الوريثه الصامته الجزء الثالث حكايات شروق خالد

لسه القاضي مكمّلش إجراءات الطلاق رسمي، وكان تليفوني بينوّر في حضني بإشعار من كاميرات المراقبة:

“في حركة عند البوابة الرئيسية.”

كنت قاعدة على كرسي خشب برّه قاعة المحكمة في القاهرة، وماسكة ملف بيج جواه أوراق الطلاق الموقعة. إيديا كانت ثابتة بشكل غريب، لدرجة إني حسيت إنها مش إيديا.

على الناحية التانية من الممر، كان طليقي “كريم منصور” خارج من المحكمة وهو بيعدل كمام قميصه الغالي، كأنه خارج من اجتماع شغل عادي، مش من خمس سنين مليانين كذب وإهانة وسكوت خلّوني أنسى أنا مين.

وأول ما خرج، كانت أمه “مدام نادية” مستنياه جنب الأسانسير، لابسة نضارة شمس كبيرة وحلق دهب، وعلى وشها نفس الابتسامة اللي كانت بتظهر كل ما تحس إنها كسبت جولة جديدة.

قالت بصوت عالي متعمدة إني أسمع:

“أهو أخيرًا رجعالك حياتك يا كريم.”

كريم مردش.

بس شد فكه ومشى.

بصيت لتليفوني.

كاميرا البوابة كانت مظهرة عربية نقل عفش كبيرة واقفة قدام الفيلا بتاعتي في التجمع الخامس.

وراها عربية تانية.

وقدام البوابة كانوا واقفين مدام نادية، وأخت كريم “دينا”، وأخوه “محمود”، وكذا عامل نقل عفش.

كلهم متجمعين قدام البيت اللي اشتريته قبل ما أعرف كريم بثلاث سنين كاملة.

البيت اللي ورثت تمنه بعد وفاة أهلي.

البيت اللي كريم عمره ما دفع فيه جنيه.

ولا أصلح فيه حاجة.

بس طول الوقت كان بيتعامل قدام الناس كأنه صاحبه.

رمشت مرة.

وبعدين مرة تانية.

أحيانًا الإهانة بتبقى غريبة لدرجة إن العقل بياخد وقت عشان يستوعبها.

ظهر إشعار جديد:

“محاولة فتح البوابة يدويًا.”

شفت محمود بيضغط على لوحة الأرقام بعصبية، كأن الإصرار هيخلي البوابة تفتح.

ودينا ماسكة تليفونها وبتصور.

غالبًا بتحضر فيديو تمثيلي جديد عن الظلم والخيانة.

أما مدام نادية فكانت واقفة بتشاور على الفيلا بثقة، كأنها بتوزع الأوض على أفراد العيلة.

وفجأة وصلتني رسالة.

رقم كنت مسحاه من شهور.

لكن عرفته فورًا.

كريم.

الرسالة كانت:

“افتحي البوابة يا منى. متصعبيش الموضوع. ماما هتقعد في جناح الضيوف مؤقتًا بس لحد ما الأمور تستقر.”

ضحكت فعلًا المرة دي.

“لحد ما الأمور تستقر.”

كأن حياتي مجرد استراحة مؤقتة.

وكأن الطلاق كان آخر خطوة ناقصة عشان أهله ينقلوا عندي.

كتبت رد قصير:

“هقابلكم عند البوابة.”

وبعدها اتصلت بمحاميتي “أستاذة نهى السيوفي”.

أول ما ردت قلت:

“هما هناك.”

سكتت ثانية.

وقالت:

“بعربيات نقل؟”

قلت:

“اتنين.”

سمعت زفير طويل.

وقالت بهدوء:

“ممتاز. كده جابوا شهود على نيتهم بنفسهم. أنا جاية حالًا.”

لما وصلت التجمع، كان المنظر بقى فرجة كاملة.

عربية شرطة واقفة.

والجيران بيتابعوا من البلكونات والشبابيك.

ودينا لسه بتصور.

ومحمود رايح جاي بعصبية.

ومدام نادية بتحاول تقنع ظابط الشرطة إن البيت حقهم.

لكن البوابة كانت مقفولة.

ومن جوا، الفيلا كانت واقفة هادية وجميلة زي ما هي.

الواجهة الحجر.

الشبابيك الكبيرة.

والياسمين اللي متسلق على السور.

من برّه كانت لسه نفس الفيلا اللي كريم كان يعزم فيها أصحابه.

واللي أمه كانت تعمل فيها حفلاتها.

واللي أخته كانت تتصور فيها وتنزل الصور على السوشيال ميديا كأنها صاحبة المكان.

لكن محدش فيهم كان يعرف المفاجأة اللي مستنياهم جوه.

نزلت من العربية.

أول ما شافتني مدام نادية لفت ناحيتي وقالت بنبرة آمرة:

“أخيرًا وصلتي. افتحي البوابة يا منى. كفاية مشاكل النهارده.”

مشيت بهدوء لحد البوابة الحديد.

ووقفت الناحية التانية.

وبصيتلها مباشرة.

وقلت:

“مساء الخير يا مدام نادية.”

#حكايات_شروق_خالد

مدام نادية بصتلي باستعلاء وقالت:

“مساء النور. يلا افتحي البوابة بدل ما نضيع وقت.”

ابتسمت بهدوء.

“وأفتحها ليه؟”

اتعصبت فورًا.

“عشان ده بيت ابني.”

الظابط اللي واقف جنبها بصلي وبعدين بصلها.

واضح إنه سمع الجملة دي أكتر من مرة خلال الساعة اللي فاتت.

قلت:

“مع حضرتك أي عقد ملكية؟”

سكتت.

بعدين قالت:

“إحنا عيلة واحدة وكريم كان جوزها.”

رديت:

“كان.”

وشددت على الكلمة.

وشوفت وش كريم وهو نازل من عربيته في اللحظة دي.

كان واضح إنه مستني إني أستسلم.

أو أعيط.

أو أعمل أي حاجة غير اللي حصل.

قرب وقال:

“يا منى، خلينا نخلص الموضوع بعقل.”

ضحكت.

“بعقل؟”

وأشار للفيلا.

“إنتِ واحدة لوحدك. والبيت كبير. وماما محتاجة مكان تعيش فيه.”

بصيتله ثواني.

“وأنا مالي؟”

وشه احمر.

واضح إنه مش متعود حد يقوله الكلمتين دول.

في اللحظة دي وصلت عربية سوداء.

ونزلت منها المحامية نهى.

ماسكة ملف كبير.

ومشيت ناحيتنا بخطوات ثابتة.

أول ما وصلت قالت:

“مساء الخير.”

وبعدين طلعت ورقة وسلمتها للظابط.

الظابط قراها.

ورفع حاجبه باستغراب.

وبص ناحية مدام نادية.

ثم ناحية كريم.

وقال:

“حضراتكم كنتوا ناويين تنقلوا العفش جوه؟”

قالت بسرعة:

“طبعًا.”

رد:

“بس البيت مش ملك أي حد منكم.”

كريم قال بانفعال:

“إزاي؟”

ابتسمت نهى.

وقالت:

“لأن موكلتي باعت العقار من شهرين.”

السكوت نزل على المكان كله.

حتى الجيران بطّلوا كلام.

كريم اتجمد.

“إيه؟”

مدام نادية شهقت.

“باعت البيت؟!”

هززت رأسي بهدوء.

“آه.”

دينا نزلت التليفون من إيدها لأول مرة.

وقالت:

“مستحيل.”

نهى فتحت الملف وأخرجت نسخة من العقود.

“الفيلا اتباعت بشكل قانوني كامل. وتم نقل الملكية رسميًا.”

كريم قرب خطوة.

“إنتِ بتهزري.”

قلت:

“لا.”

وبعدين أشرت للفيلا.

“ولا حتى فيها عفش.”

مدام نادية بصت من بين القضبان.

“يعني إيه؟”

ابتسمت.

“يعني البيت فاضي.”

الحقيقة اللي مكانوش يعرفوها إنني بعد ما اكتشفت خيانة كريم بست شهور، بدأت أرتب لكل حاجة.

بعت الفيلا.

اشتريت مكان أصغر.

ونقلت كل حاجة تخصني.

أما الفيلا دي فكانت مستنية أصحابها الجداد يستلموها الأسبوع الجاي.

وفجأة اتفتح باب الفيلا من جوه.

ونزل راجل في الخمسينات مع ست محترمة.

مشوا لحد البوابة.

الراجل قال:

“مساء الخير.”

وبص لكريم وأهله باستغراب.

“حضراتكم مين؟”

مدام نادية كانت مصدومة لدرجة إنها معرفتش ترد.

أما الراجل فابتسم وقال:

“أنا المالك الجديد.”

وش كريم اتحول للون الرمادي.

ومحمود قال:

“مالك جديد إيه؟!”

الراجل طلع مفاتيح من جيبه ولوح بيها.

“البيت ده ملكي من شهرين.”

الصدمة كانت كاملة.

عربيات النقل.

والعمال.

والتخطيط كله.

اتحول لمشهد محرج قدام الشارع كله.

لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية…

لأن المحامية نهى قفلت الملف وقالت بهدوء:

“وفي نقطة تانية لازم تعرفوها.”

كلهم بصوا لها.

فقالت:

“موكلتي قدمت بلاغ رسمي بخصوص بعض الممتلكات اللي اختفت من البيت خلال فترة الزواج.”

ولأول مرة…

اختفت الابتسامة من وش كريم تمامًا.

#حكايات_شروق_خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *