# حارس الغيط ج2 حكايات شروق خالد

النور البنفسجي الكئيب اللي في السما بدأ يضلم أكتر، والبيوت البعيدة عننا في العزبة كانت أنوارها قاطعة، كأننا اتعزلنا عن الدنيا كلها في ثانية واحدة.

“ادخلي يا ندى! اقفلي الباب!” محمد صرخ فيا بصوت شرقان وهو بيزقني أنا وليلى لجوه الصالة، وبيتفادى الكراسي وهو بيجري.

أنا قفلت الباب الخشب وبإيد بتترعش لفيت المفتاح تكتين، ورزعت الترباس الحديد. ليلى كانت دافنة وشها في كتف محمد وبتعيط بكتمة، وجسمها الصغير كله بيفضفض من الخوف.

من ورا الأزاز بتاع الشباك، شوفت “دوك”.

الكلب كان واقف على تلات رجيل، ورجله الرابعة بتنزف بغزارة على نجيل الجنينة. مكانش بيصرخ ولا بيئن؛ الكلب كان متبت في الأرض بيموت عشان ما يقعش. ودانة اللي كانت دايماً مرفوعة بقت لزق في راسه، وشفايفه مشدودة لفوق لدرجة إن لثته كلها باينة واللعاب بينزل منها مخلوط بالدم.

وفجأة.. الحشائش الطويلة بره اللي كانت مقرفصة، بدأت ترفع تاني.

بس المرة دي، الحركة مكانتش سريعة. الحاجه اللي جوه الغيط كانت بتتمطى لفوق.. بتطول.. وبتطول.. لدرجة إنها عدت طول العواميد الخشب، وعدت طول سور الجنينة نفسه. مكنش ليها ملامح واضحة في الضلمة، بس كانت عبارة عن كتلة سودا وضخمة، كأنها ضل متحرك ملوش آخر، وجسمها بيتموج زي الدخان الكثيف.

محمد حط ليلى على الكنبة وقاللي وهو بينهج: “خليكي معاها هنا.. ما تلمحيش الشباك واقعدوا في الأرض!”

جري على المطبخ وجاب في إيده شقور (بلطة) قديم كان سايبه هناك للطوارئ، ووقف ورا الباب وعينيه على الشباك.

بره، الكتل السودا دي بدأت تتحرك خطوة واحدة لشره ناحية الجنينة.

مع الخطوة دي، “دوك” طلع صرخة هجوم أخيرة.. صرخة تخوف بلد. ورمى نفسه بكامل قوته الباقية على الضل ده. شوفت الكلب وهو بيطير في الهواء وبيغرس سنانه في الفراغ الأسود..

وفي ثانية، الضل ده اتموج بعنف، واتسمع صوت خبطة مكتومة قوية كأنها خبطة قطر في حيطة. “دوك” اترزع في شجرة الجميز، ووقع على الأرض من غير حركة.

الهدوء رجع تاني.. هدوء قاتل.

وبعدين، سمعنا الصوت.

مكانش صوت خبط على الباب، ولا صوت تكسير.. ده كان صوت خربشة خفيفة وحثيثة على السلك بتاع شباك الصالة. خربشة بطيئة ومنتظمة.. كأن فيه صوابع طويلة ومدببة بتجرب متانة السلك.

وفجأة، وسط السكون ده، ليلى رفعت راسها من على الكنبة، وعينيها كانت مبرقة ومثبتة على الباب المقفول. دموعها وقفت، وملامحها هديت بشكل يخوف، وقالت بصوت واطي ومستقر مش صوت طفلة عندها أربع سنين:

“بابا.. هو بيقولك افتح.. هو مش عايز دوك.. هو عايزني أنا.”

 

 

حكايات شروق خالد

 

الدنيا لفت بيا لما سمعت صوت ليلى. الكلام مكانش طالع بنبرتها الطفولية اللي عارفاها، كان طالع بارد، ومستقر، وكأن فيه حد تاني بيتكلم من حنجرتها.

محمد اتصعق في مكانه، الشقور كاد يقع من إيده وهو بيلف يبص لبنته وعينيه مليانة رعب مشفتهوش في حياتي. “ليلى.. إنتِ بتقولي إيه يا حبيبتي؟” محمد سألها وصوته بيترعش.

البنت ما ردتش، فضلت مسبتة عينيها على الباب، وشفافها بدأت تتحرك من غير ما تطلع صوت، كأنها بتردد كلام بتسمعه في ودنها.

في نفس اللحظة، صوت الخربشة على السلك وقف.

حل سكون قاتل لدرجة إننا كنا سامعين صوت تكتكة الساعة اللي على الحيطة. وفجأة، البيت كله اتهز.. الخبط بدأ، بس مش على الباب الخشب.. الخبط كان جاي من تحت الأرض! كأن فيه حاجة بتدق على أساسات البيت من تحت الخرسانة.

“ندى! شيلى البنت وادخلي الأوضة اللي جوه اقفلي عليكوا!” محمد زعق وهو بيتقدم ناحية الباب، وعروق رقبتها كانت هتنفجر من الشد.

جريت على الكنبة وشلت ليلى. البنت كانت خفيفة ومستسلمة تماماً، بس جسمها كان ساقع زى التلج. وأنا باخدها في حضني، لمحت من الشباك المنظر بره..

الضلمة كانت لفت البيت كله، بس الحشائش الطويلة بتاعة الغيط مكانتش واقفة في مكانها.. دي كانت بتتحرك وبتقدم، كأن الغيط نفسه بيمد جشوره وجذوره عشان يبلع الجنينة والبيت. الضل الأسود الضخم مكانش بره.. الضل كان اتموج وبقى مفرود فوق السقف بتاعنا، كأنه غطا تقيل بيكتم أنفاس البيت.

وفجأة، النور اللي في الصالة رعش مرتين.. وطفا تماماً.

البيت بقى كحل. ليلى في حضني بدأت تضحك.. ضحكة واطية ومتقطعة زى فحيح التعبان.

“محمد!!” صرخت بأعلى صوت عندي وأنا مش شايفة صابع إيدي في الضلمة.

تكتين المفتاح بتوع الباب الخشب اتسمعوا في وسط الضلمة.. التكة الأولى.. والتانية.. الترباس الحديد اتسحب ببطء وطلع صوت تزييق يقشعر ليه البدن.

“محمد! إنت بتفتح الباب ليه؟!” صرخت وأنا برجع لورا لحد ما ظهري خبط في الحيطة.

بس محمد ما ردش عليا. الصوت اللي جالي من ناحية الباب مكانش صوت محمد.. كان صوت تكسير عضم خفيف، ونفس تقيل وريحة طين وعفن ملأت الصالة في ثانية.

وفي وسط العتمة دي، اتسمع صوت “دوك” من بره.. نبحة واحدة ضعيفة ومخنوقة، كأنه بيحاول يفوقنا.. أو بيودعنا.

 

حكايات شروق خالد

 

مع نبحة “دوك” الأخيرة، الباب الخشب اتفتح على الآخر ورزع في الحيطة.

الضمير الأسود اللي كان فوق السقف نزل زي الشلال جوه الصالة، الهوا الساقع عصف بالمكان، وبقت ريحة التراب المبلول بطين الغيط قوية لدرجة تخنق. في وسط العتمة دي، مكنتش شايفة محمد، بس سمعت صوت الشقور وهو بيقع على السيراميك ويرن رنة حادة.. وبعدها صوت جسم بيتسحب على الأرض.

“محمد! رد عليا يا محمد!” صرخت وأنا بدمع من الرعب، وبإيد واحدة كنت بتحسس الحيطة وبأملس عليها عشان أوصل لأي أوضة، والإيد التانية متبتة فيها ليلى اللي ضحكتها وقفت فجأة وجسمها خشب في حضني.

ليلى اتكلمت تاني، بس المرة دي بصوت غريب.. كأن فيه كذا صوت بيتكلموا مع بعض في نفس الوقت: “هو جوه يا ماما.. هو واقف جنبك.”

نفسي اتكتم. حسيت بهوا ساقع تلج بيهب على قفايا، وريحة العفن بقت لازقة في مناخيري. خفت ألتفت، خفت أبص ورايا وأشوف الملامح اللي مش موجودة.

وفي اللحظة اللي حسيت إن خلاص كل حاجة بتنتهي، اتسمع بره صوت كسر عنيف.. صوت حاجة ضخمة بتهد سور الجنينة، متبوعة بزئير مش هجوم كلب، ده كان زئير وحش مجروح ومستبسل.

“دوك” مكانش بيودعنا.. “دوك” كان بيجمع آخر نفس في روحه.

الكلب رمى جسمه المصاب من الشباك الأزاز بتاع الصالة، دخل وسط العتمة زي القذيفة، الأزاز اتدشدش في كل حتة، وفي ثانية الضل الأسود اللي كان جنبي اتموج واتسحب لورا وهو بيطلع صوت فحيح عالي كأن نار بتطفي في مياه.

“دوك” مكانش باصص لجروحه، وقف بيني وبين الكتل السودا اللي مالية الصالة، ورغم إن رجليه مكانتش شايلاه، فضل يهاجم الفراغ ويسدد عضات في الضلمة ويجبر الضل إنه ينسحب خطوة بخطوة لبره البيت.

استغليت الفرصة ودفعت نفسي جوه أوضة النوم، رزعت الباب الخشب وتقلت بضهري عليه وقفلته بالمفتاح. قعدت في الأرض وأنا حاطة ليلى في حضني وبكتم بوقها بإيدي عشان ما تطلعش أي صوت.

بره في الصالة، المعركة كانت مرعبة.. صوت تكسير العفش، خبط في الحيطان، وزئير “دوك” اللي كان بيقل تدريجياً وبيبقى أضعف.. لحد ما الصوت قطع خالص.

السكون رجع تاني.. هدوء قاتل مفيش فيه غير صوت المطر اللي بدأ ينزل بره بغزارة ويخبط في الشباك.

فضلت قاعدة مكاني، مش عارفة محمد فين، ولا “دوك” جرى له إيه، ولا إيه اللي مستنينا ورا الباب. بصيت على ليلى في حضني وسط ضوء البرق اللي كان بينور الأوضة لثواني.. البنت كانت مغمضة عينيها ونايمة في ثبات عميق، وملامحها رجعت طفولية وبريئة زي الأول.

لكن الرعب الحقيقي بدأ لما البرق ضرب تاني ونور الأوضة.. لمحت تحت الباب الخشب، من الفتحة الصغيرة اللي تحت..

مياه المطر كانت بتدخل ببطء من الصالة للأوضة، بس مكانتش مياه صافية.. كانت مياه مخلوطة بطين أسود ودم، ومعاها ساقية علف أخضر طويلة.. بتزحف ببطء لداخل الأوضة وتلف حوالين رجلي.

 

## حارس الغيط

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *