مفاتيح الندم.. والوقوف على أرض الصلابة** حكايات شروق خالد
طليقي سابني ومشي أول ما عرف إن ابننا المولود هيحتاج كرسي متحرك.. وبعد 25 سنة، الدنيا علمته درس عمره ما هينساه.
أنا عندي 49 سنة، واليوم اللي جوزي “وائل” سابني فيه مشي من غير زعيق ولا رزع أبواب.. مشي في هدوء تام.
ابننا كان لسه مولود من كام ساعة بس، وضامّاه لحضني، لما دكتور المخ والأعصاب شرح لنا براحة كدة إن الولد هيفضل عايش على كرسي متحرك طول عمره.
كنت لسه بحاول أستوعب الصدمة، لما لقيت وائل بيمد إيده ياخد مفاتيحه.. حتى مبصش لوش ابنه.
وقال لي: “أنا مش حمل الكلام ده.. ومش ده المستقبل اللي كنت مستنيه.”
ولف ضهره وخرج من أوضة الولادة كأنه خارج من اجتماع ملوش لازمة وطوّل زيادة عن اللزوم.
السنين اللي بعد كده ما كانتش بطولة.. كانت هدد حيل ومأساة.
مستشفيات ريحتها كلها مطهرات.. أوراق واستمارات مابفهمش فيها حاجة.. وليالي بقضيها على الأرض جنب ابني، بفرد له رجليه وهو بيعيط من الوجع، وإيديا بتترعش من كتر التعب والإرهاق.
الناس كانوا بيوطوا صوتهم وهم بيتكلموا عن مستقبله:
“حركته هتبقى محدودة.”
“بلاش تعلّي سقف طموحاتك.”
بس أنا اتعلمت أطنشهم كلهم.
لأن ابني لما بقى عنده 10 سنين، كان هو اللي بيصلح كلام الدكاترة. ولما بقى عنده 15 سنة، كان بيقرا مجلات طبية أنا نفسي مش عارفة أنطق أساميها. كان بيكره إن حد يشفق عليه أكتر من كرهه للوجع نفسه.
وبالمعجزة… جلسات العلاج الطبيعي جابت نتيجة. واللي كان محتاج كرسي متحرك في الأول، بقى بيمشي بعكاز.. والعكاز ده بقيت أشوفه معاه قليل جداً.
لحد ما دخل كلية الطب.. وطلع الأول على دفعته.
الأسبوع اللي فات، قبل حفلة التخرج بكام يوم، لقيته قاعد في هدوء، إيديه ثابتة وملامح وشّه مشدودة.
سألته: “في إيه يا حبيبي؟”
تردد شوية وقال لي: “أبويا كلمني.”
حسيت برعشة وسقوعية في صدري.
كمل كلامه: “عاوز يحضر.. عرف إني بقيت… بمشي.”
طبعاً.. لازم يعرف!
كنت عاوزه أقول له لأ.. كنت عاوزه أحميه منه.
بس ابني بص لي بكل هدوء وقال: “أنا عزمته.”
يوم الحفلة جه بسرعة، والقاعة كانت زحمة على الآخر.. وفجأة وائل دخل.
داخل بكل ثقة، والابتسامة مالية وشه، وكأنه هو اللي تعب وشقي عشان يوصله للمكانة دي!
كنت هتموت من قهرتي.. بس سكت وم نطقتش.
لما ابني طلع على المسرح—خلفيته ثابتة، قوية، وواقف على رجليه—بص لوائل وقال في المايك: “يا بابا.. أنا فضلت أتدرب على اللحظة دي سنين.”
وبعدها..
#حكايات_شروق_خالد
وبعدها.. نزل من على المسرح بخطوات واثقة، ثابتة، ومفيش فيها أي أثر لضعف أو عجز. مشي وسط الناس اللي كانت بتسقف بحرارة، لحد ما وصل للمكان اللي وائل واقف فيه. وائل كان فاتح دراعاته والدموع في عينيه، مستني الحضن اللي يداوي بيه ذنب 25 سنة، ومستني اللحظة اللي يتباهى فيها قدام الكل بابنه الدكتور.
لكن ابني وقف على بعد خطوة واحدة منه.. ملمش دراعه، ولا مالهوش خطوة زيادة. بص في عينيه بكل هدوء وبرود، ومد إيده اليمين وطلع من جيبه “مفاتيح” وبسطها قدام وش وائل.
وقال له بصوت قوي وواضح سمعه كل اللي حوالينا: “أنا فضلت أتدرب سنين عشان أقف الوقفية دي، وعشان أديك دول. دي مفاتيح شقتك القديمة اللي سبتنا فيها.. ودي مفاتيح حياتي اللي خرجت منها بمزاجك. أنا وقفت على رجلي بفضل ربنا ثم أمي.. الست اللي شالت حمل إنت هربت منه لأنك ‘مش قده’. أنا عزمتك النهاردة مش عشان تاخد لقطة في نجاحي، أنا عزمتك بس عشان أوريك المستقبل اللي إنت ضيعته من إيدك، وعشان أثبت لك إن الكرسي المتحرك اللي خفت منه، كان ممكن يلف بيا الدنيا بس يوصلني برضه لنفس المكان.. من غيرك.”
ولف ضهره ومشي.. مشي بنفس الهدوء التام اللي وائل مشي بيه من 25 سنة من أوضة الولادة. بس المرة دي، لفة الضهر دي ما كانتش هروب، كانت إعلان نهاية.
رجع لي، وطوقني بدراعاته، ودفن راسه في كتفي وهو بيهمس: “خلاص يا أمي.. حقك رجع، والدرس اتعلم.”
بصيت ورايا، لمحت وائل واقف في مكانه، صاغر، مكسور، والناس اللي حواليه بتبص له بنظرات صدمة وعتاب.. لقى نفسه لوحده تماماً وسط زحمة القاعة، وعرف إن القطار فاته، وإن الدنيا لما بتدور، مابتسيبش حق حد مظلوم.
حكايات شروق خالد
مسكت إيد ابني وبصيت في عينيه والدموع مغرقاني، بس المرة دي ما كانتش دموع قهرة ولا وجع.. كانت دموع فخر بـ “الراجل” اللي أنا ربيته وسهرت عليه الليالي. القاعة كلها كانت بتبص لنا، وكأن الكل استوعب في لحظة واحدة حجم المأساة وحجم الانتصار اللي حصل قدام عيونهم.
وائل فضل واقف في مكانه كأنه صنم، إيده اللي كانت ممدودة رجعت جنبه وهي بترتعش، والابتسامة المزيفة اللي كانت على وشه اختفت واتبدلت بملامح ذهول وانكسار ماليها الخزي. لقى نفسه غريب وسط فرحتنا، غريب عن ابنه اللي من لحمه ودمه، وغريب عن المكان كله.
لفينا ضهرنا ومشينا وسط تصفيق وهتاف الناس اللي هز القاعة. في اللحظة دي، حسيت إن كل ليلة قضيتها على الأرض وجسمي مهدود من التعب، وكل دموع نزلت مني في مداراة الخوف، وكل كلمة إحباط سمعتها من الناس.. كل ده اتمسح وكأنه ما كانش.
طول طريق الرجوع للبيت، ابني كان ماسك إيدي بقوة، والشهادة في إيده التانية. ولما دخلنا بيتنا الصغير اللي شهد على كل أيامنا الصعبة، بص لي وقال: “يا أمي، الكرسي المتحرك اللي هو خاف يشيله، كان هو السلم اللي طلعت بيه للسما.. لولا صبرك ودعواتك، ما كنتش هبقى الدكتور اللي واقف قدامك النهاردة.”
الدنيا فعلاً دارت، وعلمت وائل إن الهروب من المسؤولية مابيجيبش غير الندم، وإن اللي بيزرع الأنانية مابيـحصدش في الآخر غير الوحدة. وبقيت أنا وابني، واقفين على أرض صلبة، باصين للمستقبل وكلنا رضا ويقين إن ربنا مابيضيعش أجر من أحسن عملاً.
**مفاتيح الندم.. والوقوف على أرض الصلابة**
حكايات شروق خالد