كابوس في المطبخ الجزء الاول حكايات شروق خالد
صرخة الواد وصلتلي قبل حتى ما مفتاحي يلمس قفل الباب.
مكنتش الصرخة الهادية بتاعة عيل جعان عنده ست أسابيع، ولا العياط التعبان اللي يوسف بيعيطه لما يكون عايز يغير الحفاضة، الصوت ده كان طالع من الجوف، شرخ ومفزوع، كسر سكات البيت، وناقض ريحة الفراخ المحمرة والتوم اللي كانت طالعة من المطبخ.
إيدي اتزحلقت من على المفتاح.
أنا كنت غايب بقالي تمانية وأربعين ساعة.. يومين بالظبط.
دي كانت أول مأمورية شغل ليا من يوم ما نادية ولدت، وكل شبر كنت ببعده عنها كان بيكتم على نفسي.. كانت لسه بتتعافى من الولادة القيصري الصعبة اللي خلتها تمشي في البيت خطوة خطوة، وإيدها ساندة على بطنها، ووشها يقلب أبيض كل ما توطي بسرعة.
#حكايات_شروق_خالد
كانت بتعتذر إنها محتاجة مساعدة، كأن الوجع ده ذنبها هي.
كان لازم أقعد ومسافرش.
بس الحاجة كريمة هي اللي صممت.
أمي كانت واقفة في المطبخ من تلات أيام، لابس حلق اللولي بتاعها، وعبايتها الشيك، وعلى وشها الابتسامة الواثقة اللي تخلي الجيران يفتكروها أجدع ست في الدنيا.. وقالتلي: “أنا هقعد معاها، سافر أنت يا مصطفى وشوف شغلك، نادية محتاجة ست واعية وخبرة في البيت، مش جوز قلقان وواقف فوق راسها”.
نادية كانت قاعدة على ترابيزة الفطار، ويوسف ساند على كتفها، وشعرها ملموم أي كلام، وورقة الخروج من مستشفى القصر العيني لسه جنب علبة المناديل.. كانت باينة تعبانة لدرجة تخليها تختفي جوه لبسها، ومع ذلك ابتسمتلي وهمست: “هبقى كويسة.. والدتك عايزة تساعد”.
دي كانت إشارة الأمان.
أنا اديت لأمي مفتاح البيت، وأوضة الضيوف، ورقم دكتور الأطفال اللي على التلاجة، وأمنت الحرمتين الغاليين اللي في حياتي معاها، لأن حتة جوايا كانت لسه عايزة تصدق إنها ممكن تبقى الأم الحنينة اللي بتمثلها قدام الناس.
الناس القاسية مش دايماً بيجوا بصوت عالي وزعيق، ساعات بيجوا بصواني الأكل، والفوَط المطبقة، وكلام القلق والمحبة.. وبعدين يستنوا لحد ما محدش يكون شايفهم.
زقيت الباب بقوة لدرجة إنه خبط في الحيطة، شنتة سفري وقعت في الصالة، وعجلة الشنتة فضلت تلف على البلاط في هدوء مستفز، والواد يوسف صوته عمال يعلى من جوة.
#حكايات_شروق_خالد
زعقت وأنا بجري: “يوسف؟ نادية؟”
كل ما كنت بقرب، ريحة الأكل كانت بتخنقني أكتر.. فراخ محمرة، سمنة، توم، وحاجة شايطة من الأطراف.. المطبخ كان المفروض ريحته تدفي وتحسس بالأمان، بس الريحة دي قلبت بطني قبل ما أشوفهم حتى.
نادية كانت واقعة على المشاية اللي بين الرخامة وترابيزة السفرة.
مكانتش بتمشي.. كانت جث..ة هامدة.
وشها كان رمادي، وشفايفها ناشفة ومقشرة، إيد من إيديها كانت ممدودة ناحية السرير الهزاز بتاع يوسف كأنها كانت بتحاول توصله قبل ما جسمها يقع.. تيشرتها كان غرقان عرق، وشعرها لازق على خدها، وحزام البطن الطبي كان متحرك وموجوع فوق بطنها.
شريط الحبوب البرتقالي اللي مكتوب في تذكرة المستشفى كان رام لبعيد تحت الرخامة.
يوسف كان واقع على بعد أقل من مترين منها، وشه أحمر وبيتنفض، إيديه الصغيرة عمالة تترعش في الهواء.. كان بيعيط بحرقة لدرجة إن صوته اتنبح وبقى يطلع منه الآهات الضعيفة اللي العيال بيطلعوها لما الخوف يهد حيلهم بس ميهدش وجعهم.
وعلى ترابيزة السفرة، على بعد أقل من تلاتة متر منهم، كانت الحاجة كريمة قاعدة بتاكل غداها.
لا طلبت الإسعاف، ولا شالت ابني، ولا ركعت جنب مراتي.
كانت بتاكل.
فرخة محمرة كاملة في نص الترابيزة مع رز، وبطاطس بوريه، وشوربة، وسلطة، ومترتبة كأن فيه ضيوف جايين.. مناديل قماش، كبايات مية، وشافق عصير ساقع مشبر.. والفضة النظيفة.
أمي رفعت الشوكة، وأخدت قطمة بالراحة، وبصت لنادية بزهق.
وقالت بصوت واطي: “ممثلة.. وبتاعت شو”.
الكلمات دي مخلتنيش أنفجر.
دي خلتني أسكت خالص.
حاجة جوايا نزلت في حتة ضلمة وساقعة لدرجة إنني مكنتش عارف نفسي.. مألتش إيه اللي حصل، لأن التبريرات بتبقى في عالم ممكن الأمور فيه تتفهم غلط، ومفيش أي سوء تفاهم في ست قاعدة بتاكل غداها ومراتي واقعة مغمى عليها وابني الرضيع بيصرخ جنبها.
#حكايات_شروق_خالد
تحركت.
شلت يوسف الأول، حطيت إيد الإثنين تحت جسمه اللي بيتنفض وضميته لصدره.. أول ما حس بيا، صريخه قلب لشهقات وشه السخن لزق تحت دقني، وبقه الصغير كان بيدور بضعف في قميصي.
همستله: “أنا جنبك.. بابا هنا.. أنا جنبك”.
وبعدين نزلت على ركبي جنب نادية.
صوتي مكنش طالع طبيعي وأنا بقول: “نادية”.. نقلت يوسف على كتف واحد وضغطت بصابعين على جنب رقبتها.. نبضها كان سريع وضعيف قوي، وجلدها كان ساقع ومبلول تحت إيدي: “يا حبيبتي اصحي.. عشان خاطري.. نادية أنا جيت”.
رموشها اتهزت.
الراحة دبت فيا لدرجة إن عيني زغللت.
همست بالعافية: “مصطفى؟”
“أنا هنا”.
شفايفها اتهزت بس مطلعش صوت، وعينيها قفلت تاني.
ورايا، أمي تنهدت بملل كأنني قطعت عليها المسلسل المفضّل بتاعها.
التلاجة كانت بتزن، والـساعة اللي فوق الدولاب بتكتك، المية كانت بتنزل نقطة نقطة في الحوض.. والشوكة بتاعة أمي كانت بتخبط بالراحة في الطبق وهي بتاكل، في نفس الوقت اللي إيد مراتي كانت مرمية على الأرض وابني بيتنفض على صدري.
#حكايات_شروق_خالد
محدش اتمسك.
سناي قفلت على بعضها لدرجة إن الوجع سمع في دماغي.. في ثانية وحدة وساخة، اتخيلت نفسي بلف وبقلب الترابيزة دي كلها بالأكل اللي عليها على الأرض.. الفراخ، الكبايات، العصير، اللولي، كله.
بس مـعملتش كده.
حطيت يوسف بالراحة على صدري، وطلعت تلفوني بإيد واحدة، وشفت الساعة على الشاشة: 1:43 الضهر، يوم الثلاثاء.
سجل المكالمات الفايتة وراني إن نادية حاولت ترن عليا الساعة 11:08 الصبح وأنا في الطيارة.
مكالمة واحدة.. فويس ميل واحد.. زوجة بتحاول تطلب المساعدة قبل ما جسمها ينهار.
أمي مسحت طرف بقها بمنديل قماش وقالت: “يا مصطفى متبقاش خايب، دي بتعمل كده عشان تلفت النظر بس”.
دوست على رقم الإسعاف.
ولما الخدمة ردت، أمي أخيراً رفعت عينها من الطبق وفهمت إنني مش بسألها إيه اللي حصل.
أنا كنت ببلغ عنها.
أول حاجة البنت بتاعة الإسعاف سألتها هي إذا كانت الست المغمى عليها بتتنفس.
تاني حاجة سألتها، هي إذا كان فيه حد تاني معاها في الأوضة.
بصيت لأمي في عينها، ورفعت التلفون عشان كل كلمة تتسمع، وقلت: