وعد بـ 200 جنيه ج1 #حكايات_شروق_خالد

طفلة صغيرة وقفتني في وسط زحمة شوارع القاهرة، وطلبت مني كوتشي للمدرسة. الموضوع كله مأخدش مني غير بتاع 200 جنيه. اللي مكنتش أعرفه وقتها، إن وعدها الصادق والبريء ليا بأنها هتردلي الفلوس دي لما تكبر، هيقودني لأم بتصارع الموت، وسر كان مستخبي، وحقيقة قوية كفيلة تغير حياتي كلها للأبد.
لو فاكر إن دي قصة عن السمسرة والخير والعطف، تبقى غلطان.
دي قصة عن إزاي طفلة م تملكش أي حاجة في الدنيا، قدرت تدي راجل ملياردير حاجة عمر فلوس العالم كله ما تعرف تشتريها.
أنا اسمي مراد الهواري، وكل حاجة في حياتي اتقلبت في يوم خميس عادي جداً.
أو على الأقل، أنا كنت فاكره عادي.
كنت لسه خارج من اجتماع مجلس إدارة طويل وممل في شركتي. قاعة مليانة رجال أعمال وتنفيذيين كل كلامهم عن الأرباح، والاستحواذ، ونسب النمو، وأرقام تخلي أي حد قاعد يبتسم من الفرحة.
الكل كان بيباركلي على نجاحي.
النجاح.
الكلمة دي كنت بسمعها كل يوم.
ورغم كده، وأنا عندي 42 سنة، كنت حاسس بفضى وجوع جوايا عمري ما حسيت بيه قبل كده.
عندي شقق فخمة في الزمالك، واستثمارات مقفولة، وعربيات سباق، وشركة تسوى مئات الملايين. بس كل ليلة، كنت برجع فيها لشقتي الكبيرة، كنت بقعد في هدوء قاتل لدرجة إني بسمع صوت موتور التلاجة في المطبخ.
مفيش عيلة.
مفيش أولاد.
مفيش أي حد مستنيني أرجع.
لما نزلت من باب برج الشركة بتاعي، رخيت الكرافتة شوية وبصيت في ساعتي.
كانت الساعة 3:30 العصر.
وبدل ما أطلب السواق بتاعي يلف بالعربية، قررت أمشي على رجلي شوية في شوارع وسط البلد.
يمكن كنت محتاج هوا نضيف.
يمكن كنت زهقت من الحركة بين أوض ومكاتب غالية، وتمثيل إن دي هي الحياة.
يادوب وصلت أول الناصية، ولقيت صوت صغير أوي بيوقفني.
“يا عمو؟”
لفيت وشي، وكنت بجهز نفسي بابتسامة اعتذار هادية عشان أكمل مشي.
بس أول ما شفتها، سكت تماماً.
بنت صغيرة، عندها بتاع خمس سنين بالكتير، عاملة شعرها ضفيرتين، ولابسة فستان أزرق دبلان من كتر الغسيل، وشنطة مدرسة على كتفها متخيطة من عند الحزام.
بس شكل كوتشيها هو اللي خلاني مش عارف أخد نفسي.
كان دايب لدرجة إنه ميبانش كوتشي أصلاً. الجوانب بتاعته مقطوعة، والنعل سايب وخارج لبرة، وصوابع رجليها الصغيرة باينة من الخروم اللي في القماش.
لسبب ما، التفصيلة دي خبطت في قلبي جامد أوي.
صوابعها الصغيرة دي.. وهي بتحاول تستخبى جوة كوتشي مات وشبع موت خلاص.
“أيوة يا حبيبتي، محتاجة حاجة؟” سألتها.
بلعت ريقها بخوف، وبصت في عيني عل طول:
“العيال في المدرسة بيضحكوا عليا.”
صوتها كان واطي.. بس ثابت.
“أنا بس محتاجة كوتشي جديد للمدرسة.”
فضلت باصص لها.
مفيش تمثيل.. مفيش شحاتة بطريقة تقرف.. مفيش قصة درامية مصطنعة.
مجرد طفلة بتقول الحقيقة البسيطة.
رفعت رجلها شوية وقالت: “الجزامة بتوجعني.”
حاجة جوايا اتهزت.. مكنش عطف ولا شفقة، كانت حاجة أعمق بكتير.
“إسمك إيه يا قمر؟”
“فريدة.”
ابتسمت لها بهدوء وقلت: “طب يا فريدة، تعالي نصلح الموضوع ده حالا.”
عينيها وسعت من الفرحة: “بجد يا عمو؟”
#حكايات_شروق_خالد

“بجد يا فريدة.”
عدينا الناصية التانية، وكان فيه محل جزم صغير. جوة المحل، البياع قعد يقيس رجلها وفريدة كانت قاعدة ثابتة وساكتة خالص، كأنها خايفة لو اتحركت بسرعة الفرصة دي تضيع منها والهدايا تتبخر.
قاسيت تلات كوتشيات.
الأول كان ضيق بيمسك رجلها.
التاني كان تقيل عليها.
لحد ما لبست كوتشي أبيض وفيه خطوط بينك صغيرة.
وشها نور في ثانية.
“مبقاش يوجعني خالص،” همست بصوت فرحان.
وقفت على رجلها.. وأخدت خطوة.. والتانية.
وبعدين بدأت تجري بحذر جوة المحل، وهي بتضحك كأن حد سلمها الدنيا كلها في إيدها.
الصوت ده ملا المحل كله.. ولسبب ما، ملا الحتة الفاضية اللي كانت جوايا أنا كمان.
“هناخده يا فندم،” قلت للبياع وحاسبت.
لما خرجنا برة، فريدة كانت بتبص للكوتشي بتاعها تحت نور الشمس ومنبهرة بيه.
“شكله جميل أوي.”
وبعدين لفت وشها وبصتلي بمنتهى الجدية:
“لما أكبر، هردلك الفلوس دي والله.”
ضحكت بصوت واطي وقلت: “مش لازم يا فريدة، ده هدية.”
“لا، لازم.”
رفعت راسها الصغيرة لفوق وقالت: “ماما بتقول إن الوعد دين، والأصول مهمة.”
وقبل ما ألحق أرد عليها، لفت دراعاتها الصغيرة حوالين رجلي وحضنتني حضن قوي وسريع.
“شكراً يا عمو يا طيب.”
وبعدين بدأت تجري على الرصيف.
“فريدة!” ندهت عليها.
شاورتلي بـ إيدها من غير ما تلف وشها.. واختفت ورا أول حارة.
مشيّت..
بس الشارع فجأة بقا شكله مختلف.. بقا منور أكتر، وفيه روح.
وقفت مكاني وبقيت ببتسم زي العيل الصغير.
وفجأة، الموبيل بتاعي اتهز في جيبي.
رسالة من رقم مجهول.
وكان معاها صورة مرفقة.
فتحتها.. وقلبي وقف في لحظتها.
دي كانت صورة فريدة، واقفة جنب سرير مستشفى، وماسكة إيد ست تعبانة جداً ومكتوب على وشها الوجع ومكتوب لها خراطيم أكسجين.
وتحت الصورة كان مكتوب رسالة واحدة:
“إنت ساعدت بنتي النهاردة.. هي يمكن مقالتلكش، بس هي كانت بتحاول تدور على كوتشي جديد عشان تيجي تزورني في المستشفى من غير ما تحس بالكسوف وسط الناس.”
وبعدها وصلت رسالة ثانية:
“أرجوك متقولهاش إني كلمتك.. هي فاكرة إني هبقى كويسة وبخف.”
وبعدين رسالة تالتة:
“الدكاترة قالوا لي إن أيامي في الدنيا بقت معدودة.”
فضلت متنح للشاشة، مش قادر أتحرك خطوة واحدة.
وفجأة.. وصلت الرسالة الأخيرة اللي هزت كياني كله:
“أنا اسمي هدى الشربيني.. وقبل ما أموت، فيه سر لازم تعرفه عن فريدة.”
مسكت الموبيل جامد وصوابعي بتترعش.. لأن “الشربيني” مكنش مجرد اسم عابر بالنسبة لي.
ده كان اسم عيلة والدتي الله يرحمها..
ولما الصورة اللي بعدها فتحت، شفت شهادة ميلاد فريدة.. وفي خانة الأب تحت، كان فيه إمضاء أبويا أنا بالملي!
#حكايات_شروق_خالد

الدنيا لفّت بيا، ورجلي مكنتش قادرة تشيلني على الرصيف. بصيت لشهادة الميلاد اللي على الشاشة مية مرة.. الاسم مكتوب تلاتي، وإمضاء أبويا “منير الهواري” اللي حافظه زي اسمي، مكتوب في خانة الأب. فريدة.. البنت الصغيرة اللي صوابع رجليها كانت باينة من الكوتشي الدايب، طلعت أختي! أختي من أبويا!
أبويا مات من عشر سنين، وعمرنا ما عرفنا إنه اتجوز تاني ولا إن ليه عيلة تانية. كان دايماً الراجل الصارم، صاحب الشركات والاسم، اللي سابلي كل ثروته وفلوسه، وساب بنته الصغيرة وأمها بيموتوا من الجوع والمرض في دار الدنيا.
من غير ما أفكر، دخلت على الرسائل وكتبت للرقم: “إنتي في مستشفى إيه حالا؟”
ردت عليا برسالة قصيرة: “مستشفى الدمرداش، قسم الأورام، الدور الثالث”.
ركبت عربيتي وسوقت بأقصى سرعة عندي، الإشارات والزحمة وكل حاجة تلاشت من قدامي.. مكنتش شايف غير وش فريدة وهي بتضحك بالكوتشي الجديد، ووش الست اللي بتموت على السرير.
وصلت المستشفى، ريحة الممرات، صوت الأجهزة الكئيب، مشيت بخطوات مرعوبة لحد ما وصلت للأوضة. وربيت الباب بالراحة ودخلت.
السرير كان في الركن، وهدى — الست اللي في الصورة — كانت نايمة، ملامحها ضايعة من التعب والكيماوي، وفريدة كانت قاعدة على كرسى خشب جنبها، حاطة راسها الصغيرة على طرف السرير ونايمة، والكوتشي الجديد الأبيض في رجلها بينور في ضلمة الأوضة.
أول ما دخلت، هدى فتحت عينيها بصعوبة. بصتلي، ولمحت الشبه اللي بيني وبين أبويا، دموعها نزلت من غير صوت وشاورتلي بـ إيدها المكتوب فيها خراطيم المحاليل.
قربت وقعدت على ركبي جنب السرير. صوته كان طالع بالعافية كأنه حشرجة: “أستاذ مراد.. أنا مش عايزة حاجة من الدنيا.. أنا خلاص ماشية.. بس منير قبل ما يموت، قالي إن لو الدنيا ضاقت بيا، ماليش غيرك.. بس أنا كبريائي منعني أجيلك وأنا صحيحة.. ودلوقتي، فريدة هتبقى لوحدها”.
دموعي نزلت، ومسكت إيدها التعبانة: “ليه يا هدى؟ ليه سيبتي نفسك وسيبتي البنت كده؟ أنا عايش في ملايين، وأختي مش لاقية جزمتها؟”
هدى ابتسمت بوجع: “أبوك اتجوزني شرعي على سنة الله ورسوله بعد وفاة والدتك، بس كان خايف من شوشرة السوق ورجال الأعمال.. ولما مات فجأة، مالحقش يكتب لفريدة حاجة، وأنا مكنتش عايزة أهد حياتك المستقرة.. بس فريدة ملهاش ذنب.. أمانة في رقبتك يا مراد”.
في اللحظة دي، فريدة قأعلنت من النوم. فركت عينيها وبصتلي، وعينها وسعت لما شافتني قاعد جنب مامتها وببكي: “عمو! إنت جيت هنا إزاي؟”
وقفت على حيلي، وأخدتها في حضني.. حضن قوي، حسيت فيه بـ دقات قلبها الصغيرة. مسحت دموعها وقلت لها: “أنا مش عمو يا فريدة.. أنا مراد.. أخوكي الكبير”.
فريدة بصت لمامتها وهي مش فاهمة، وهدى هزت راسها بالراحة وهي بتبتسم وسط دموعها: “أخوكي يا فريدة.. السند اللي ربنا بعتهولنا في آخر لحظة”.
عدا أسبوعين.. هدى اتوفت في هدوء، بس اتوفت وهي مطمنة. قsectionت آخر أيامها في مستشفى خاص فخم، وسط رعاية مكنتش تحلم بيها، وإيدها في إيد بنتها وإيدي.
والنهاردة.. أنا واقف في صالة شقتي الكبيرة في الزمالك.
الصوت الهادي القاتل وموتور التلاجة اللي كنت بسمعه زمان، اختفى خلاص. الشقة بقت مليانة صوت ضحك، وجري، وتنطيط.
فريدة كانت بتجري بالكوتشي الأبيض الجديد على السجاد العجمي الفخم، وشايلة في إيدها العاب وعرايس مالية المكان.
قربت مني، ونطت في حضني وقالتلي: “مراد.. أنا بحبك أوي.. إنت أحسن أخ في الدنيا”.
بستها وشلتها على كتفي وقلت لها: “وأنا بحبك يا قلب أخوكي.. ومن النهاردة، مفيش مخلوق في الدنيا هيقدر يضحك عليكي، ولا هتحتاجي تطلبي حاجة من حد.. الدنيا دي كلها بقت بتاعتك”.
بصيت لصورتي أنا وأبويا اللي على المكتب، ولقيت نفسي ببتسم بـ راحة. الفلوس والملايين والشركات مكنش ليهم أي عازة ولا قيمة.. القيمة الحقيقية بدأت لما البيت ده دخلته الروح.. لما بقا عندي عيلة وأخت أحميها وأشيلها في عيوني.. طفلة صغيرة بـ 200 جنيه غيرت حياتي وجابتلي السعادة اللي مكنش ينفع تشتريها بكل مليارات العالم.
وعد بـ 200 جنيه ج1
#حكايات_شروق_خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *