة.
جيمس بص لها نظرة ثابتة وقال
لأني شوفتك. شوفتك وإنتي بتحاربي لوحدك من غير ما تطلبي حاجة من حد.
قبل ما الطيارة تلمس الأرض، قال
بس القرار في إيدك. اتصلي أو ما تتصليش ده اختيارك.
بعد الهبوط، الناس بدأت تنزل بسرعة.
راشيل كانت آخر واحدة تقريبًا.
فضلت واقفة شوية في الممر وهي بتبص للكارت مرة تانية.
كان جزء منها بيقول إن ده حلم أو مجرد مجاملة عابرة من راجل غني.
لكن جزء تاني كان شايف بصيص أمل.
جيمس وقف عند باب الطيارة قبل ما يمشي وقال لها
راشيل.
بصت له.
قال بابتسامة خفيفة
أوعِ تفكري إن قوتك نقطة ضعف.
وبعدها نزل من الطيارة واختفى وسط الناس.
عدّى يومين.
راشيل حضرت فرح أختها.
العلاقة بينهم كانت متوترة في الأول، لكن لما كارمن شافت صوفيا، حضنت أختها وبكت.
لأول مرة من سنين اتكلموا بصدق.
لكن بعد الفرح، رجعت الحقيقة.
فلوسها تقريبًا خلصت.
وكان لازم ترجع لوس أنجلوس ونفس الحياة الصعبة.
في الليلة اللي قبل السفر كانت قاعدة في أوضة الضيوف، وصوفيا نايمة جنبها.
طلعت الكارت من شنطتها وبصت له.
فضلت دقيقة
اتنين
تلاتة
وبعدين أخدت نفس عميق واتصلت.
في الجهة التانية، السكرتيرة ردت بسرعة
مكتب السيد ويتمور.
راشيل اتوترت
أنا اسمي راشيل مارتينيز. قابلته في الطيارة.
سكتت السكرتيرة لحظة، وبعدين قالت
لحظة واحدة.
بعد ثواني صوت جيمس نفسه جه على الخط.
كنت مستني اتصالك.
راشيل اتفاجئت.
حضرتك فاكرني؟
ضحك بخفة
مش كل يوم بيقعد حد ينام على كتفي في الطيارة.
اتكسفت شوية، لكنه كمل بجدية
لو العرض لسه مناسب ليكي عندي وظيفة في شركتي. تدريب مدفوع، وسكن مؤقت، وحضانة لصوفيا.
راشيل حسّت قلبها بيدق بسرعة.
ليه بتعمل كده؟
رد جيمس بهدوء
لأن العالم محتاج ناس زيك تنجح مش بس تصمد.
دموع راشيل نزلت بدون ما تحس.
لأول مرة من وقت طويل
حسّت إن المستقبل ممكن يكون فيه حاجة غير التعب.
حضنت صوفيا الصغيرة وهمست
يمكن حياتنا لسه هتبدأ.
وبعد سنة واحدة فقط
كانت راشيل واقفة في مكتب واسع في الطابق الأربعين من مقر شركة ويتمور.
مش كنادلة
لكن كمديرة برنامج دعم الأمهات العاملات في المؤسسة الخيرية.
وفي حضانة الشركة كانت صوفيا بتخطو أول خطواتها.
أما جيمس
فكان واقف عند الباب، بيبتسم وهو بيشوف أقوى قرار خدته راشيل في حياتها
إنها صدقت
إنها تستحق فرصة.