غدر الهضبة وسر الـ 20 سنة ج2 حكايات شروق خالد

بعد ما ليلى فارقت الدنيا، جنازتها كانت مهيبة ومشهد ميتنسيش في المنطقة كلها. العيال الأيتام اللي في الدار، والناس الغلابة اللي كانوا بيتعالجوا في المستوصف ببلاش، كلهم خرجوا وراها وهما بيعيطوا ويدعوا لها بالرحمة والمغفرة. الكل كان حاسس إنهم فقدوا أمهم وسندهم.
اندفنت ليلى جنب جوزها إسماعيل وابنها داوود، وبقت العيلة كلها متجمعة تاني بعد سنين من الوجع والفراق، كأن التراب بيلّم اللي غدر الدنيا فرّقهم.
### بعد مرور عشر سنين… (سنة 2036)
الزمن دار، والمجمع الخيري كبر وبقى مؤسسة ضخمة ومعروفة في مصر كلها باسم “مؤسسة عائلة إسماعيل الطيبي للرعاية”.
في يوم مشمس، كان فيه بنت شابة عندها حوالي 21 سنة، واقفة في مدخل الدار وبتعلق لوحة رخام جديدة مكتوب عليها نصوص من وصية الجدة ليلى. البنت دي كانت **كاميلا**.. بنت فادية وحفيدة ليلى وإسماعيل!
كاميلا وأخوها ماثيو كبروا وعرفوا كل حاجة بالمليم. لما الج*ريمة حصلت زمان، الجمعية الخيرية اللي أنشأتها ليلى هي اللي تكفلت بتربيتهم وتعليمهم من الفلوس اللي ليلى سابتهالهم كأمانة منفصلة بعيد عن المجمع، عشان ذنب أبوهم وأمهم ميتشالهوش العيال.
كاميلا اتخرجت من كلية الطب، وماثيو بقى مهندس قد الدنيا. والاثنين اختاروا يرجعوا لنفس المكان اللي جدتهم بنته، عشان يكملوا مسيرتها.
قرب ماثيو من أخته وحط إيده على كتفها وقال لها: “تفتكري يا كاميلا، جدتنا ليلى وروح جدنا إسماعيل مرتاحين دلوقتي وإحنا هنا؟”
كاميلا بصت لصورة جدتها ليلى اللي متعلقة في الصالة الرئيسية، ودمعة لمعت في عينيها بس كانت دمعة فخر، وقالت له: “أكيد يا ماثيو.. جيل ورا جيل بيعدي، وأبويا وأمي اختاروا الفلوس والغدر فاسمهم اتمسح ومبقاش ليه وجود، أما أجدادنا فاختاروا الخير والأصل الطيب، وعشان كده سيرتهم باقية وإحنا عايشين بنكفر عن ذنب مش ذنبنا بس بنكبر اسمهم.”
أدارت كاميلا ضهرها وبدأت تدخل مكتبها بالمستوصف عشان تستقبل أول حالة من أطفال الدار، وهي حاسة إن البركة اللي في حياتها وفي دراستها كلها جاية من دعوات الغلابة لست بطلة اسمها ليلى.. ست حولت مأساة وخيانة عمرها 20 سنة لأكبر باب رحمة ونور هيفضل مفتوح لبيوت ناس كتير ملهومش حد.

حكايات شروق خالد

وفي ليلة من ليالي الشتا، بعد ما العمال والموظفين مشيوا من المؤسسة، قعدت كاميلا في مكتبها وبدأت تراجع بعض الأوراق القديمة الخاصة بتأسيس الدار، واللى كانت جدتها ليلى محتفظة بيها في صندوق حديد صغير.
وسط الورق المليان بإمضاءات جدتها وصور خالها داوود وهو صغير، لفت انتباهها ألبوم صور قديم قوي مجلد بالجلد الأسود. فتحته وبقت تقلب فيه بشغف.. كانت صور لجدها إسماعيل في ورشته القديمة، وصور لجدتها وهي شابة في المدرسة وسط تلاميذها.
وفجأة، من بين صفحات الألبوم، وقعت ورقة مطبقة أربع تندات، لونها بقى أصفر بفعل الزمن. كاميلا فتحتها بفضول، وتفاجأت إنها رسالة مكتوبة بخط يد جدتها ليلى، بس التاريخ اللي عليها كان قبل وفاتها بأيام قليلة، وكانت موجهة ليها هي وأخوها ماثيو!
الرسالة كانت بتقول:
> “إلى أولادي الأحياء في قلبي.. كاميلا وماثيو.
> لو بتقروا الرسالة دي دلوقتي، فأنتم أكيد كبرتوا وبقيتوا في سن تفهموا فيه الدنيا. أنا عارفة إن الحمل اللي شيلتوه بسبب غلطة فادية ومدحت كان تقيل، وعارفة إن نظرات المجتمع مكنتش رحيمة. بس أنا عايزة أقولكم إن عمري ما شوفت فيكم ذنب أبوكم وأمهم. أنتم ولاد إسماعيل وليلى، حته من لحمنا وطبعنا الطيب.
> الفلوس اللي سبتهالكم لتعليمكم دي مش صدقة، ده حقكم الشرعي اللي صنته لكم من شقا جيل بحاله. أنا بنيت المجمع ده مش بس عشان أخلد ذكرى إسماعيل وداوود، أنا بنيته كمان عشان يكون ليكم درع وسند في الدنيا، مكان الناس فيه تدعي لكم مش تبص لكم بقرف. ارفعوا راسكم يا ولادي، وافتكروا دايماً إن الإنسان هو اللي بيصنع تصرفاته، ومش ذنبكم إنكم جيتوا من شجرة كان فيها فرع دبلان ومات. أنا بحبكم ومسامحاهم عشانكم، وكملوا طريق الخير.”
>
كاميلا ضمت الرسالة لقلبها وفضلت تعيط، بس المرة دي كانت دموع راحة وسلام. حسيت إن كل الوجع والخوف اللي عاشت بيه وهي صغيرة من كلام الناس وفضيحة أهلها اتمسح في لحظة بكلمات جدتها الحنينة.
دخل عليها ماثيو الأوضة وشاف دموعها، فاستغرب وقرب منها: “في إيه يا كاميلا؟ مالك بتعيطي ليه؟”
مدت إيدها بالرسالة وقالت له وصوتها بيرتعش من الفرحة: “شوف يا ماثيو.. جدتك مسبتناش للدنيا تلطم فينا. جدتك كانت حاسبة كل خطوة، ومأمنة روحنا قبل فلوسنا.”
قرا ماثيو الرسالة وعينيه دمعت هو كمان، وبصوا هما الاثنين لصورة الجدة ليلى المعلقة على الحيطة. في اللحظة دي، حسوا إن الدايرة اتقفلت بالكامل؛ الطمع والجشع اللي بدأ من 20 سنة ودمر العيلة، انتهى تماماً، وحل محله الحب والخير اللي هيفضل عايش في كاميلا وماثيو وفي كل طفل بيدخل الدار دي.
طفوا أنوار المكتب، وخرجوا هما الاثنين إيد في إيد، وتحت سحاب الليل الصافي، كانت روح عيلة إسماعيل الطيبي كلها بترفرف فوق المكان برضا وأمان ملوش نهاية.

غدر الهضبة وسر الـ 20 سنة
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *