كعكة عيد الميلاد وحقيبة المليون جنيه حكايات شروق خالد

“كعكة بقالة رخيصة أخرى، يا حماتي؟ كم هذا مأساوى… أووبس.”
صدى الكعكة المبللة التي تضرب بلاط الفناء حيث كان الجميع على وشك بدء الغناء لعيد ميلادي الـ 65. كريمة الفانيليا الفوضوية نزفت في تشققات الأرض، والفراولة تدحرجت تحت الكراسي، وانحنت الشمعة الذهبية “65” على الجانبين – كما لو أنهكها الذل.
شيرين، زوجة ابني، لم تهتم حتى بالتظاهر بالندم. لقد قامت ببساطة بتعديل خصلات شعرها بنعومة، ونظرت إلى الكارثة عند قدميها ومضت ابتسامتها الرقيقة السامة القاسية.
“أوه، أنا آسفة للغاية يا ماجدة،” أنطقت اسمي مجرداً كما لو كانت تخاطب خادمة بدلاً من مالكة المنزل. “إنزلق مرفقي. خطأي.”
وقف ابني مصطفى متجمداً بجانب شواية الفحم، وجهه من الخجل ولكن شفتيه مغلقتاً في صمت عاجز.
بدلاً من البكاء، التفتُّ ببرود نحو الطاولة حيث كانت تقبع حقيبة يدها الفاخرة التي تجاوز سعرها المليون جنيه، والتي تفاخرت بها طوال الأمسية. أمسكتُ بالحقيبة الثمينة وقذفتها بكل قوتي مباشرة وسط فحم الشواية المشتعل.
انفجر ابني مصطفى من الغضب وهو يرى النيران تلتهم الحقيبة وتذيب جلدها الفاخر، بينما تحولت ابتسامة شيرين إلى صرخة رعب. اعتقدتُ أننا متعادلان؛ كعكة مقابل حقيبة، حتى الصباح التالي، عندما أيقظتني مكالمة هاتفية من مصطفى وصوته يرتجف بذعر حقيقي، ليعلن لي عن أخبار صادمة ومستندات سرية كارثية كانت مخبأة داخل بطانة تلك الحقيبة الذائبة، لتنقلب حياتهما رأساً على عقب.

حكايات شروق خالد

“أمي… أنتِ دمرتِ كل شيء!” كان صوت مصطفى متحشرجاً، يملؤه بكاء مكتوم لم أعهده فيه منذ أن كان طفلاً. “الحقيبة التي أحرقتِها بالأمس… لم تكن مجرد إكسسوار باهظ الثمن نتباهى به أمام الأقارب. شيرين في مأزق، والآن نحن جميعاً في مأزق!”
شعرتُ ببرودة تسري في أطرافي، وجلستُ على طرف السرير أستمع ونبضات قلبي تتسارع: “مأزق ماذا يا مصطفى؟ تحدث بوضوح، ما الذي كان في هذه الحقيبة يجعلكم تصرخون هكذا؟”
أنفاسه تلاحقت عبر الهاتف وهو يجيب بصوت مخنوق: “شيرين… شيرين تورطت منذ أشهر مع مسؤولين في الشركة التي تعمل بها. كانوا يمررون صفقات مشبوهة وعقود أراضٍ بأسماء وهمية، وحين شعرتْ أن البساط يسحب من تحتها، وأن الإدارة بدأت تحقيقاً داخلياً، قامت بنسخ كافة المستندات والتحويلات البنكية السرية على ‘فلاشة’ صغيرة مشفرة، بالإضافة إلى أوراق ملكية أراضٍ وعقود أصلية تثبت إدانتهم هم، وتبرئ ساحتها في حال تم اتهامها بالاختلاس!”
صمتَ للحظة ليلتقط أنفاسه المتهدجة، ثم تابع: “كانت تخاف أن تترك هذه الأوراق في البيت أو في المكتب، فخاطرت ووضعتها داخل بطانة الحقيبة الفاخرة لأنها لا تفارق يدها أبداً. بالأمس، عندما ألقيتِ بالحقيبة في النار… ذابت الفلاشة تماماً وتحولت الأوراق إلى رماد! واليوم صباحاً، اقتحمت الشرطة ومحامو الشركة مكتبها، وتم القبض عليها بتهمة اختلاس ملوين ونصف المليون جنيه، بعد أن اختفت الأدلة الوحيدة التي كانت تدين الرؤوس الكبيرة في الشركة وتنقذ رقبتها!”
ساد الصمت لثوانٍ بدت كأنها دهر. تذكرتُ مشهد الحقيبة وهي تشتعل، ورائحة الجلد المحترق التي ملأت الحديقة. لم يكن مجرد انتقام لكعكة عيد ميلادي، بل كانت نيراناً التهمت طوق النجاة الوحيد لزوجة ابني المتغطرسة.
“أمي…” قال مصطفى بنبرة انكسار التهمت كل كبريائه السابق: “الشرطة الآن تطلب استجوابكِ أيضاً… لأنكِ أحرقتِ حرزاً وأدلة جنائية تسببتِ في ضياعها. ماذا سنفعل الآن؟”
أغلقتُ الهاتف ببطء، ونظرتُ من النافذة إلى حديقة المنزل الهادئة، حيث كانت بقايا كعكة الفانيليا المدمّرة ما زالت منثورة على الأرض. لقد انزلق مرفق شيرين بالأمس ليدمر احتفالي ويهين كرامتي، لكنها لم تكن تعلم أن كوعها الذي انزلق، قد دفع بها وبمستقبلها مباشرة إلى الهاوية.

حكايات شروق خالد

لم تمضِ سوى ساعتين حتى وجدتُ نفسي جالسة في مكتب التحقيق بمركز الشرطة. كان الهواء بارداً، ورائحة القهوة الممتزجة بالأوراق الرسمية تزيد من توتر الأجواء. بجانبي وقف مصطفى، وعيناه حمراوان من قلة النوم والذعر، بينما جلست شيرين على المقعد المقابل، وكان الكبرياء قد تبرأ منها تماماً؛ مكياجها ملطخ، وشعرها الذي كانت تصففه بنعومة بالأمس بات أشعث، ودموعها لا تتوقف.
وجه المحقق نظراته الحادة إليّ قادماً بملف القضية: “يا مدام ماجدة… زوجة ابنك تتهمكِ بإتلاف أدلة جنائية خطيرة كانت كفيلة بتبرئتها من تهمة اختلاس ملايين الجنيهات. هل كنتِ تعلمين ما بداخل الحقيبة؟”
تنحنحتُ، وحافظتُ على ثبات صوتي رغم الارتجاف الطفيف في داخلي: “يا سيادة المحقق، أنا سيدة مسنة أحتفل بعيد ميلادي الخامس والستين. زوجة ابني أقامت الدنيا ولم تقعدها لتتباهى بحقيبة يدها الفاخرة التي يتجاوز سعرها المليون جنيه. وعندما قامت – بكل تعمد – بإلقاء كعكة عيد ميلادي في التراب والسخرية مني أمام الضيوف، ثار غضبي. قذفتُ بالحقيبة في الشواية انتقاماً لكرامتي وكعكتي، ولم أكن أعلم أبداً أن هذه الحقيبة الثمينة ليست سوى خزنة لمستندات مشبوهة وفلاشة مسروقة!”
نظر المحقق إلى شيرين بسخرية لا تخفى: “يعني المتهمة كانت تتحرك بأدلة اختلاس وتزوير داخل حقيبة يد، وضاعت الأدلة بسبب خلاف على كعكة عيد ميلاد؟”
صاحت شيرين بانهيار، وهي تشير إليّ بإصبع ترتجف: “هي فعلت ذلك عمداً! إنها تكرهني وتريد تدميري! تلك الفلاشة كانت تحتوي على النسخ الأصلية للتحويلات التي تثبت أن مدير الشركة هو المحرض الرئيسي، وأنني مجرد أداة! الآن، كيف سأثبت ذلك والقضاء لا يعترف إلا بالأدلة المادية؟!”
ضرب المحقق على مكتبه بقوة ليعم الصمت: “يكفي! القانون لا يحمي المغفلين يا مدام شيرين. وضعكِ لأدلة قضية اختلاس كبرى في حقيبة يد معرضة للضياع أو التلف هو خطؤكِ وحدكِ. أما بالنسبة للمدام ماجدة…” التفت إليّ بنبرة هادئة: “… فالفعل يندرج تحت بند إتلاف ممتلكات شخصية نتيجة خلاف عائلي، وليس إتلاف أدلة جنائية عن عمد، لعدم معرفتها بمحتواها.”
تم الإفراج عني بضمان محل إقامتي، بينما اقتيدت شيرين إلى الحجز تمهيداً لعرضها على النيابة بتهمة الاختلاس الكلي بعد ضياع طوق نجاتها.
خارج مبنى القسم، وقف مصطفى أمامي، ينظر إلى الأرض بعجز وخزي. لم يستطع حتى أن يعاتبني، فقد علم متأخراً أن صمته بالأمس أمام إهانة زوجته لي هو ما قادهما إلى هذه النقطة.
عدتُ إلى منزلي، وقفتُ في الحديقة أنظر إلى مكان الشواية الذي أصبح بارداً، وإلى بقايا الفانيليا التي جفت على البلاط. تنفستُ الصعداء وأنا أدرك أن العدالة، وإن تأخرت أو جاءت بطرق غريبة، تأخذ دائماً مجراها… وأن من يحفر حفرة لأقرب الناس إليه، يقع فيها ومعه حقيبة بمليون جنيه.

حكايات شروق خالد

مرت ثلاثة أشهر على تلك الليلة المشؤومة.
تحولت روتينات حياتي الهادئة إلى ترقب مستمر لنتائج جلسات المحاكمة. شيرين، التي كانت تظن أن ذكاءها س يحميها من كل شر، وجدت نفسها خلف القضبان تواجه حكماً بالسجن المشدد بعد أن عجز محاموها عن تقديم أي دليل يثبت تهمة التزوير على مديرها. انفض من حولها الجميع، حتى أولئك الأصدقاء الذين كانت تتباهى أمامهم بحقائبها وملابسها الفاخرة.
أما مصطفى، فقد انهار عالمه تماماً. لم يعد ذلك الزوج المطيع المقيد الصامت؛ بل أصبح رجلاً مثقلاً بالديون بعد أن طالبت الشركة برد المبالغ المختلسة، وعاد إليّ باهت الملامح، منكسر العينين، يبحث عن مأوى ومغفرة في البيت الذي سمح لزوجته يوماً أن تهين صاحبته.
في أحد المساءات، كان مصطفى جالساً معي في الشرفة، يشرب شايه في صمت ويمعن النظر في الفناء الأسمنتي الذي شهد كل شيء. التفت إليّ فجأة وقال بصوت مخنوق: “سامحيني يا أمي… أنا الذي سمحت لغرورها أن يصل بنا إلى هنا. لو أنني أوقفتها عند حدها عندما تجرأت عليكِ، لما وصلنا إلى السجن والخراب.”
وضعتُ يدي على كتفه وقلت بهدوء: “المسامح كريم يا بني، والدرس كان قاسياً على الجميع. لكنني لم أكن السبب في سجنها، هي من اختارت طريقها والظلم لا يدوم.”
تركتُه مع أفكاره ودخلتُ إلى المطبخ. فتحتُ الثلاجة، وأخرجتُ طبقاً صغيراً يحتوي على قطعة كعكة بسيطة صنعتها بيدي هذه المرة، مزينة ببعض حبات الفراولة الطازجة. جلستُ أتناولها بسلام لم أذقه منذ سنوات، معلنةً لنفسي أن احتفالي بعيد ميلادي الخامس والستين قد اكتمل أخيراً، ولكن بشروطي أنا.

كعكة عيد الميلاد وحقيبة المليون جنيه
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *