خطوة خطوة مع ابن المافيا حكايات شروق خالد

اعترفت للراجل الأخطر في القاهرة إن مفيش حد باسني قبل كده. في اللحظة اللي الكلمات دي طلعت فيها من بقي، حسيت كأن الأوضة كلها كتمت نفسها ومبقتش بتتنفس. اللي حصل بعد كده مكنش شبه الإشاعات اللي بتتقال عنه خالص، وسابني واقفة على حافة قرار ممكن يغير حياتي كلها وللأبد.
“محدش باسني قبل كده.”
الاعتراف ده هرب من لساني قبل ما ألحق أمنع نفسي.
قبل ثانية واحدة بس، كان زين المصري واقف قريب مني لدرجة إني كنت حاسة بالدفا اللي طالع من جسمه. إيده كانت ساندة براحة وخفة على خدي، ومن ورا زجاج مكتبه الكبير اللي واصل من الأرض للسقف، حسيت كأن أنوار القاهرة اللامعة كلها اختفت واختفت معاها الدنيا.
فجأة، اتجمد.
تماماً.
فضلت إيده ثابتة عند فكي، وعيونه الغامقة مركزة عليا وقفلت على نظرتي. دقات قلبي كانت سريعة وقوية لدرجة إنها كانت بتوجعني.
مكانش المفروض أكون هنا اصلاً.
مكانش المفروض أدخل البرج بتاعه في وسط الليل كده.
مكانش ينفع أركب الأسانسير للدور الأخير وأنا شايفة مكتب الأمن تحت فاضي مفيش فيه حد.
وأكيد، مكانش ينفع أقوله الحقيقة دي بالذات.
لثانية واحدة طويلة ومرعبة، افتكرت إني عملت أكبر غلطة في حياتي.
بس بعد كده، مشى إبهامه براحة وبلطف شديد على خدي.
الحركة كانت حنينة بشكل غير متوقع بالمرة، لدرجة إنها كانت هتبكيني وتكسر خوفي.
شفايفه اترسمت عليها ابتسامة خفيفة—مش الابتسامة الباردة اللي الناس بتخاف منها وبتتهامس عليها، لأ، كانت حاجة أرق بكتير.
وقال بصوت هادي: “يبقى نمشي خطوة خطوة وبالراحة.”
نسيت إزاي أتنفس.
مفيش أي حاجة في زين المصري توحي بالراحة أو اللطف.
كان في نقط دم على طوق قميصه الأبيض. مش كتير لدرجة تبان حادثة، بس كفاية تفكرني هو مين وليه كل الناس بتترعب من اسمه.
الممر الفاضي برا.
السكوت الغريب اللي مالي المكان.
غريزتي كانت بتصرخ فيا وتقولي التفتي واجري برا المكان ده حالاً.
بس الغرايز مبيتدفعش بيها فواتير.
ولا ساعدت أمي إنها تدفع وصل النور والبيت يفضل منور.
ولا أنقذت شغلي اللي بأكل منه عيش.
عشان كده جيت رغم كل حاجة.
جيت وفي محفظتي اتناشر جنيه بس، وآثار الدقيق لسه تحت ضوافري، وفاتورة متطبقة جامد في إيدي.
زين فضل يتأملني بتركيز.
وفجأة استوعبت حاجة غريبة جداً.
مكانش بيلمسني كراجل عايز يمتلكني أو يفرض سيطرته عليا.
كان بيلمسني كأنه خايف يكسر حاجة رقيقة وضعيفة بين إيديه.
همست: “لازم أمشي.”
رد عليا: “المفروض فعلاً.”
بس محدش فينا اتحرك خطوة واحدة.
المكتب كان واسع جداً—خشب أبنوس غامق، جلد أسود، وزجاج محاوط المكان كله. المطر كان بينزل برا بهدوء ويخبط على الإزاز اللي بيطل على كورنيش النيل.
سألني: “أنتي جيتي هنا لوحدك؟”
“افتكرت في أمن تحت في المدخل.”
“مكانش فيه.”
“أهو أنا لاحظت ده فعلاً.”
لمحة من التسلية ظهرت على وشه.
“وبرضه طلعتي؟”
“صاحب الشغل قال لي لو الفاتورة دي متسلمتش الليلة دي، هيتخصم من مرتبي.”
“وهو بعتك هنا في نص الليل؟”
قولتله: “هو مبعتنيش.. هو زعق وشخط، وفي فرق كبير.”
المرادي كاد يبتسم بجد.
“اسمه إيه؟”
بطني اتشدت من الخوف.
“لأ.”
“لأ إيه؟”
“أرجوك بلاش تعمل اللي بتفكر فيه.”
“وأنا بفكر في إيه بالظبط؟”
“إن في حد يستاهل يتعاقب عشان أنا جيت هنا وخايفة.”
التسلية اختفت من وشه تماماً.
وبص لي بسكات وهو مركز.
“أنتي بتدافعي عن الناس اللي بيخذلوكي؟”
ضحكت بمرارة.
“لو بطلت أدافع عن الناس اللي بيخذلوني، مش هيتبقالي حد في الدنيا دي.”
في حاجة اتغيرت في نظرته وتعبير وشه.
عينه مشيت على بالطو القديم والمستهلك، على لبس الشغل والتجهيزات بتاعي، وجزمتي اللي ملزوقة بأمير عشان تمشي الحال.
“اسمك إيه؟”
“إيمي رينولدز.”
كرر الاسم ورايا بصوت واطي وهادي.
“إيمي.”
الطريقة اللي نطق بيها اسمي خلت دقات قلبي تقف.
مديت إيدي وسلمته الظرف.
“دي الفاتورة من شركة ‘بيل آند بلوم’ للتجهيزات الغذائية.. أنا اللي عملت الكانولي.”
“عارف.”
عنيا اتوسعت من الصدمة.
“عارف؟”
“أنتي اللي اتخانقتي مع شيف الحلويات عشان قشر البرتقال.”
“أنت شوفت الموقف ده؟”
“أنا بلاحظ كل حاجة.”
طبعاً بيلاحظ، هو زين المصري.
أخد الظرف، وقعد ورا مكتبه، وطلع دفتر الشيكات وكتب شيك.
لما حركه على المكتب ناحيتي، النفس اتقطع مني أول ما شوفت الرقم.
“ده كتير جداً.. مش رقم الفاتورة.”
“ده شامل الحلاوة والمكافأة بتاعتك.”
“ده جنان.”
“الكانولي كان يستاهل.”
“مفيش أي حلويات في الدنيا تستاهل المبلغ ده كله.”
ابتسامة خفيفة جداً لمست شفايفه.
“الكانولي بتاعي يستاهل.”
كان المفروض أخد الشيك وأمشي فوراً في اللحظة دي.
بدل ما أقف مكاني وأنا معايا فلوس تكفي أدفع إيجار البيت، وأساعد أمي، وأصلح عربيتي الهوندا القديمة المكركبة عشان ترجع تمشي تاني.
بس زين ساند ضهره على الكرسي وبص في عيني علطول.
“اتعشي معايا بكره.”
الكلمات دي خبطت فيا أقوى من أي تهديد ممكن يتقال.
قلبي وقف تماماً.
“إيه؟”
وقبل ما ألحق أقرر إذا كنت هجري وأهرب برا الأوضة ولا هفضل واقفة مكانيا، قام من على الكرسي وأخد خطوة واحدة واسعة ناحيتي…

حكايات شروق خالد

أخد خطوة واحدة وسعت المسافة اللي بيننا، لحد ما بقيت شايفة انعكاس أنوار الكورنيش في عيونه الغامقة.
“بقولك اتعشي معايا بكره يا إيمي. متهيألي كلامي واضح.” صوته مكانش فيه صيغة أمر، بس كان فيه ثقة تخلي الرفض شبه مستحيل.
بلعت ريقي وبصيت للشيك اللي في إيدي: “أنا مش من مستواك يا زين بيه، وأنت عارف كده كويس. أنا جيت هنا عشان شغلي وبس.”
هز رأسه ببطء، وعينه منزلتش من على عيني: “وأنا مبعزمش المستويات، أنا بعزم البنت اللي لفتت انتباهي وسط زحمة ماليش ميزاج ليها. بكره الساعة تمانية، هتوصلك عربية لحد البيت.”
“بس أنا مديتكش عنواني.”
ابتسم نفس الابتسامة الخفيفة اللي بتدوب الخوف: “قولتلك.. أنا بلاحظ كل حاجة، وأعرف كل حاجة. ودلوقتي، الشوفير بتاعي مستنيكي تحت عشان يوصلك، الدنيا ليل ومينفعش تمشي لوحدك.”
لفيت وضهري وقلبي بيدق زي الطبل، أخدت الشيك وخرجت من المكتب وأنا حاسة إن الهوا بره بدأ يرجع لرئتي تاني. طول الطريق في العربية الفخمة اللي وصلتني، كنت باصة للشوارع وبسأل نفسي: أنا إزاي وافقت؟ وإزاي راجل بكلمة منه يهز بلد، اتعامل معايا بالحنية دي كلها؟
تاني يوم، الساعة سبعة ونص بالظبط، لقيت تليفوني بيرن ورقم غريب بيطلبني.
“آنسة إيمي؟ أنا السواق بتاع زين بيه، أنا واقف تحت البيت.”
وقفت قدام المراية، كنت لابة فستان أسود بسيط جداً، هو أحسن حاجة عندي بس أكيد مش من التوب اللي بيشوفه كل يوم. نزلت وركبت، والعربية مشيت بينا لحد ما دخلت من بوابة قصر كبير على أطراف القاهرة، مكان هادي ومعزول ومفيش فيه صوت غير حركة الشجر مع الهوا.
السواق فتح لي الباب، ومشيت وراه لحد ما دخلت جنينة واسعة مطلة على حمام سباحة، وكان في ترابيزة متوضبة لشخصين بس، وعليها شموع وإضاءة خافتة.
زين كان واقف مستنيني، المرادي مكانش بالبدلة، كان لابس قميص أسود مريح وفاتح أول زرارين، وشكله مكانش يخوف زي امبارح، كان يبان ساحر وجذاب لدرجة تخطف العين.
أول ما شافني، قرب عليا وعينه لمعت: “نورتي يا إيمي. الفستان الأسود عليكي أحلى بكتير من لبس الشغل.”
قعدت وأنا بحاول أداري ارتباكي: “شكراً.. المكان هنا جميل أوي.”
“المكان ده مبيكش فيه غير الناس اللي بختارهم بنفسي.”
العشا بدأ ينزل، ومكنش أكل عادي، كان كأنه معمول في أكبر فنادق العالم، بس الغريبة إن زين مكنش بيتكلم في الشغل أو السيطرة، كان بيسألني عن نفسي، عن حلمي في فتح محل الحلويات الخاص بيا، عن أمي، وعن التفاصيل الصغيرة اللي محدش فكر يسألني عليها قبل كده.
وسط الكلام، سألته السؤال اللي كان بياكل عقلي من امبارح: “أنت ليه مهتم بيا كده يا زين؟ أنا بنت غلبانة، وأنت.. أنت الكل بيخاف منك.”
حط الشوكة من إيده، وسند بضهره لورا وبص لي بنظرة طويلة: “عشان في عالمي يا إيمي، كل الناس بتلبس وشوش. كله طمعان، كله بيكدب، وكله عايز ياخد مصلحة. امبارح، لما دخلتي مكتبي وقولتيلي الحقيقة ببراءة وخوف، حسيت إني شوفت حاجة حقيقية لأول مرة من سنين. الحقيقة عندك غالية، وأنا بقدر ده.”
سكت ثانية، وبعدين قرب وشه شوية وقال بصوت واطي هز كياني: “ولسه عند كلمتي.. إحنا هنمشي خطوة خطوة وبكل راحة.”
الحكاية بدأت كأنها حلم، بس في عالم زين المصري، الأحلام دايماً بيبقى ليها ثمن، ومكنتش أعرف إن الليلة دي هي البداية لطريق مش هعرف أرجع منه تاني.

خطوة خطوة مع ابن المافيا
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *