خيوط الغدر حكايات شروق خالد

المستشفى كلمتني الساعة 11:47 بالليل بالظبط.
كنت واقفة في طرقة الفندق في الإسكندرية بعد عشا عمل مع عميل، ولسه لابسة الكارت بتاع المؤتمر والجزمة الكعب، وعمالة أراجع في دماغي البريزنتيشن اللي هقولها الصبح.
كنت هكنسل على المكالمة وماردش.
بس فيه حاجة جوايا قالتلي ردي.
“معايا مدام نادين شكري؟” صوت ست سألتني أول ما فتحت الخط.
“أيوه أنا”.
“احنا مستشفى الأطفال التخصصي في القاهرة.. ابنك دخل المستشفى وحالته حرجة جداً”.
الدنيا لفت بيا والوقت وقف.
فاكرة كويس إني فضلت باصة على السجادة اللي تحت رجلي، وصوت ضحك طالع من الأسانسير القريب مني.. كل حاجة حوالي كانت طبيعية ومستفزة، في نفس اللحظة اللي حياتي كلها اتهدت فيها بجملة واحدة.
“إيه اللي حصل؟” سألتها وبصوت يادوب مسموع.
الممرضة سكتت وترددت ثانية.
“يا فندم.. لازم تيجي حالاً”.
مش فاكرة إزاي رجعت الأوضة بتاعتي.
كل اللي فاكراه إني رميت الشنطة على الأرض وإيدي بتترعش وأنا بطلب رقم أمي.
المفروض إنها قاعدة بـ يوسف ابني تلات أيام لحد ما أرجع من السفر.
وأختي الصغيرة، رانيا، كانت قاعدة معاهم هناك كمان.
مكانش هاين عليا أسيبه معاهم من الأول.. حاجة جوايا كانت رافضة الفكرة تماماً، بس البنت اللي بتقعد بيه اعتذرت في آخر لحظة، وطليقي مسافر بره مصر في شغل، ولو كنت ضيعت سفرية الشغل دي كنت هخسر وظيفتي.
فأقنعت نفسي إن الأمور هتعدي وتكون تمام.
أمي ردت بعد رابع رنة.
صرخت في التليفون وأنا بعيط: “يوسف في المستشفى ليه؟ حصل له إيه؟”
لقيتها بتضحك!
مش ضحكة توتر.
ولا ضحكة صدمة.
ضحكة حقيقية.. باردة.. وفيا قسوة تخوف.
قالتلي بكل برود: “ما كانش لازم تسيبيه معايا من الأول”.
جسمي كله نمل ومبقتش حاسة بحاجة.
“يعني إيه الكلام ده؟”
قبل ما ترد، سمعت صوت رانيا أختي في الخلفية وهي بتتكلم.
أختي قالت بنبرة مفيش فيها أي رحمة: “هو اللي مابيسمعش الكلام.. يستاهل اللي جرا له”.
نفسي اتقطع لثواني.
ابني عنده ست سنين!
يوسف اللي بيعشق الديناصورات، والزبادي بالفراولة، وبيحب ينام بفردة شراب واحدة عشان بيقول إن رجليه الاتنين “بيسخنوا جامد”.. يوسف اللي بيعيط لو شاف فيلم فيه حيوان بيتأذى، ولسه لحد دلوقتي بيجري ينام في حضني لما صوت الرعد يخبط في الشبابيك.
مفيش أي منطق في الدنيا يخلي طفل زي ده يستاهل يكون في حالة حرجة!
حجزت أول سوبر جيت راجع القاهرة في الفجر.
طول الطريق كنت عايشة في كابوس من الرعب، الدموع مش بتوقف، وسيناريوهات مرعبة بتلف في دماغي ومابتخلصش.
هل وقع من مكان عالي؟
خبطته عربية؟
جرى له إيه؟
بس ورا كل فكرة مرعبة، كان صوت أمي بيرن في ودني: “ما كانش لازم تسيبيه معايا من الأول”.
وصلت المستشفى أول ما الشمس طلعت.
لقيت دكتور جراحة أطفال وظابط شرطة واقفين مستنييني بره العناية المركزة.
ساعتها بس عرفت إن الموضوع أكبر وأخطر من مجرد حادثة عادية.
الدكتور شرح لي إن يوسف عنده إصابات داخلية شديدة، وكدمات في ضلوعه، وكسر في إيده، وعلامات لضرب وتعذيب متكرر ماتقولش أبدًا إنها إصابات طفل بيلعب.
الظابط كمل كلامه وبصوت واطي قال إن الإسعاف ماجتش بطلب من أهلك.
فيه واحد من الجيران هو اللي طلب النجدة بعد ما سمع صوت صريخ عالي، ولقى يوسف مرمي ومغمى عليه جنب العشة اللي في حديقة البيت ورا.
ركبي خانتني ومبقتش قادرة أقف على رجلي.
من ورا إزاز العناية المركزة، شفت ابني الصغير مرمي من غير حركة وسط خراطيم وأجهزة، كان شكله صغير وضئيل جداً على السرير لدرجة إن نفسي كان بيوجعني وأنا شيفاه كده.
وفجأة، فهمت حاجة مرعبة.
أمي وأختي مش بس أذوه.. دول كانوا مخبيين حاجة تانية وخايفين منها.
بعد كام ساعة، المباحث طلبوا مني أفضل في المستشفى على ما يجيبوا أمي وأختي منفصلين عشان يحققوا معاهم.
على الصبح، الستات الاتنين وصلوا العناية المركزة، وكانوا بيتمسكنوا وبيعملوا نفسهم بيعيطوا عشان يلموا الناس حواليهم، والممرضات كانوا بيبصوا لهم بنظرات كلها شك.
بس أول ما خطوا رجلهم جوه أوضة يوسف، كل حاجة اتغيرت.
ابني بدأ يرفع إيده الصغيرة اللي بتترعش ببطء.. وشاور عليهم بالظبط.
وفي نفس اللحظة، جهاز ضربات القلب اللي جنب السرير بدأ يصفر ويصرخ بسرعة وجنون، ووجسم يوسف اتنفض وهو بيطلع كلمة واحدة بالعافية من وسط شفايفه الورمانة من الخوف: “وحوش”.
أمي رجعت لورا لورا وهي بتترعش ووقعت في الأرض.
ورانبا بدأت تصرخ بهستيريا.
وهنا، الظابط اللي كان واقف وراهم طلع كاميرا صغيرة ومخفية من جيب جاكتته، وقال الكلمتين اللي خلوا وشوشهم هما الاتنين تقلب بيضا زي الأموات: “احنا عرفنا كل اللي حصل في العشة ورا”.

حكايات شروق خالد

الظابط كمل كلامه وبكل حسم وهو بيبص لهم بضيق: “الجيران مكنوش بس بيسمعوا صريخ.. الجار اللي ساكن في الوش كان لسه مركب كاميرات مراقبة جديدة كاشفة الجنينة والعشة بتاعتكم بالكامل، وسجلت كل ثانية من العذاب اللي يوسف عاشه”.
أمي ورانيا ملامحهم اتجمدت، والصريخ الهستيري بتاع رانيا اتقلب لخرس تام. الظابط شاور للعساكر اللي واقفين على الباب، ودخلوا كلبشوا إيديهم هما الاتنين وسط ذهول الممرضات والدكاترة اللي في الممر.
أمي وهي بتتجرجر بره الأوضة بصتلي وعينيها مليانة غل وقالت: “بنتك وجوزك اللي ماتوا زمان مكنش ذنبنا.. والواد ده طالع شبه أبوه الخاين، كان لازم يتربى!”
ساعتها السير الحقيقي اتكشف.. الموضوع مكنش مجرد قسوة أو ضرب عادي، الموضوع كان غل وانتقام قديم مدفون في قلب أمي وأختي. السنين اللي فاتت كلها، من وقت ما اطلقت من جوزي بسبب مشاكل عائلية وتدخلهم في حياتي، وهما شايلين من ابني يوسف لإن ملامحه وحركاته وصوته بيفكروهم بأبوه اللي كانوا بيكرهوه وعايزين ينتقموا منه بأي طريقة.. والفرصة جت لهم لما سيبت البيت وسافرت.
الظابط أخد الخيط ده وفضل وراهم في التحقيقات لحد ما النيابة واجهتهم بفيديوهات الكاميرا. الفيديوهات كانت مرعبة؛ أمي كانت بتقفل عليه العشة في الضلمة والبرد عشان “بيزن”، ورانيا كانت بتضربه بخرطوم لما كان بيعيط ويطلب يكلمني في التليفون. طفل عنده ست سنين اتمارس عليه أبشع أنواع السادية من أكتر ناس كان المفروض يحموه.
المحكمة أخدت مجراها بسرعة بسبب بشاعة القضية ورأي العام اللي اتقلب ضدهم بعد ما الجار نشر تفاصيل اللي حصل، واتحكم على أمي وأختي بالسجن المشدد بتهمة تعذيب طفل وتعريض حياته للخطر والشروع في القتل.
أما أنا، فسبت الشغل والسفر وكل حاجة في الدنيا وقعدت تحت رجل يوسف في المستشفى. بقيت بنام على الكرسي اللي جنب سريره، وماسكة إيده الصغيرة اللي اتجبست، وكل ما يتفزع في النوم أضمه لصدري وأقوله: “أنا هنا يا حبيبي.. مفيش وحوش تاني.. مفيش عشة ومفيش ضلمة”.
يوسف أخد وقت طويل عشان يتعافى، مش بس جسمانياً، لكن نفسياً كمان. بمساعدة دكاترة نفسيين متخصصين وبحضني اللي مكنش بيفارقه، بدأ يرجع يضحك تاني بالتدريج.. رجع يطلب الزبادي بالفراولة، ويرسم ديناصورات، وينام برضه بفردة شراب واحدة عشان رجليه “بتسخن”.
طليقي لما عرف باللي حصل، نزل مصر فوراً وقررنا إننا، رغم انفصالنا، هنكون إيد واحدة عشان يوسف ومستقبله، وفهمت وقتها إن ربنا نجى ابني عشان يبعدني عن عيلة سامة ومريضة كنت فاكراهم سندي، وبدأنا أنا وهو حياة جديدة، مفيش فيها غير الأمان وبس.

حكايات شروق خالد
مرت السنين، ويوسف كبر وبقى طولى. الجروح اللى على جسمه اختفت، ومبقاش فاضل منها غير علامات صغيرة خالص، بس العلامات دى بقت بالنسبة لنا رمز لقوته وإنه بطل قدر ينتصر على الوجع.
أمي ورانيا أخدوا جزاءهم العادل ورا القضبان، ومن يومها قفلت صفحتهم من حياتى تماماً، ومبقاش ليهم أي وجود في قاموسنا. اتعلمت الدرس الأكبر في حياتى: إن الأمومة والدم مش بالاسم، الدم اللى مبيحنّش على طفل صغير ملوش عازة، والأمان الحقيقي هو اللي إحنا بنصنعه بإيدينا للناس اللي بنحبهم.
يوسف دخل المدرسة، وبقى متفوق جداً، وفى كل مرة كنت بشوفه واقف في طابور الصباح وراسه مرفوعة، كنت بفتكر الليلة الصعبة في إسكندرية، وأحمد ربنا إنه رجعهولى بالسلامة عشان يعوضنى عن كل اللي شفته.
دلوقتي، لما الدنيا تشتي وصوت الرعد يخبط في الشبابيك، مبيبقاش فيه خوف ولا فزع. يوسف بيجي يقعد جنبي، بنعمل كوبايتين كاكاو سخن، ونقعد نضحك وهو لابس فردة شراب واحدة كالعادة. بنبص للشبابيك ونعرف إن العاصفة الحقيقية عدت خلاص، وإن بيتنا الصغير مقفول علينا بالحب، والأمان، والسلام اللى عشنا عمرنا كله ندور عليه.

خيوط الغدر
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *