بين كبرياء الملياردير وعقل الويتر حكايات شروق خالد

فلوس وقعت على الأرض زي حكم المحكمة.
الـ 100 دولار نزلت جنب جزمتها السودا، لفت لفة تحت نور الشموع، وسندت على رجل كرسي تمنه أغلى من إيجار شقتها في الشهر. لثلاث ثواني، الصالة كلها في الدور الـ 61 في برج ميريديث مابقتش بتتنفس. الشوك وقفت في الهوا، ونغمة كمنجة من السبيكرز الغامضة تاهت في وسط المكان واختفت. ومن ورا الإزاز، كانت شوارع القاهرة بتنور في الضلمة، ومنورة زي مدينة تانية خالص مالهاش دعوة باللي بيحصل فوق.
مدحت الشافعي، الملياردير بتاع العقارات، صاحب الأوتيلات والمنتجعات والأبراج الفخمة، واللي ضحكته كانت كفيلة تبيع الهوا للبنوك لـ 30 سنة، ساند ضهره على الكرسي وشاور على الفلوس بصباعه.
وقالها: “الميها.”
نادية بصت على الفلوس، وبعدين بصتله في عينه.
على الناحية التانية من الترابيزة، مراته، ليلى، كانت ماسكة كاس العصير بإيد بتترعش، ومادقتش منه بوق من ساعة كاملة. والمسؤول الياباني اللي قاعد جنبها، كورودا، كان قاعد زي الصنم، ملامحه مابتنطقش، غير بس شدة خفيفة ظهرت في جنين عينه.
صوت مدحت وطي وبقى فيه غل، عشان نوعية الرجالة دي بتفتكر إن القسوة بيبقى شكلها شيك وغالي لما تتقال بالراحة وبصوت واطي.
وقالها: “دي البقشيش بتاعك، عشان عاملة نفسك مش فاهمة كلامنا طول السهرة. وطي وهاتيها.”
نادية شالت أطباق وصواني في شفتات تمن ساعات ورجلها ورمت من المشي. اتعلمت تبتسم والناس بتفرقعلها بصوابعها في وشها. حفظت منيو الأكل، وقوائم الحساسية، والناس بتحب تقعد فين، وإشاعات الطلاق، وأعياد الميلاد، وأسامي ناس عمرهم ما فكروا يسألوها عن اسمها هي شخصياً. وقفت في قاعات كتير فاكرين فيها إن اليونيفورم بيلغي العقل. بس جدتها، ستوتة، علمتها حاجة من زمان أوي قبل ما تشتغل في المطعم الفخم ده.
كانت بتقولها: “يا بنتي، الناس هتبص لإيدك وتحزر إيه اللي في دماغك. اتأكدي دايماً إن اللي في دماغك أكبر بكتير من أي حاجة هما يتخيلوها.”
عشان كده، نادية ما وطتش.
صوتها فضل هادي، وقريب من الحنية.
“أنا مابلمش فلوس من الأرض يا فندم. ما ات ربيتش على كده.”
الدم طلع في رقبة مدحت الشافعي وبقى وشه أحمر. كان مستني يشوف كسرة، خوف، أو دموع. ماكنش متوقع إن في وياتر هترفض كلامه في صالة مليانة شهود. ماكنش متوقع إنها تفضل واقفة ودفاتر المنيو تحت دراعها وكأن كرامتها جزء من الشغلانة.
سألها وهو مش مصدق: “إنتي بترفضي البقشيش؟”
ردت نادية: “أنا برفض أوطي.”
دي كانت اللحظة اللي السهرة فيها مابقتش مجرد عشا، وبقت حكاية الناس هتفضل تحكيها لسنين.
بس الحقيقة، الحكاية بدأت قبل كده بساعة كاملة، لما مدحت الشافعي بص على إيد نادية وهي بتقدم طبق السمك، وقال بالياباني وهو بيضحك عشان فاكر إن مفيش وياتر سمرا في مصر هتفهم لغته: “إيدين زي دي مكانها تمسك مساحة مش تلمس أكل نضيف بالمنظر ده.”
نادية سمعت كل كلمة.
وسمعته كمان وهو بيترجم بند في العقد غلط، بند قيمته 40 مليون دولار.
وقبل ما الليلة تخلص، الشخص الوحيد اللي كان هيقدر ينقذ صفقة مدحت الشافعي ويحميه من الخسارة، كانت الست اللي حاول يهينها قدام الناس كلها.
نادية كان عندها 32 سنة، بس الناس كانت بتديها سن أصغر لما تضحك، وأكبر لما تبان تعبانة. اشتغلت في المطعم ده بقالها أربع سنين، وقت كفاية يخليها تفهم إن الفلوس مابتخليش البني آدمين نضاف من جوة. المطعم كان واخد أعلى دور في البرج، بيبص على النيل، والعشا فيه لواحد بس ممكن يكلف ميزانية بيت بحاله في الشهر. السجاد كان صوف غالي، والبار من الرخام الإيطالي، ومكان العصاير كان بينور زي مكان مقدس للناس اللي بتعبد الماركات.
نادية كانت واقفة على رجلها من الساعة 2 الضهر. وعلى الساعة 8 ونص، كتافها كانت قفلت من شيل الصواني، وكعب رجلها الشمال بدأ يحرقها. في جيب المريلة السودا كان فيه نوتة صغيرة جلد بني، قديمة ومتبهدلة من كتر الاستعمال. جوة النوتة دي كانت كاتبة صيغ الاحترام بالياباني، مصطلحات قانونية بالفرنساوي، نبرات اللغة الصينية، أمثال بالإسباني، أفعال بالبرتغالي، وملاحظات صغيرة كانت بتكتبها لنفسها بالرصاص لما تحس إنها مش قادرة تكمل.
ما تخافيش.
دوري على المعلومة.
قوليها صح.
اسألي سؤال كمان.
النوتة دي كانت معاها بقالها 11 سنة.
الترابيزة اللي في الركن الغربي كانت تابعة ليها عشان الكابتن الأساسي كان عيان، وعشان نادية معروفة بإنها بتعرف تتعامل مع الناس الصعبة من غير مشاكل. ماكنتش تعرف مين مدحت الشافعي لما وصل، بس عرفت بسرعة. الغنى كان باين عليه قبل ما ينطق. بدلته الكحلي كانت متفصلة بالملي، وساعته كانت بتبرق كل ما يرفع كاسه. شعره كان أبيض من الجناب، نادية فكرت إنه مش من السن، ده من كتر الاهتمام الغالي والمصاريف. كان بيمشي في المطعم وكأن المكان كله مبني مخصوص عشانه.
ليلى مراته كانت ماشية وراه بخطوة. كانت شيك جداً ببلوزة حرير بيضا وجيب سودا، بس كان فيه حاجة هدت حيلها، حاجة مكسورة في وقفتها. من 15 سنة، قبل ما تتجوز مدحت، ليلى كانت صحفية تحقيقات شاطرة في الجرايد الكبيرة. نادية عرفت ده عشان قرت ليها تحقيق قديم في الأرشيف عن عاملات البيوت اللي بيتكلموا كذا لغة بس الناس بتعاملهم كأنهم هوا. التحقيق ده كان واقف فجأة، وكأن فيه حد أجبر الكاتبة تقف قبل ما توصل للحقيقة كاملة.
كورودا وصل آخر واحد. كان في أواخر الخمسينات، منظم ودقيق جداً، هادي لدرجة تخلي مدحت يبان عالي وصوته زاعق بالمقارنة معاه. كان بيمثل شركة يابانية كبيرة للتكنولوجيا، وجايين يعملوا شراكة في مصر مع شركات الشافعي. العشا ده كان المفروض يبقى احتفال صوري، المحامين خلصوا العقود خلاص، ومجلس الإدارة في طوكيو مستني التأكيد النهائي قبل نص الليل بتوقيت اليابان.
بس كان فيه مشكلة واحدة بس…..

حكايات شروق خالد

المشكلة كانت في بند صغير مكتوب في الصفحة الـ 14 من العقد اللي مدحت الشافعي كان لسه ماضي عليه بنشوة وانتصار.
بينما مدحت كان عمال يصب عصير لـ “كورودا” وهو بيضحك بجرأة، نادية كانت واقفة على بعد خطوتين بتنضف فتافيت العيش من على الترابيزة. عينيها جابت السطور المطبوعة بالياباني والإنجليزي اللي كانت مفتوحة قدام المسؤول الياباني. وبسبب الساعات الطويلة اللي قضتها تذاكر من نوتتها الجلد البني، لقطت الكلمة فوراً.
مدحت كان فاكر إن كلمة “شينسا” (Shinsa) اللي مكتوبة في البند معنتها “مراجعة دورية”. يعني فاكر إن الشركة اليابانية هتبعت ناس كل سنة تبص على المشاريع وتتوكل على الله. بس نادية كانت عارفة كويس إن الكلمة دي في القانون التجاري الياباني، وخصوصاً لما تيجي وراها كلمة “كوجو”، بيبقى معناها “حق الاستحواذ الكامل وإعادة التقييم الإجباري” في حالة لو الأرباح نزلت عن نسبة معينة.
يعني ببساطة، مدحت الشافعي كان بيمضي على وثيقة بتديهم الحق ياخدوا منه الأبراج بتاعته بتراب الفلوس لو السوق ريح شوية، وهو مش داري ومفتكر نفسه بيمضي على عقد شراكة.
كورودا رفع عينه وبص لمدحت، وابتسم ابتسامة خفيفة جداً، ابتسامة الشخص اللي عارف إنه كسب المعركة قبل ما تبدأ. وفي نفس اللحظة، مدحت حب يظهر عظمته قدام مراته والراجل الأجنبي، فطلع الورقة الـ 100 دولار ورماها على الأرض وقال جملته: “الميها.. دي البقشيش بتاعك عشان عاملة نفسك مش فاهمة.”
لما نادية رفضت توطي وقالت: “أنا برفض أوطي”، الصمت اللي ساد المكان كان تقيل لدرجة تخنق.
مدحت وشه جاب ألوان، وعروق رقبتها ظهرت، وبدأ يقف من على الكرسي وهو بيوجّه صباعه ليها: “إنتي عارفة إنتي بتكلمي مين؟ أنا بكلمة واحدة أخليكي تلمي هدومك وتتشحطي برة المكان ده، ومش هتعرفي تشتغلي حتى في كشك سجاير!”
ليلى، مراته، حطت إيدها على بوقها، وعينيها كانت بتتنقل بين جوزها ونادية بنظرة فيها خوف، بس كان فيها كمان لمحة إعجاب مكتومة بنظرة البنت اللي واقفه ومابتتهزش.
نادية ما رجعتش خطوة ورا. فضلت واقفة، ضهرها مفرود، وبصت لمدحت بكل برود، وبعدين نقلت عينيها لـ “كورودا” اللي كان بيتابع الموقف بدهشة وتدقيق.
نادية خدت نفس طويل، واتكلمت.. بس المرة دي ما اتكلمتش عربي.
اتكلمت بلغة يابانية فصحى، لغة رسمية وراقية جداً لدرجة تخلي أي حد من أهل طوكيو يفتكرها شغالة في السلك الدبلوماسي.
قالت لـ كورودا وهي بتميل بدماغها احترماً: “يا فندم، بعتذر عن الإزعاج اللي حصل في السهرة. بس بما إننا بنتكلم عن الكرامة والاحترام، افتكر إن من الأمانة برضه أقول للشريك المصري إن كلمة ‘شينسا’ اللي في البند رقم 4 مش معناها مراجعة حسابات.. معناها حق الاستحواذ الإداري الكامل.”
كورودا فنجل عينيه، والشوكة وقعت من إيده على الطبق وعملت رنة عالية. وقف على حيله وبص لنادية وكأنه شايف شبح.
مدحت كان واقف زي الأطرش في الزفة، وشه اتقلب من الغضب للذهول التام: “إيه؟ إنتي بتقولي إيه؟ إنتي بتتكلمي ياباني إزاي؟”
نادية ما ردتش عليه. كملت كلامها لـ كورودا بنفس الهدوء: “الشركة اليابانية عريقة، وأكيد ما ترضاش إن عقد شراكة كبير زي ده يتم بناءً على سوء تفاهم في الترجمة.. أو استغلال لعدم معرفة الشريك باللغة.”
كورودا وشه جاب دم، وبص للعقد اللي قدامه، وبعدين بص لمدحت الشافعي بنظرة تانية خالص. النظرة المرة دي ماكنتش نظرة احترام لملياردير، كانت نظرة شفقة لراجل أعمى، مش فاهم حتى هو بيمضي على إيه، والويتر اللي بيهينها طلعت أفهم منه.
كورودا قفل العقد بتاعه فجأة، وبص لمدحت وقال بالإنجليزية بصوت حاد: “السيد الشافعي.. الصفقة دي محتاجة إعادة نظر بالكامل. الترجمة اللي المحامين بتوعك اعتمدوا عليها مش دقيقة، وده بيخل بالثقة.” وبعدين التفت لنادية، وحنى راسه ليها اعتذاراً واحتراماً، وقالها بالياباني: “شكراً ليكي يا آنسة. إنتي أنقذتي سمعة شركتنا من خديعة ما نرضاهاش.”
مدحت الشافعي حس فجأة إن البرج كله بيلف بيه. الـ 40 مليون دولار طاروا في الهوا. بصلها وهو مش قادر ينطق، شفايفه بترتعش، وكل جبروته اتهد في ثانية قدام البنت اللي كانت واقفة قدامه لابسة مريلة سودا.
نادية بصت للـ 100 دولار اللي كانت لسه مرمية على الأرض. داس عليها برجلها وهي بتبتسم لمدحت ابتسامة خفيفة، وقالتله بالعربي وهي بتتحرك عشان تمشي:
“العشا بتاعكم نزل على حساب المحل يا فندم.. دي الضيافة بتاعة الويترز اللي فاكر إن مالهمش عقل.”
سابتهم ومشت، والناس في الصالة كلها كانت بتبص عليها وهي بتتحرك وسط التربيزات زي الملكة، بينما مدحت الشافعي قعد على كرسيه تاني وهو حاسس لأول مرة في حياته.. إنه هو اللي وطي، ووطي أوي كمان.

بين كبرياء الملياردير وعقل الويتر
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *