الشوربة المسمومة وكاميرا المراية! حكايات شروق خالد
حماتي حطت لي حبوب منومة في الشوربة وجابت راجل غريب لحد أوضة نومي عشان تخرب بيتي وتطلقني من جوزي.. بس هي نسيت حاجة واحدة بس: إني عمري ما نمت، والكاميرا المستخبية كانت بتسجل كل حاجة، حتى صوت كدبها ونفسها الخبيث!
في اللحظة دي دخل جوزي طارق وهو غضبان وعيلته كلها وراه، وأمه نازلة عياط وتلطم وتقول: “لحقتها.. لحقتها مع راجل غريب في أوضتك يا ابني!”
أما أنا، فكنت واقفة وبطني فاضية تماماً من الشوربة دي، وبكل برود سألتها: “تحبي نتفرج على الفيديو الأول يا طنط؟”
الحاج الكبيرة، حماتي هدى، كانت بتكرهني من أول يوم دخلت فيه البيت.. مش عشان أنا زوجة مقصرة، ولا عشان كسلانة، ولا عشان مش صاينة بيتي.. كرهتني لمجرد إن ابنها طارق اختارني وحبني من غير ما ياخد إذنها الأول! ومن يوم ما اتجوزنا وهي مش وراها سلالة غير إنها تفكرني إن الشقة دي مش بتاعتي، وكانت دايماً من ورا طارق تهمس لي في ودني وتقول لي: “مرات الابن دي بتدخل بالثوب الأبيض وتخرج بشنطة هدومها السودا”.
كنت بسكت.. في الأول قولت عشان خاطر طارق وبدافع الاحترام، وبعدين بقيت بسكت من كتر التعب، وفي الآخر؟ في الآخر كنت بسكت عشان بجمع لها الأدلة وأوقعها في شر أعمالها!
في الليلة دي، لقيتها عاملة شوربة لسان عصفور بالفراخ.. حاجة غريبة، حماتي عمرها ما طبخت لي لقمة! حطت الطبق قدامي بابتسَامة صفرا وقالت لي: “كلي يا حبيبتي، كلي ده أنتِ باين عليكي التعب خالص”.
أول ما المعلقة لمست شفايفي، شميت ريحة غريبة.. ريحة مرارة ودوا مطحون. أمي الله يرحمها كانت بتاخد حبوب منومة من سنين، وعمري ما أنسى الريحة دي!
مبلعتش.. عملت نفسي باكل، وميلت وشي شوية ونزلت الشوربة في المنديل اللي كان على حجري، وحماتي عينيها في عيني مبرمشتش، كانت مستنية عيني تقفل.
سألتني: “مالك يا حبيبتي؟ أنتِ كويسة؟”
قولت لها بتصنع: “آه… مش عارفة مالي كبس عليا النوم فجأة”.
ابتسامتها وسعت وعينيها لمعت بالشر، وفهمت وقتها إن الست دي مش عايزاني أنام بس، دي عايزة تهد حياتي.
قمت ببطء وأنا عامله نفسي دايخة ومش قادرة أصلب طولي ودخلت أوضة نومي. قبل ما أترمي على السرير، لمست الزرار الأسود الصغير اللي مستخبي ورا المراية.. الكاميرا كانت لسه بتسجل. أنا حطاها من تلات أسابيع بعد ما لقيت غياري الداخلي متبهدل، وقزازة برفيومي مكسورة، ورسايل غريبة مبعوتة من تليفوني.. وطارق لما اشتكيت له مصدقنيش وقال لي: “أمي مستحيل تعمل كدة، دي ست بتعرف ربنا وتخاف منه!”
فعلاً.. كانت بتصلي والسبحة في إيديها، والسم تحت لسانها!
نمت على السرير، غمضت عيني، وهديت نفسي خالص.. فاتت ربع ساعة، وسمعت صوت الباب بيتفتح بالراحة. دخلت حماتي هدى الأول، خطواتها كانت خفيفة وواثقة زي واحدة متعودة على الخبث.. قربت من وشي ولمست خدي وهمست: “راحت في السبع تلاتات”.
كنت عايزة أقوم ألتشها قلم يربيها، بس مسكت نفسي.
فجأة سمعت صوت راجل غريب بيقول لها: “طب وفرضاً صحيت؟”
ردت عليه بثقة: “مش هتصحى، أنا حاطة لها جرعة تخليها متقومش قبل بكرة”.
دخل الراجل الأوضة، وريحة السجاير المعفنة والبرفيوم الرخيص قلبت المكان.. حماتي أمرته يقلع جاكيت البدلة ويقعد على طرف السرير وقالت له: “نام جنبهما شوية.. أول ما ابني يوصل ويدخل، ابدأ اتحرك وأنا هصوت وألم الناس، وهو هيشوف بعينه وكل حاجة تنتهي”.
الراجل رد بطمع: “وفلوسي؟”
قالت له: “هتاخدها أول ما نطردها برة البيت بالفضائح”.
جسمي كله قشعر من كتر الغل.. الموضوع مكنش بس إنها تطلقني من طارق، دي كانت عايزة ترميني في الشارع بفضية، تكسر عيني وتضيع شرفي قدام الناس وميبقاش ليا سقف يحميني!
الراجل قرب مني جداً، وأنا كنت قفلت قبضة إيدي تحت اللحاف وعصابي بتتحرق.. حماتي نكشت شعرها، ورمت كباية على الأرض كأنها اتكسرت في خناقة، وفكت لي زرارين من بلوزتي عشان تحبك التمثيليلة.
كل ثانية.. كل كلمة.. كل لمسة قذرة كانت بتتسجل صوت وصورة.
بعدها طلعت تجري في الصالة وبدأت المسرحية وصوتها جاب آخر الشارع: “الحقني يا طارق! يا لهوي يا ابني الحق مراتك في الأوضة مع راجل غريب!”
الباب اتفتح بعنف وسأع صوت طارق مخضوض: “في إيه؟! إيه الصوت ده؟”
صوتها علي بالولولة: “قولت لك! قولت لك ميت مرة البنت دي متصلحش ليك ولا تصون عرضك!”
وفجأة الأوضة اتملت ناس.. طارق، وأخته، وعمه، وحتى الجيران، وابن عمه اللي دايماً بيبص لي بصات مش تمام.. الراجل الغريب عمل نفسه مخضوض وجري عشان يهرب، وبس قبل ما يوصل لباب الأوضة، فتحت عيني وقعدت.
وقلت بصوت زلزل الأوضة: “لو خطيت خطوة واحدة برة الباب ده، هتتسجن، والكاميرا جايباك صوت وصورة!”
الكل اتجمد في مكانه.. حماتي حطت إيدها على بقها وشهقت: “دي صاحية!”
قمت وقفت، وكان دماغي بتلف من كتر الغضب مش النوم.. طارق كان وشه أصفر زي الليمونة ومش قادر ينطق، وبص لي بذهول: “منة… في إيه؟ إيه المهزلة دي؟”
رديت عليه بكل قوة: “هو ده السيرك اللي والدتك المصونة عملته.. حطت لي منوم في الشوربة، وأجرت الصايع ده ودخلته أوضتي، وعملت الحفلة دي كلها عشان تطردني برة بيتك.. اتفضل اتفرج بنفسك وشوف أمك اللي مابتغلطش”.
#حكايات_شروق_خالد
أول ما الجملة طلعت من بقي، الأوضة اتعمت بسكون غريب، مفيش غير صوت أنفاس حماتي المتسارعة ونظرات طارق اللي كانت بتتنقل بيني وبين أمه وبين الراجل الغريب اللي واقف ركبه بتخبط في بعضها عند الباب.
طارق قرب مني، إيديه كانت بترتعش، وعينيه مليانة أسئلة وخوف من الحقيقة: “كاميرا إيه يا منة؟ أنتِ بتقولي إيه؟ أمي تعمل كدة؟!”
حماتي هدى بسرعة حاولت تلم الموقف، وشها اللي كان أصفر من الصدمة فجأة اتقلب لغضب وصوت عالي عشان تداري خيبتها، وبدأت تصرخ وتلطم تاني: “بتتبلى عليا! الفاجرة بعد ما اتفصحت جاية تتبلى على حماتها الشرفاء! متصدقهاش يا طنطاوي يا ابني، دي بتألف تمثيلية عشان تداري مصيبتها مع الصايع ده!”
الراجل الغريب لما لقى السيرة فيها سجن وكاميرات، وشه جاب ألوان، وبص لحماتي وقال برعب: “سجن وكاميرات إيه يا ست أنتِ؟! أنتِ مقلتيش إن في تصوير! أنا ماليش دعوة يا بيه، الست دي هي اللي جابتني من القهوة ووعدتني بألفين جنيه لو جيت قعدت هنا خمس دقائق بس لحد ما أنت تيجي! والله العظيم ما لمستها ولا أعرفها!”
عمه وباقي الجيران بدأوا يتهامسوا، والنظرات كلها اتقطعت وراحت لحماتي اللي لسانها اتعقد للحظة.
مشيت بكل ثقة لحد المراية، مديت إيدي وراها وشيلت الكارت الصغير والزرار الأسود، ولفيت لطارق وقولت له بابتسامة ثقة: “الفيديو لا بيكدب ولا بيتبلى يا طارق.. الفيديو متسجل فيه من أول ما طنط دخلت الأوضة وبتقول للراجل ده (نام جنبها شوية.. وأول ما ابني يدخل اتحرك وأنا هصوت)، ومتسجل فيه كمان وهي بتقول له (هتاخد فلوسك أول ما نطردها برة البيت بالفضائح).. تحبوا نشغل الشاشة الكبيرة برة في الصالة والكل يتفرج؟”
أخت طارق رجعت لورا وهي مش مصدقة، وعمه بص لحماتي وقال لها باستنكار: “جرى إيه يا هدى؟ الكلام ده حقيقي؟ أنتِ تعملي في شرف ابنك كدة عشان تطردي البنت؟!”
حماتي بدأت تترعش، وجريت على طارق تمسك في هدومه وتبكي بنحيب: “يا ابني متصدقهاش، دي شيطانة.. دي عايزة تخرب بيتك وتوقع بيني وبينك!”
طارق هنا كان وصل لقمة الغضب، بس الغضب المرة دي مكنش مني.. كان من الصدمة اللي بتنهش في قلبه. زق إيد أمه بالراحة وهو مش قادر يبص في وشها، وبصلي وعينيه مكسورة وقال: “وريني يا منة.. وريني الفيديو”.
فتحت الموبايل اللي مربوط بالكاميرا وبدأت أشغل الفيديو قدام طارق وعمه.. الصوت كان واضح ونقي جداً، طالع منه صوت حماتي وهي بتخطط وبتفك زراير بلوزتي وبتنكش شعرها.. كل ثانية من الكدبة المقرفة كانت بتتعرض قدام عيونهم.
طارق وهو بيتفرج، وشه كان بيتحول لكتلة من الذهول والقهر.. الدموع حستها هتنزل من عينيه وهو شايف أمه، الست اللي كان دايماً يقول لي عنها (دي بتعرف ربنا)، وهي ببيع شرف ابنها وبتدمر بيته بإيديها لمجرد الأنانية والسيطرة.
أول ما الفيديو خلص، طارق لف للراجل الغريب وقال له بصوت مرعب: “اطلع برة.. غور من وشي قبل ما أدفنك هنا!” الراجل مجريش، ده طار من الشقة ومن العمارة كلها.
التفت طارق لأمه اللي كانت قاعدة على الأرض بتعيط بهستيريا بعد ما اتكشفت تماماً قدام العيلة والجيران.. طارق بص لها ونزل لمستواها وقال لها بكسرة نفس عمري ما هنساها: “ليه يا أمي؟.. أنا عملت لك إيه عشان تعملي فيا كدة؟ تبيعي شرفي وتجيبي راجل غريب أوضتي؟ عشان إيه؟! عشان بتكرهي مراتي؟!”
حماتي حاولت تتكلم وتبرر: “يا ابني كنت عايزة مصلحتك.. البنت دي مش شبهنا، البنت دي…”
قاطعها طارق بزعيق زلزل الحيطان: “بس!! مش عايز أسمع صوتك! أنتِ دمرتيني ودمرتي صورتك في عيني ليوم الدين!”
بصيت لطارق وقولت له بكل برود وهدوء: “أنا كدة حقي ظهر قدامك وقدام عيلتك كلها.. والشوربة اللي أُمك حطت لي فيها السم والمنوم لسه موجودة برة، لو حابب تاخدها المعمل وتحللها عشان تتأكد زيادة”.
طارق بصلي وعينيه مليانة ندم وقال: “أنا آسف يا منة.. أنا ظلمتك”.
شنطتي السودا كانت جاهزة ورا الباب.. بس المرة دي مكنتش خارجة مطرودة بالفضائح زي ما حماتي تمنت.. أنا كنت خارجة رافعة راسي، وبأدلة توديهم في داهية.
مشيت لحد الباب، وقبل ما أخرج لفيت ولحماتي وقولت لها: “فاكرة يا طنط لما كنتِ بتقولي لي (مرات الابن بتدخل بالثوب الأبيض وتخرج بشنطة هدومها السودا)؟.. أديني خارجة بشنطتي السودا وبإرادتي، بس سايبة لك ابنك مكسور، وسيرتك على كل لسان في المنطقة.. بيتك هو اللي اتخرب يا هدى هانم، مش بيتي”.
نزلت من العمارة وأنا حاسة بنصر ملوش مثيل، وطارق ورايا بيحاول يتنصل ويبكي ويطلب السماح.. بس خلاص، الخيط اللي كان رابطني بالبيت ده اتقطع، والدرس اللي حماتي خدته هيعيش معاها لحد آخر يوم في عمرها.
الشوربة المسمومة وكاميرا المراية!
حكايات شروق خالد