بطل في التاسعة من عمره ج 1حكايات شروق خالد
جلستُ في زاوية بعيدة بقاعة الزفاف، أحاول أن أختفي تماماً عن الأنظار.
كانت القاعة في أحد نوادي القاهرة الكبرى تضج بالفخامة؛ ورود بيضاء تحيط بكل مكان، مقاعد ذهبية لامعة، وموسيقى دافئة تنساب لتملأ الأجواء بهجة. الجميع بدا في كامل أناقته وسعادته، النساء بفساتين السهرة اللامعة، والرجال يتبادلون الضحكات وفي أيديهم العصائر. بينما العريس والعروس يجلسان في الكوشة وكأنهما ملوك هذا العالم المثالي الصغير.
كان ينبغي أن أشعر بالفخر والسعادة.
فالعريس هو شقيقي الأصغر، باسم، آخر شخص في عائلتي كنت لا أزال أريد التصديق بأنه يحمل لي وداً. عندما كنا أطفالاً، كان يتسلل إلى غرفتي في الليالي العاصفة وينام على الأرض بجواري، لأنه كان يقول إنني الشخص الوحيد الذي يشعره بالأمان.
لكنه في تلك الليلة، بالكاد نظر إليّ.
كنت أجلس عند الطاولة رقم 14، وبجواري ابني مروان، البالغ من العمر تسع سنوات. كان يرتدي قميصاً أزرق فاتحاً مع رابطة عنق كحلي صغيرة اختارها بنفسه، وقد صفف شعره مرتين قبل أن نغادر المنزل.
أثناء طريقنا إلى القاعة، سألني بحماس: “تفتكري يا ماما خالو باسم هيرقص معايا بعد العشا؟”
ابتسمت وقلت له: “ممكن يا حبيبي، هو النهاردة يومه الكبير ومشغول، بس أكيد هيكون فرحان إنك جيت”.
الآن، تمنيت لو أنني لم أعده بشيء.
صعدت عروس باسم الجديدة، مي، إلى المسرح الصغير بعد العشاء وهي تمسك بالميكروفون.
كانت جميلة ذلك الجمال الذي يظهر عليه الثراء الفاحش؛ فستانها يتلألأ تحت الأضواء، وابتسامتها عريضة، لكن نظراتها كانت حادة وقاسية. منذ اليوم الأول الذي عرفني فيه باسم عليها، كانت مي تنظر إليّ وكأنني شيء لا ينتمي إلى عالمهم ولا يستحق التواجد في الغرفة.
في البداية، كانت كلمتها طبيعية ومألوفة.
شكرت والديها، وشكرت المعازيم على الحضور، ثم شكرت باسم على حبه لها.
وفجأة، تحركت عيناها عبر القاعة الفسيحة واستقرت عليّ تماماً.
انقبضت تفاصيل معدتي.
أمالت مي رأسها وأطلقت ضحكة خفيفة بدلال.
وقالت: “وطبعاً، مش ممكن يفوتني أرحب بأخت جوزي الجديدة، هناء. منورة الفرح النهاردة لوحدها تماماً، وده تقريباً اللي بعض الناس بتسميه ثقة بالنفس لما ميكونش عندهم أي خيار تاني”.
ضحك عدد قليل من الضيوف.
تصلبتُ في مكاني، وتجمدت يدي حول كأس الماء.
تابعت مي، وابتسامتها تزداد اتساعاً: “هناء بجد ملهمة للكل، أم عزباء، دايماً بتتصرف كأنها تمام ومفيش أي مشكلة، وبتتعامل مع فكرة إنها اتسابت لوحدها وكأنها وسام شرف شايلاه على صدرها”.
هذه المرة، تعالت ضحكات المعازيم بشكل أوضح.
شعرت بوجهي يشتعل حمرة وخجلاً. نظرت إلى باسم، منتظرة منه أن يقف، أو على الأقل يهز رأسه اعتراضاً، أو يشير إليها بكلمة لتتوقف.
لكنه لم يفعل شيئاً.
ظل ينظر إلى طبقه بابتسامة متكلفة باردة، متظاهراً بأن الأمر مجرد دعابة قيلت بحسن نية.
وهنا، ارتفع صوت والدتي، نادية، من طاولة العائلة لتشاركهم الحديث قائلة: “والله يا مي، هناء طول عمرها ملهاش مكان واضح وسطنا، عاملة زي حاجة مركونة على رف قديم في آخر المحل، ومكتوب عليها خصم.. موجودة ومستنية، بس الناس الواعية بتعرف كويس ومبتشتريهاش”.
انفجرت القاعة بالضحك، وتصاعد الصوت أكثر فأكثر.
شعرت بتلك الضحكات تخترق جسدي كالمياه المثلجة التي تشل الحركة.
أردت أن تنشق الأرض وتبتلعني.
كانت يداي ترتجفان بشدة تحت مفارش الطاولة، فضغطت عليهما فوق ركبتي آملاً ألا يلاحظ أحد انكساري. أخبرت نفسي ألا أبكي، ليس هنا، ليس أمام مي، ولا أمام أمي، ولا حتى أمام باسم.
وبجواري، كان مروان قد سكن تماماً وتصلب في جلسته.
وهذا السكون الذي أصابه، روعني وأخافني أكثر من كل تلك الضحكات الساخرة التي ملأت المكان.
يتبع..
حكايات شروق خالد
استغل مروان لحظة انشغال الطاولة بالضحك، وتحرك بخفة من مقعده دون أن أنتبه من فرط ذهولي. لم أشعر به إلا والميكروفون يصدر صوتاً حاداً أثار انتباه القاعة بأكملها.
التفتت الأنظار كلها نحو وسط القاعة، حيث وقف ابني الصغير ذو التسع سنوات، يمسك بالميكروفون بكلتا يديه الصغيرتين اللتين كانت تفركان الخوف بجرأة غير معتادة. شحب وجهي تماماً وحاولت التحرك لامنعه، لكن صوته الذي انطلق عبر مكبرات الصوت شلّ حركتي وحركة كل من في المكان.
قال مروان ونبرته بريئة لكنها حاسمة: “مساء الخير لكل الناس الموجودة. أنا مروان، ابن هناء.. الست اللي كنتوا لسه بتضحكوا عليها”.
ساد الصمت أرجاء القاعة تماماً، وتوقفت الضحكات وكأن أحدهم قطع الأنفاس.
نظر مروان مباشرة نحو الكوشة، وثبّت عينيه على مي ثم على جدته نادية، وتابع: “أنا لسه صغير وممكن مكنش فاهم كل كلام الكبار، بس أنا فاهم كويس يعني إيه أم. ماما مش حاجة مركونة على الرف ولا محدش عاوزها.. ماما هي اللي رفضت تعيش مع حد مش بيحترمها علشان تربيني صح. هي اللي بتشتغل الصبح وبالليل علشان مأحسش إن شيلتنا تقيلة على حد، وهي اللي بتسهر جنبي لما بتعب”.
التفت مروان بوجهه الصغير نحو خاله باسم، وأردف وعيناه تلمعان بدموع حبسها شجاعةً: “يا خالو باسم، أنت كنت بتقول لماما زمان إنها الأمان بتاعك.. ماما لسه هي الأمان، بس للأسف أنت اللي مبقتش تفتكر. وماما مش لوحدها زي ما طنط مي بتقول.. ماما معاها أنا، وأنا لما أكبر هكون السند اللي يخليها مش محتاجة لأي حد في الدنيا”.
أنزل مروان الميكروفون من على فمه، وهز رأسه بكل ثقة، ثم مشى بهدوء وعاد إلى الطاولة، ليمسك بيدي المرتجفة ويشد عليها بقوة.
كانت القاعة في حالة ذهول تام؛ سكون مرعب خيّم على الـ 200 مدعو. نظرتُ إلى العروس التي تلاشت ابتسامتها تماماً وبدا وجهها شاحباً من الإحراج، بينما خفض باسم رأسه خجلاً ولم يقو على النظر في عيني. أما والدتي، فقد تجمدت مكانها وعلامات الصدمة والندم تملأ ملامحها بعد أن ألقمها طفل صغير درساً في المروءة أمام الجميع.
لم أنتظر ليرى أحد دموعي التي انهمرت أخيراً، لكنها لم تكن دموع انكسار، بل دموع فخر واعتزاز. أمسكت بيد بطلي الصغير، وخرجنا معاً من القاعة ورؤوسنا مرفوعة في السماء، تاركين خلفنا مجتمعاً كاملاً يصمت خجلاً من شجاعة طفل.
بطل في التاسعة من عمره
حكايات شروق خالد