*فستان أبيض بقلب أسود.. وسقوط آل المنياوي** ج1 حكايات شروق خالد

حماتي دلقت مية زبالة ريحتها تقرف على فستان فرحي قبل تلات ساعات بس من ميعاد جوازي من ابنها. سابت لي ورقة وسط الدانتيل وكتبت فيها: “اعرفي حجمك”.
لمدة عشر ثواني، فضلت واقفة ومبرقة للفستان.
كان متعلق على باب الدولاب وزي ما يكون جث..ة. زراير لولي.. أكمام متطرزة يدوي.. وطرحة أمي محطوطة جنبه بكل عناية. البقعة السودا كانت مغرقة الفستان من قدام، وبتنقط على أرضية الخشب بتاعة أوضة العروسة.
من ورايا، صحبتي والوصيفة بتاعتي، بسنت، شهقت من الصدمة: “مايا.. مين اللي عمل كدة؟”
مسكت الورقة بطرف صوابعي.
أنا حافظة الخط دة كويس.
شاهيناز المنياوي كانت بتكتب الإهانة كأنها بتكتب كارت معايدة.
قعدت سنتين كاملين الست دي تبتسم في وشي، وتعدل على كلامي، وتنتقدني، وتقلل مني. كانت بتقولي “يا حبيبتي” وهي تقصد “يا شغالة”. سألتني قبل كدة بكل لؤم لو كان أبويا “مقدور ماديًا” يشتري بدلة الفرح بتاعته. وقالت لأصحابها عليا إني “بنت حلوة.. بس للي زيها ومن غير أصل”.
وحازم، خطيبي، كان دايماً يبوس دماغي ويقولي: “هي بس بتغير عليا وبتحميني”.
بتحميه.
دة كان الاسم اللي بيطلقه على القذارة لما تلبس لولي وألماظ.
بسنت مسكت تليفونها: “أنا هكلم أمن الفندق فوراً”.
قولتلها: “لا”.
برقت لي: “لا إيه؟”
بصيت لنفسي في المراية. شعري كان متظبط بالملي، ومكياجي هادي وغالي ومفيش فيه غلطة، وإيديا كانت ثابتة مش بـترتعش.
البنت اللي كانت بتبص لي في المراية مكنتش مكسورة.
دي كانت بنت جابت آخرها وصبرها نفد.
أبويا خبط الباب ودخل، أول ما شاف الفستان وشه جاب ألوان، وبعدين احمر من الغضب: “مايا!”
قولتله: “أنا هلبسه”.
“لا يا بنتي، مش ممكن.”
“أيوة هلبسه.”
بسنت همست: “مش هينفع تمشي قدام ميتين عازم بالمنظر دة!”
لفيت ليها وقولت: “عشان كدة بالذات لازم ألبسه ويمشوا يشوفوني”.
تحت في القاعة، فرقة المزيكا بدأت تعزف، والمعازيم بدأوا يقعدوا في أماكنهم تحت الورد الأبيض ونجف الكريستال. عيلة المنياوي كانوا عازمين قضاة، ورجال أعمال، ووزراء، وناس بتموت في السمعة النضيفة وبيدفنوا أسرارهم الوسخة تحت الأرض.
كلهم كانوا فاكرين إني بنت محظوظة و”اتأقلمت” وطلعت لفوق لما اتجوزت ابنهم.
مكنوش يعرفوا إني بقالي ست شهور كاملين بنزل لتحت وبفتش وراهم، وأنا مفتحة عيني على الآخر.
لبست الفستان البايظ، والبقعة الساقعة لمست جِلدي. أبويا كز على سنانه وعروقه ظهرت، بس رفع دراعه عشان أتسند عليه.
وعلى باب القاعة، همس في ودني: “قوليلي أعمل إيه؟”
ضغطت على إيده: “امشي براحة يا بابا.. براحة خالص”.

أول ما باب القاعة اتفتح، المزيكا عِليت والكل لفوا عشان يبصوا على العروسة. في ثانية واحدة، الهمس ملى المكان، والضحكات المكتومة بدأت تطلع من بين الشفايف المتلونة بالروج الغالي. ميتين عازم من البشوات والهوانم مكنوش مصدقين اللي شايفينه: عروسة حازم المنياوي داخلة بفستان فرح غرقان مية زبالة سودة ومعفنة.
أنا مكنتش باصة لحد فيهم، كنت باصة لقدام، وراسي مرفوعة لفوق، وماشية بخطوات ثابتة كأني لابسة فستان ملكي. أبويا كان ماسك إيدي بقوة، وضهره مفرود وعينيه بتطق شرار.
على الكوشة، حازم وشه جاب مية لون، وعينيه كانت هتطلع من مكانها من الصدمة والإحراج. وبجنبه، شاهيناز هانم، حماتي، كانت قاعدة ومربّعة إيديها، وعلى وشها ابتسامة نصر خبيثة، كأنها بتقول للكل: “شوفوا الجربوعة اللي ابني كان عايز يجيبها وسطنا”.
أول ما وصلت للكوشة، أبويا سلمني لحازم وهو بيبص له بنظرة رعبته، وبعدين همس له: “حسابك معايا بعدين”.
حازم مسك إيدي اللي كانت تلتج من الساقعة، وحاول يتكلم بصوت واطي ومخضوض: “مايا! إيه القرف اللي أنتِ عاملاه في نفسك دة؟ أنتِ اتجننتي؟ فضحتيني قدام الناس!”
ابتسمت له أحلى ابتسامة عندي، وقربت من ودنه وهمست بصوت ناعم زي الحرير بس يقطع زي الموس: “أمك دلقت الزبالة دي عشان تقولي اعرفي حجمك.. بس أمك نسيت حاجة مهمة قوي يا حازم.. نسيت إني مهندسة برمجيات في البنك المركزي اللي والدك بياخد منه قروضه.. وإني عرفت السر اللي هيهد قصر المنياوي على دماغكم كلكم”.
حازم جسمه اتشنج فجأة، والابتسامة اختفت من على وش أمه وهي شايفاني بتكلم بكل ثقة ومفيش في عيني دمعة واحدة.
“أنتِ.. أنتِ بتقولي إيه؟” حازم سأل ونفسه بدأ يهرب منه.
“بقولك إن الحساب السري اللي والدك بيحول عليه عمولات الس..لاح والآثار برا مصر، والشركات الوهمية اللي مسجلها باسمك وأنت مش داري عشان يشيلك الليلة لو وقع.. كل داتا التحويلات دي بقت معايا، وتحت إيد الأجهزة الرقابية من نص ساعة بالظبط”.
حازم حس إن الركبة بتاعته مش شايلاه، وبص لأمه برعب. في اللحظة دي، القاعة هديت تماماً والمزيكا وقفت، ودخل من الباب الرئيسي أربعة رجالة ببدل سودا وملامح حاسمة، واتجهوا مباشرة لـ ترابيزة صفوة المنياوي، والد حازم.
الراجل الكبير وقف مخضوض، وبدأوا يوروه أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة بتهمة غسيل الأموال والإضرار بالاقتصاد القومي. القاعة اتقلبت صريخ وهمس، وشاهيناز هانم لقت نفسها وسط فضيحة عمرها ما تخيلتها.. مش فضيحة فستان متبهدل، دي فضيحة عيلة كاملة بتنهار في ثواني.
لفيت بحسم، ومسكت المايك بتاع القاعة، وبصيت للمعازيم كلهم ولقلب شاهيناز اللي كان هيقف من الصدمة، وقولت بأعلى صوت: “الفرح دة لغي.. وكل واحد يعرف حجمه الحقيقي من النهاردة”.
رميت المايك في الأرض، ورفعت ديل الفستان المبهدل بإيدي، ومشيت وسط الميتين عازم وأنا ببتسم، وأبويا مستنيني عند الباب وب يفتح لي دراعه وبيقلي: “بنتي بجد”.

**فستان أبيض بقلب أسود.. وسقوط آل المنياوي**
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *