عالم الحيتان ج2 حكايات شروق خالد

عادل المدير قرب مني ووشه أصفر زي الليمونة، وبص للفلوس اللي على الترابيزة وبصلي وقال بصوت مرعوب ومبحوح:
* “ندى.. أنتِ هتمشي معاه؟ ده مراد الألفي يا بنتي.. يعني اللي بيدخل طريقه مابيرجعش منه!”
مسكت رزمة الفلوس وإيدي بتترعش، بس جوايا كان فيه صوت تاني خالص.. صوت يوسف أخويا وهو بيكح بالليل ومش لاقي النَفَس، وصوت صاحب البيت وهو بيهددنا بالطرد. بصيت لعادل وقولت له بمنتهى الثبات:
* “هو قال إن الشغل هنا خلص يا عادل.. وأنا مش هقعد أستنى لما الدنيا تدوس عليا وعلى أخويا أكتر من كده.”
لميت حاجتي وخرجت من المطعم، المعازيم والزبائن كانوا بيبصوا لي وكأني بقيت كائن فضائي. أخدت تاكسي وجريت على الصيدلية، جبت لعلاج يوسف كله وكفتنا للشهر وزيادة، ورحت دفعت وصل الكهرباء المتأخر، ورجعت البيت وأنا حاسة لأول مرة من سنين إن فيه ضهر ساندني، حتى لو الضهر ده كان مرعب.
تاني يوم الصبح بالظبط، الساعة تمانية، لقيت حارتنا مقلوبة. صوت كلاكيت عربيات فخمة مبيكدبش.
نزلت من الشقة وبصيت من البلكونة، لقيت عربية مرسيدس سودا واقفه تحت البيت، ونزل منها نفس الراجل أبو بدلة كحلي اللي كان مع مراد في المطعم. طلع السلم وخبط على الباب بمنتهى الأدب، وأول ما فتحت قال لي:
* “صباح الخير يا آنسة ندى. مراد بيه بعتني عشان أنقلكم.. حضرتك والأستاذ يوسف.”
يوسف أخويا كان واقف ورايا خايف ومش فاهم حاجة:
* “نروح فين؟”
الراجل ابتسم وقال:
* “لمكانكم الجديد.. مراد بيه جهز لحضراتكم شقة في الكومباوند بتاعه في التجمع الخامس، وفيه عربية بسواق هتكون تحت أمرك من النهاردة.”
أنا مكنتش مذهولة، أنا كنت خايفة من التمن.. مراد الألفي مبيعملش حاجة ببلاش. ركبنا العربية وأنا حاضنة يوسف، وطول الطريق كنت ببص على الشوارع وهي بتتغير من زحمة الحارة لـ هدوء وجمال التجمع.
العربية وقفت قدام عمارة فخمة جداً، والشقة كانت كاملة من كل حاجة، أجهزة، فرش، ولعب ليوسف.. كأننا دخلنا الجنة فجأة.
وعلى الترابيزة في الصالة، كان فيه ظرف أسود وفوقه مفتاح. فتحت الظرف لقيت مكتوب فيه بخط إيد قوي وحاد:
* *”الدم بالدم يا ندى.. أنتِ نقذتي حياتي، وأنا أَمّنت حياتك وحياة أخوكي. من بكرة، مكتبك جاهز في الشركة الرئيسية بتاعتي، هتكوني مسؤولة عن الحسابات الخاصة بيا أنا شخصياً.. لاني مابأتمنش حد على فلوسي، غير اللي ائتمنته على دمي.”*
بلعت ريقي وبصيت للمفتاح، وعرفت إن من اللحظة دي، ندى بنت الحارة ماتت، وندى “بنت الألفي” هي اللي بدأت.. ودخول عالم الحيتان محتاج قلب مبيخافش.

حكايات شروق خالد

استلمت شغلي في الشركة الرئيسية لمراد الألفي. المكتب كان في الدور الأخير، كله إزاز كاشف القاهرة من فوق.. كأنك قاعد فوق السحاب. الشغل مكنش سهل، الحسابات الخاصة بتاعة مراد بيه كانت عبارة عن أرقام بملايين الدولارات، تحويلات لشركات شحن، صفقات عقارية، وحركات بنكية تخلي دماغ أي حد تلف، بس أنا ركزت وبقيت براجع دبة النملة؛ لإن الغلطة هنا تمنها رقبة.
مرت تلات شهور، ويوسف أخويا صحته بقت في حتة تانية خالص، دخل مدرسة إنترناشيونال محترمة، ومبقاش يكح ولا يشيل هم النفس، وأنا بدأت أتعود على هيبتي الجديدة وسط الموظفين اللي كانوا بيعملوا لي ألف حساب، لمجرد إنهم عارفين إني “خط أحمر” تبع الكبير.
في يوم، كنت قاعدة متأخر في المكتب براجع ميزانية صفقة استيراد جديدة من برا، لقيت باب المكتب بيتفتح بالراحة.
كنت فاكراه مراد، بس لقيت راجل تاني خالص.. طويل، عينه حادة وفيها غل مش طبيعي، ولابس بدلة فخمة بس مبهدلة شوية. عرفته علطول من الصور؛ ده “طارق الألفي”، ابن عم مراد والمنافس الأول ليه على ورث العيلة وشغل السوق.
طارق دخل وقفل الباب وراه، ومشي لحد ما وقف قدام مكتبي، ساند بإيديه الاتنين وبصلي بنظرة خبيثة:
* “أنتِ بقى ندى؟ البنت اللي مراد قالب الدنيا عشانها، ومسلمها حساباته كلها لمجرد إنها ادتله شوية دم؟”
وقفت من ورا مكتبي بكل ثبات، وحاولت مابينش خوفي:
* “أفندم يا طارق بيه؟ حضرتك داخل مكتب مش مكتبك وفي وقت متأخر.. لو عايز مراد بيه، هو مش هنا.”
طارق ضحك ضحكة قذرة وسحب كرسي وقعد:
* “لأ، أنا مش عايز مراد.. أنا عايزك أنتِ. مراد فاكر نفسه ذكي، بس هو غبي.. مأمنك على كل ورقه. أنا جاي أعرض عليكي عرض العمر يا ندى. فلاشة واحدة عليها صور من حسابات الصفقات الجاية، وهتاخدي 5 مليون جنيه كاش، وتأشيرة سفر ليكي ولأخوكي الصغير لأي بلد في أوروبا.. تبدأوا هناك حياة نضيفة بعيد عن وساخة مراد وعالمه اللي آخره رصاصة.”
بصيت له وقلبي كان بيدق بسرعة، بس افتكرت شكل يوسف وهو بيموت من قلة النفس، وافتكرت مراد وهو واقف في المطعم بيحميني ويجيب لي حقي.
قبل ما أنطق، صوت جِهاز اللاسلكي بتاع أمن الدور صَفّر، والباب اتفتح بقوة لدرجة إنه خبط في الحيطة.
مراد الألفي كان واقف على الباب. وعينيه الرمادي كانت قالبة لأسود من كتر الغضب.
وراه كان فيه أربعة من رجالته، وسلا..حهم باين تحت الجواكت. مراد مابصش لطارق أصلاً، بصلي أنا وقال بنبرة هادية ترعب الحجر:
* “ندى.. قالك إيه؟”
طارق وقف بسرعة، وبدأ يتلعثم ويحاول يداري:
* “مراد.. أنا مكنتش.. أنا كنت بس براجع معاها حسابات شركة الشحن القديمة..”
مراد رفع إيده، وفي ثانية، رجالة مراد هجموا على طارق، كتفوه وخدوا منه تليفونه وحاجته وسط ذهوله ورعبه. مراد قرب من طارق، مسكه من ياقة بدلته وقاله بصوت واطي زي فحيح الأفعى:
* “أنا سيبتك تلعب في السوق براحتك عشان صلة الدم اللي بينا يا طارق.. بس تقرب من مكتب ندى؟ تلعب في دمي اللي عايش بيه؟ قسماً بالله لو رجلك عتبت مكان يخصني تاني، هتدفن حي.”
رمى طارق عالأرض، ورجالته سحبوه لبرة وهو بيصرخ وبيترجاه.
الأوضة فضيت، ومبقاش فيه غير أنا ومراد. كان بينهج وعينيه لسه فيها شرار. قرب من مكتبي، بص للفلاشة اللي طارق كان حاططها، وبعدين بص في عيني وقال:
* “كنتِ هتعمليها يا ندى؟ كنتِ هتبيعيني؟”
بصيت له وعيني دمعت بس من غير ضعف:
* “أنا دمي مش رخيص يا مراد بيه.. اليوم اللي اتبرعت لك فيه بالدم، مكنتش أعرف أنت مين، بس عملت كده عشان أنقذ روح. والنهاردة، أنا مش ممكن أبيع الراجل اللي أنقذ روحي أنا وأخويا.. فلوس الدنيا كلها متملاش عيني بعد ما شفت الأمان معاك.”
مراد ملامحه هديت تماماً، ولأول مرة أشوف ابتسامة حقيقية ودافية على وشه. قرب خطوة، ومسك إيدي وباسها بكل احترام وقال:
* “أنا من النهاردة مش بس مأمنك على دمي وفلوسي يا ندى.. أنا مأمنك على حياتي كلها. جهزي نفسك، لإن الأسبوع الجاي، البلد كلها هتحضر فرح ‘ملكة الألفي’.”

عالم الحيتان ج2
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *