تريقت على فستاني الجينز.. حكايات شروق خالد
مرات أبويا ضحكت في وشي باستهزاء أول ما شافت فستان الحفلة اللي أخويا الصغير فصلهولي من بنطلونات جينز قديمة بتاعة أمنا الله يرحمها.
وقالت لي: “الناس كلها هتضحك عليكي وهتبقي فرجة.”
بس على آخر السهرة… هي اللي الكل كان بيبص عليها ومصدوم منها.
بعد ما أبويا اتوفى السنة اللي فاتت، كل حاجة اتبدلت.
مرات أبويا، كاريمان، حطت إيدها على كل قرش في البيت، حتى الفلوس اللي أمي كانت شايلاها ليا أنا وأخويا الصغير قبل ما تموت.
وعشان كده لما جه وقت حفلة التخرج وجمعت شجاعتي عشان أطلب منها فلوس فستان، كاريمان حتى مبصتليش وهي ماسكة موبايلها.
وقالت ببرود: “فساتين الحفلات دي تفاهة ورخي لفلوس على الفاضي.”
وبعدها رمت شنطتها البراند الجديدة على التربيزة، وكان لسه التيكيت بسعرها الغالي متعلّق فيها.
فكرتها إن أمي الله يرحمها كانت عاينه فلوس مخصوص عشان الأيام دي، فضحكت باستهزاء وقالت: “الفلوس دي هي اللي ممشية البيت ده دلوقتي، وبعدين محدش عاوز يشوفك وأنتي عامله فيها أميرة.”
الموضوع انتهى.. مفيش فستان، ومفيش حفلة.
دخلت أوضتي وأنا كاتمة دموعي بالعافية، بس أخويا الصغير حازم كان سامع كل حاجة.
حازم عنده 15 سنة بس، السنة اللي فاتت دخل ورشة تفصيل وخياطة في المدرسة بعد ما ورشة النجارة اتملت، ووقتها زمايله الصبيان تريقوا عليه لدرجة إنه مابقاش يتكلم في الموضوع ده خالص.
بعدها بكام ليلة، خبط على باب أوضتي وهو شايل في إيده كومة من بنطلونات الجينز القديمة بتاعة أمنا.
وبص لي وقال: “إنتي بتثقي فيا؟”
وعلى مدار الأسبوعين اللي بعدهم، كان بيحول المطبخ لورشة خياطة في السر بالليل.
ومش عارفة إزاي… بس قدر يفصل أجمل فستان شفته في حياتي.
درجات مختلفة من الجينز متقاطعة ومتخيطة في بعضها، وكأنها حتت من ذكريات أمي.
لما كاريمان شافت الفستان الصبح يوم الحفلة، قعدت تضحك بهستيريا وقالت: “ده أكتر منظر يشفق في حياتي، لو رحتي بالبتاع ده الحفلة، الناس كلها هتضحك عليكي.”
بس أنا لبسته ونزلت بيه برضه.
عشان أخويا اللي عمله بإيديه.
وعشان كل حتة في الفستان ده جاية من ريحة أمي.
كاريمان حتى راحت ورايا الحفلة ومسكت موبايلها، وكانت عمالة توشوش لأولياء الأمور التانيين وتقولهم إنها مش قادرة تستنى عشان تصور “كارثة الموضة” بتاعتي.
بس في اللحظة اللي خطيت فيها على المسرح… المزيكا وقفت فجأة.
مدير المدرسة مشي في اتجاه كاريمان
#حكايات_شروق_خالد
مدير المدرسة مشي في اتجاه كاريمان، وكان معاه اتنين من رجال الأمن بتوع القاعة، ووشه مفيش فيه أي ملامح للهزار.
كاريمان جهزت تليفونها، وافتكرت إن المدير رايح يطردني أو يعلق على لبسي، فابتسمت بشماتة وبصت للي حواليها وكأنها بتقولهم: “شفتوا؟ قلتلكم هتبقى فرجة!”
لكن الصدمة نزلت عليها لما المدير وقف قدامها بالظبط، ورفع المايك وقال بصوت قوي سمعته القاعة كلها: “أهلاً بحضرتك يا فندم.. يا ريت تتفضلي معانا بره القاعة حالاً وبدون شوشرة.”
كاريمان وشها اتخطف، والضحكة اتمحت من عليها، وقالت بزهول: “أنا؟! أطلع بره ليه؟ أنا جاية أحضر حفلة تخرج بنت جوزي!”
المدير بصلها بنظرة حادة وقرأ من ورقة في إيده: “حضرتك مسجلة في كشوف المدرسة كـ ‘وصي قانوني’ على الطالبة والطالب القاصر حازم.. وإحنا وصلنا بلاغ رسمي وشكوى مدعومة بمستندات من النيابة الحسبية ومحامي عائلة والد الطالبة، بتهمة تبديد أموال القصر واستخدامها في أغراض شخصية، والشراء من حساباتهم البنكية المجمدة بدون إذن المحكمة.. والشرطة بره القاعة في انتظارك للتحقيق.”
في اللحظة دي، القاعة كلها اتقلبت همس ووشوشة، وكل عيون أولياء الأمور والطلبة اللي كانت كاريمان بتوشوشلهم من شوية، اتقلبت عليها بنظرات احتقار وصدمة. بصوا لشنطتها البراند اللي لسه بالتيكيت، وفهموا كل حاجة.
كاريمان رجليها مأشلتهاش، وحاولت تزعق وتعمل ظيطة: “ده كدب! مين اللي عمل كده؟!”
وهنا، حازم أخويا الصغير خطى خطوة لقدام من وسط الطلبة، ووقف جنبي على المسرح وهو رافع رأسه لفوق. حازم مكنش بس بيخيط فستان بالليل في السر.. حازم كان بقاله أسبوعين بيجمع مع محامي عيلتنا كل الإيصالات والتحويلات اللي كاريمان عملتها من ورا ظهرنا بفلوس أمي الله يرحمها، وبلغوا النيابة اللي حركت الدعوى بسرعة.
المدير شاور لرجال الأمن، وفعلًا أخدوا كاريمان من إيدها وطلعوا بيها بره القاعة وهي بتداري وشها من كتر الخزي والفضيحة قدام الناس كلها.. الشنطة البراند مكنتش قادرة تحميها من منظرها وهي بتتسحب بره.
المدير رجع للمسرح، وبصلي وبص لحازم، والابتسامةملت وشه وقال في المايك: “ودلوقتي.. نرجع لسبب وقوفنا هنا. الحفلة دي مش بس لتكريم الخريجين، الحفلة دي بتشهد ولادة موهبة استثنائية. الفستان اللي مصمم ومصنوع من جينز قديم وريحة الأم الغالية، هو فستان السهرة الأول بلا منازع.. تحية حارة لمصمم الأزياء الواعد، الطالب حازم!”
القاعة كلها هزتها التسقيف والصريخ، الكل وقف يسقف بحرارة وإعجاب بالفستان وبحازم.
بصيت لأخويا الصغير والدموع في عيني، وضميته جامد.. الفستان اللي كان مفروض يبقى “كارثة موضة” بالنسبة لكاريمان، بقى هو تذكرتنا للحرية، ولأول مرة حسيت إن ريحة أمي حوالينا بجد، وإن حقنا رجع لنا في نفس الليلة وبأعلى صوت.
تريقت على فستاني الجينز..
حكايات شروق خالد