أمير المافيا وجوهرة الأصل** حكايات شروق خالد

داميان من مطلعش بره مصر ولا سافر إيطاليا زي ما كل الناس فاكرة.
دي كانت اللعبة.
البلد كلها كانت فاكرة إن أكتر راجل بيخوف في البلد سافر في شغل مستعجل قبل فرحه بتلات أيام.
خطيبته، رانيا، كانت واقفة على باب القصر بفستان أبيض غالي وهي بتعيط دموع متفبركة ومظبوطة على الشعرة.
همست له وهي بتودعه: “خلف بالك من نفسك يا حبيبي.. هتوحشني في كل ثانية”.
داميان باس راسها، وركب العربية المصفحة، وساب السواق يطلع بيه من البوابة الرئيسية.
بعد ساعة واحدة بس، رجع تاني.. بس من الممر السري اللي تحت الجنينة.
من غير معازيم، من غير كاميرات، ومن غير ما حد من الخدم يشوفه.
محدش كان يعرف هو فين غير رامي، دراعه اليمين.
ورا مكتبة القصر، كان فيه أوضة سرية مفيش مخلوق يعرف بطريقها. باب حديد مصفح، وشاشات سودا بتعرض كل شبر في القصر: الصالة، المطبخ، الطرينات، الجنينة، البوابة الرئيسية.. وأوضة أمه العيانة، الحاجة ميرفت.
الست كانت عندها سبعين سنة، إيديها ضعيفة، بس عينيها لسه صاحية.. الشلل الرعاش كان بيهد جسمها بالبطء، بس عقلها كان لسه يوزن بلد.
قبل الحكاية دي بتلات أيام، مسكت إيد داميان وقالت له: “يا ابني، متراقبش رانيا وهي بتعاملك أنت إزاي.. راقبها وهي بتعامل حد مش بإيده يديلها حاجة”.
داميان مكنش عايز يصدق.. رانيا كانت شيك، جميلة، متعلمة، وبنت واحدة من أغنى العائلات.. عارفة الإتيكيت كويس، وبتعرف تختار الجمعيات الخيرية اللي تشترك فيها، وبتعرف تبتسم إزاي وهي واقفة جنب راجل خطر عشان تخليه يبان محترم قدام المجتمع. كانت هي الوش اللي هينضف اسمه ويهدي أعداءه ويخلي إمبراطوريته تبان عيلة مستقرة.
بس أمه عمرها ما غلطت في نظرتها لحد.
عشان كده، داميان قعد في الأوضة الضلمة ورا المكتبة وفضل يراقب.
على الشاشة، رانيا فضلت واقفة في الصالة لحد ما العربية اختفت من ورا البوابات.. وفي الثانية اللي تأكدت فيها إنه مشي، دموعها اختفت تماماً، وملامحها اتقلبت لوش بارد وممل.
طلعت تليفونها وقالت: “مشي.. تعالى حالاً”.
داميان متحركش من مكانه.
بعد عشرين دقيقة، عربية سودا دخلت من البوابة، ونزل منها تامر، المحاسب بتاعه.. الراجل اللي كان بيثق فيه ومأمنه على حساباته السرية وتحويلاته بره البلد اللي محدش يعرف عنها حاجة.
رانيا جريت عليه وارتمت في حضنه وبسته في نص الصالة.. نفس الصالة اللي داميان خطبها فيها من ست شهور.
رامي، اللي كان واقف جنب داميان، جسمه اتشد وقال بصوت واطي: “يا باشا…”
داميان رفع إيده إشارة إنه يسكت.. في وقت تاني، كان زمانه طلع وهد القصر على دماغهم، بس داميان مكنش هيعيش ويستحمل كل الغدر والرصاص وحروب العائلات دي لو كان بيتصرف بتهور.
صوابعه اتفلتت على الكرسي وقال: “خلينا نتفرج”.
رانيا وتامر دخلوا الصالة وهما ماسكين كاسات العصير كأن البيت بقى بتاعهم خلاص.
رانيا قلعت جزمتها وقالت بتعب: “أنا زهقت.. سنة كاملة ببتسم في وش الراجل ده، وسنة كاملة بمثل إني مهتمة بأمه العيانة اللي تقرف”.
تامر ضحك وقال: “مفاضلش كتير”.
رانيا ابتسمت: “بعد الفرح كل حاجة هتتغير وتبقى أسهل”.
“أسهل إزاي؟”
“العجوزة دي هتختفي الأول.. هوديها دار مسنين رخيصة وبعيدة عشان محدش من الضيوف المهمين يشم ريحة دوا وهو بيتعشى معانا.. داميان هيبقى مشغول، والرجالة اللي زيه مبيفتكروش أهلهم غير لما يعوزوا يظهروا بيهم قدام الناس”.
تامر سأدها: “وطيب وكريمة؟”
رانيا وشها اتشنج: “الممرضة؟ دي بت غلبانة وعينيها مكسورة وملهاش ضهر.. هطردها قبل ما نسافر شهر العسل”.
داميان سنانه جزت على بعضها.
على شاشة تانية، كانت كريمة واقفة في أوضة الحاجة ميرفت وبتساعدها تشرب مية.. البنت كان عندها سبع وعشرين سنة، لمة شعرها لورا، لابس لبس الشغل البسيط، وعينيها باين عليها التعب بس إيديها حنينة.. كانت شغالة في القصر بقالها سنتين، هادية، وبتتحرك زي السحابة ومبتعملش مشاكل. داميان كان بيعدي من جنبها في الممرات ومبياخدش باله منها اصلاً.. بس دلوقتي كان مركز مع الطريقة اللي بتمسك بيها الكوباية لأمه.. بصبر، وباحترام، كأن الست الكبيرة دي مش حمل تقيل عليها، وكأن المرض ميعيبهاش.
وفجأة، رانيا قامت وقالت: “أنا عايزة أشوف وشها وأنا بقولها الكلام ده”.
تامر قالها: “بلاش طيش”.
رانيا ضحكت: “داميان في الطيارة دلوقتي يا تامر”.
دخلت أوضة الحاجة ميرفت من غير ما تخبط.. الكاميرا نقلت عليهم، وكريمة كانت بتعدل الغطا للست الكبيرة لما رانيا دخلت وقالت لكريمة بنبرة حادة: “اطلعي بره”.
كريمة بصت للحاجة ميرفت، فالست هزت راسها بتعب كأنها بتقولها ماشي.. كريمة خرجت بس متمشتش بعيد، فضلت واقفة ورا الباب وهي قلقانة وبتسمع.
رانيا قربت من السرير وقالت: “أنتِ فاكرة نفسك ليكي قيمة هنا؟”
الحاجة ميرفت بصت لها من غير خوف وقالت: “أنا قيمتي عند ابني”.
رانيا ابتسمت بخبث: “لحد دلوقتي بس.. بعد الفرح الأوضة دي هتبقى أوضة أطفال، وأنتِ هتترمي في مكان بعيد ورخيص”.
الست الكبيرة اتنفست ببطء وقالت: “يا مسكينة يا رانيا.. هتلبسي ألماط، وتنامي على حرير، وهتقعدي في صدر الموائد.. وبس عمرك ما هتعرفي يعني إيه حد يحبك بجد”.
رانيا اتصدمت ثانية، وبعدين وشها اتقلب غضب.. شدت صينية الدوا ورمتها على الأرض، الحبوب اتطوحت على الرخام زي اللؤلؤ المكسور، وزعقت: “أنتِ مش محتاجة للدوا ده اصلاً.. كل ما غورتي بدري كل ما كان أحسن للكل”.
وبعدين ضربتها بالقلم على وشها.. مقدرتش توقعها، بس القلم ساب علامة حمرا على وش الست العيانة.
في الأوضة السرية، القلم اللي كان في إيد داميان اتكسر نصين، والحبر الأسود ساح على صوابعه.. رامي رجع خطوة لورا من الخوف.
صوت داميان طلع بارد ومرعب لدرجة تخوف: “مدت إيدها على أمي”.
قام وقف، بس ثبت مكانه لما شاف كريمة جريت على الأوضة أول ما رانيا خرجت.. مصوتتش، ومجرتش ورا رانيا، ولا شتمت.. نزلت على ركبها وفضلت تلم الحبوب من على الأرض بحذر وخوف كأنها بتلم ألماط بجد.
همست وهي بتعيط: “يا حاجة ميرفت.. سامحيني، مكنش لازم أسيبك لوحدك أبداً”.
الست الكبيرة كانت بتعيط من غير صوت وقالت: “أنتِ مش مجبرة تستحملي الذل ده بسببي يا بنتي”.
كريمة مسكت إيدها وقالت: “أنتِ أهلي.. وأنا مسبش أهلي أبداً”.
الأوضة السرية مكنش فيها نفس.. داميان فضل مبحلق في الشاشة.. هو شاف قبل كده ولاء بيشتريه بفلوس، وولاء بيمثلوه قدامه، وولاء بيختفي أول ما المصلحة تخلص.. بس اللي شافه من كريمة كان حاجة تانية.. كريمة مكنتش بتحمي سلطة ولا فلوس ولا اسم عيلة، كانت بتحمي ست عجوزة مش هتقدر تديها أي حاجة.
رانيا كانت عايزة القصر، وتامر عايز الحسابات، والدنيا كلها كانت عايزة مصلحة من داميان.. بس كريمة هي الوحيدة اللي أظهرت أصلها ونضافتها لما افتكرت إن محدش شايفها.
لأول مرة من سنين، داميان حس بالكسوف من نفسه.. مش عشان وثق في الست الغلط، بس عشان الست الصح كانت بتتحرك في بيته كل يوم قدام عينيه وهو مكنش شايفها.
بص لرامي وقال: “اقفل البوابات”.
رامي هز راسه: “ورانيا؟”
داميان مسح الحبر من إيده بمنديل أبيض وقال: “هاتها على السفرة”.
رامي تردد ثانية: “والمحاسب كمان؟”
داميان بص على الشاشة وشاف تامر بيشرب العصير تحت صورة أبوه الله يرحمه، وابتسم ابتسامة مرعبة: “هو بالذات”.
بعد عشرين دقيقة، رانيا دخلت أوضة السفرة وهي مستنية العشا، وتامر وراها بيعدل زراير قميصه.. لقوا الحاجة ميرفت قاعدة في صدر الترابيزة وكريمة واقفة جنبها تحميها بضهرها.
رانيا وقفت ووشها اتشد: “إيه ده؟”
في اللحظة دي، داميان طلع من الضلمة.. بنفس البدلة اللي كان لابسها وهو “مسافر”.
كاس العصير وقع من إيد رانيا واتشير مية حتة على الأرض، وتامر وشه بقى أصفر زي الليمونة.
داميان بص لخطيبته، وبعدين للعلامة الحمرا اللي على وش أمه، وبعدين لإيدين كريمة اللي كانت بتترعش.. القصر كله مكنش فيه نفس.
رانيا همست برعب: “داميان.. أنا اقدر أفهمك…”
داميان شاور بعينيه على الشاشات اللي كانت شغالة على الحيطة من غير صوت وتطرد كل حاجة: كل بوسة، كل تهديد، كل كلمة، والقلم اللي انضرب.
وبعدين قال كلمة واحدة، هادية وقاطعة: “لأ”.
رانيا قربت عشان تمسكه، بس هو رجع خطوة لورا وقال: “أنتِ كنتِ عايزة تعرفي البيت ده هيبقى إيه بعد الفرح”.
شفايفها كانت بترتعش.. فالتفت لكريمة وقال بنبرة حنينة لأول مرة بالليل ده: “يا آنسة كريمة”.
كريمة اتخضت: “نعم يا فندم؟”
“خدي أمي اطلعي بيها فوق، وافضلي معاها.. ومحدش في البيت ده هيقدر يمشيكِ تاني أبداً”.
عيني كريمة دمعت، ورانيا بصت له بذهول: “يعني إيه الكلام ده؟”
داميان بص لرانيا كأنها واحدة غريبة وميعرفهاش: “يعني الفرح اتلغى”.
تامر همس بخوف: “داميان.. اسمعني بس…”
داميان قال تاني: “لأ”.
وبعدين ابتسم ابتسامة باردة وقال: “بس المعازيم واللعيب مش هيروحوا على الفاضي”.
وش رانيا اتقلب أبيض كفن.. لأن بكرة الصبح، أكبر عائلات البلد هتروح الكنيسة عشان تحضر الفرح.. بس المرة دي، مش هيشوفوا جوازة.. هيشوفوا فضيحة وكشف كدب وخراب هينزل على دماغهم قبل ما الشمس تطلع.

حكايات شروق خالد

بكرة الصبح جه، والشمس طلعت على القاهرة وهي شايلة معاها عاصفة محدش كان يتوقعها.
قدام الكنيسة الكبيرة، العربيات الفخمة بدأت تقف ورا بعضها، وخرج منها أكابر البلد؛ رجال أعمال، وزرا، وشخصيات ليها ثقلها في المجتمع. الكل جاي يبارك لفرح “داميان سانتورو” و”رانيا إيبانيز”.. الجوازة اللي الكل كان شايفها صفقة العمر اللي هتجمع بين القوة والنفوذ والاسم النضيف.
جوه الكنيسة، المعازيم ماليين الكراسي، والهمس والضحك مالي المكان. والد رانيا كان واقف فارد ضهره وفرحان باللوحة اللي بتترسم قدامه، وعيلة “إيبانيز” كلها كانت حاسة إنها ملكت الدنيا.
وفجأة.. النور كله انطفى.
الهمس سكت في ثانية، وحالة من الهرج والمرج بدأت تدب في المكان. الناس بدأت تبص حواليها باستغراب، لحد ما فجأة اشتغلت الشاشات الكبيرة اللي في قاعة الكنيسة، الشاشات اللي كان المفروض تعرض صور لرحلات رانيا وداميان وقصة حبهم.
بس اللي ظهر على الشاشة مكنش صور حب.
ظهر كادر أسود، وبعدها لقطة واضحة جداً من كاميرات المراقبة.. صالة القصر.
الناس كلها برقت لما شافت رانيا واقفة وهي بتمسح دموعها ببرود، وتامر المحاسب بيدخل ويرتمي في حضنها.
الصوت كان عالي ونقي ومسمع في كل ركن:
“أنا زهقت.. سنة كاملة ببتسم في وش الراجل ده، وسنة كاملة بمثل إني مهتمة بأمه العيانة اللي تقرف!”
الصدمة ألجمت الجميع. والد رانيا وقف مكانه كأنه اتسمر في الأرض، ووشوش عيلتها بدأت تتلون بألوان الخزي. المشهد مرفعش عند الحد ده.. الشاشة نقلت على أوضة الحاجة ميرفت. الكل شاف رانيا وهي بتهدد الست الكبيرة، وشافوا اللحظة اللي رمت فيها الدوا على الأرض.. واللحظة اللي نزلت فيها بإيدها على وش الست العيانة بالقلم.
جوه القاعة، كان فيه صوت أنفاس مكتومة، وناس حطت إيديها على بوقها من الذهول والاشمئزاز.
وفي اللحظة دي.. النور رجع اشتغل تاني.
بس المرة دي، داميان كان واقف على المسرح الرئيسي، لابس بدلته السودا بكامل أناقته، ملامحه كانت زي الصخر، ومفيش في عينيه أي رحمة. رامي، دراعه اليمين، كان واقف وراه ومعاه رجالة القصر، ومكتفين تامر ورانيا اللي كانوا بينهاروا من الرعب والدموع مغرقة وشهم.
داميان مسك المايك، وبص للجمهور اللي كان فيه سكوت تام كأن على رؤوسهم الطير، وقال بصوت هز الحيطان:
“أنا عزمتكم النهاردة عشان تشهدوا فرحي.. بس الفرح الحقيقي بالنسبة لي هو إني أطهر بيتي واسمي من الخاينين.”
التفت لرانيا وتامر وقال:
“عيلة إيبانيز.. بنتكم والمحاسب بتاعي سرقوا، وخانوا، ومدوا إيدهم على أقدس ما أملك.. على أمي. ومن النهاردة، عيلتكم ملهاش عيش في البلد دي، وكل الحسابات والعقود اللي بيننا لاغية، والبوليس بره مستني الحرامية والخونة.”
في ثواني، دخلت قوات الأمن وقبضت على رانيا وتامر وسط نظرات الاحتقار من كل الحاضرين، ورانيا كانت بتصرخ وتترجاه بس هو مكنش بيبص في اتجاهها أصلاً.
بعد مرور شهر..
القصر رجع له هدوءه ونضافته، بس المرة دي مكنش هدوء خوف، كان هدوء راحة وأمان.
في الجنينة الواسعة، كانت الحاجة ميرفت قاعدة على كرسيها المتحرك، والشمس دافية على وشها، وملامحها مرتاحة وبتضحك من قلبها. وجنبها كانت كريمة، لابسة فستان بسيط وناعم، وشعرها مفرود، وعينيها مفيهاش التعب والكسرة بتاعة زمان.. عينيها كانت بتلمع بالفرحة وهي بتناغش الست الكبيرة وتطمن عليها.
داميان كان واقف بعيد، ساند على سور البلكونة وبيتفرج عليهم.
لأول مرة من سنين، الابتسامة مكنتش فارقة وشه.. الابتسامة دي مكنتش بتاعة راجل أعمال خطر بيخطط لضربة جديدة، دي كانت ابتسامة راجل لقى أخيراً “الأصل” اللي يدوم، والقلب اللي يشيل اسمه بجد.
رامي قرب منه ووقف جنبه، وبص على كريمة والحاجة ميرفت وقال بنبرة هادية:
“البيت بقى فيه روح يا باشا.. الست كريمة وشها خير علينا وعلى الحاجة.”
داميان أخد نفس طويل، وعدل ساعته وهو بيبص لكريمة اللي رفعت عينيها بالصدفة وبصت له وابتسمت بخجل..
رد داميان وصوته فيه ثقة وراحة مكنتش موجودة قبل كده:
“كريمة مش شغالة في البيت ده يا رامي.. كريمة من النهاردة هتبقى هي صاحبة البيت.”

حكايات شروق خالد

مشيت الأيام، وكلام داميان مكنش مجرد كلمة رماها في لحظة صفا.. ده كان قرار غير بيه مجرى حياته كلها.
القصر اتنفست فيه الروح من جديد؛ ريحة الورد رجعت للجنينة، وضهر الحاجة ميرفت اتفرد وهي شمت العافية لمجرد إنها شايفة ابنها مرتاح، والبت اللي صانتها وبقت ليها زي بنتها بتكبر في عين الكل كل يوم.
داميان مكنش الراجل اللي بياخد خطوة من غير أصول. في يوم، لم فيه رجاله الكبار، وقعد مع أمه وكريمة في نفس الصالة اللي شهدت الخيانة زمان، بس المرة دي كانت الصالة مليانة بنور الشمس.
بص لكريمة وقالها بصوت هادي وراسي:
“يا كريمة.. أنتِ دخلتِ البيت ده وأنتِ شايلة هم لقمة العيش، وصنتِ عرضي وأمي وأنا مش موجود.. والنهاردة، أنا بطلب إيدك من أمي، وعايزك تبقي شريكة عمري.. مش عشان أرد جميل، عشان أنتِ الوحيدة اللي قلبي صاع ليها وعرفت معاها معنى الأمان.”
كريمة وشها اتقلب أحمر زي الدم، وعينيها دمعت بالفرحة، وبصت في الأرض بكسوف.
الحاجة ميرفت زغرطت من قلبها.. زغروتة هزت حيطان القصر، وقالت: “ده أحسن يوم في عمري يا ابن بطني.. ربنا رزقك باللي تصونك وتصون اسمك.”
بعد أسبوعين بس..
كتب الكتاب كان في جنينة القصر، مكنش فيه رجال أعمال بيمثلوا الود، ولا صحافة، ولا ناس جاية تتمنظر. كان فيه بس الناس اللي بجد؛ رامي ورجالة داميان المخلصين، والحاجة ميرفت اللي كانت قاعدة زي الملكة وهي شيفاهم بيمضوا على الدفتر.
كريمة كانت زي القمر بفستان أبيض بسيط، مفيش فيه بهرجة رانيا، بس كان فيه نضافة وأصل بان على وشها. وداميان كان باصص لها وعينيه بتلمع بلمعة مكنتش موجودة فيها من سنين.. لمعة الراجل اللي لقى حتة الجوهر وسط كوم تراب.
بعد ما المأذون قال جملته الشهيرة “بارك الله لكما وبارك عليكما”، داميان قام ومسك إيد كريمة وباسها قدام الكل، وبعدين وطى على إيد أمه وباسها وقالها: “دعوتك يا أمي هي اللي نجتني.. والست دي في عينيا لحد ما أموت.”
وفي نفس الليلة..
بعيد عن الفرح والأغاني، في زنزانة ضلمة وضيقة في سجن القناطر.. كانت رانيا قاعدة في الركن، فستانها الأبيض اللي كانت بتحلم بيه بقى عبارة عن لبس السجن الأزرق، ووشها اللي كان دايماً مدهون بأغلى أدوات التجميل بقى شاحب ومكسور.
كانت بتسمع صوت حارسة السجن وهي بتنادي على الأسماء عشان طابور العشا، وجنبها سجينات باصين لها بنظرات تخوف. تامر المحاسب كان في سجن الرجال بيواجه أحكام تضيع عمره كله بعد ما داميان قفل في وشه كل أبواب الرحمة، وسلم للنيابة ورق يثبت اختلاساته من ورا ضهره، ورق يخليه ميتشوفش الشارع تاني.
قعدت رانيا تعيط وتفتكر كلمات الحاجة ميرفت: *”هتلبسي ألماط وتنامي على حرير.. وبس عمرك ما هتعرفي يعني إيه حد يحبك بجد.”*
الكلمات كانت بترن في ودنها زي الجرس، وعرفت إن طمعها مخدش منها داميان بس.. ده خد منها حياتها وكرامتها، وسابها في الضلمة لوحدها.
أما في القصر..
الليل ليل، والدنيا هديت. داميان وكريمة كانوا واقفين في البلكونة الكبيرة باصين على النيل من بعيد والجو نسمته ترد الروح.
داميان لف وحط إيده على كتف كريمة وسألها: “مرتاحة يا مدام كريمة سانتورو؟”
كريمة ابتسمت بحب وبصت في عينيه وقالت: “أنا حاسة إني في حلم يا داميان.. مكنتش أتخيل في يوم إن ربنا شايل لي كل الخير ده.”
داميان قرب منها وهمس بثقة:
“الخير ده هو أصلك الطيب يا بنت الناس.. الدنيا ياما ورتني ناس بوشوش ملايكة وقلوب ديابة.. بس أنتِ جيتي ووعيتيني إن اللؤلؤ الغالي مبيلمعش غير في الضلمة.. وطول ما أنا عايش، مفيش مخلوق هيقدر يزعلك أو يقلل منك.. أنتِ ملكة البيت ده، وقلبي أنا كمان.”
الشمس غابت، والليل فرد جناحه على البيوت.. بس القصر مكنش ضلمة، كان منور بأصله، وبالحب الحقيقي اللي مبيتشتريش بفلوس الدنيا كلها.

**أمير المافيا وجوهرة الأصل**

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *