*فاتورة الغرور وثمن الاختيار** ج1 حكايات شروق خالد
كل يوم جمعة، الساعة تسعة الصبح بالدقيقة، كان في 27,500 جنيه بيخرجوا من حسابي زي دقة جرس مبقتش عارفة أطنشها.
أول مرة عملت فيها التحويل التلقائي ده، عيطت ودموعي غرقت كم كم مـش لإن ندمانة، عيطت لإن لأول مرة في حياتي بعد ما كبرت، حسيت إني أخيراً البنت البارة اللي قدرت ترد الجميل لأهلها.
أبويا وأمي ربوني على الأكل البايت المسخن، والمواعيد الصارمة، والمواعيد اللي مفيش فيها دلع، والخطب اللي عن إن الواحد يعمل الصح حتى لو محدش صقفله. عشان كده لما أبويا قال إنهم قللوا ساعات شغله في المصنع، وأمي حكت إن الكوافير بتاعها مبيخلوش زباين تقريباً، مفكرتش مرتين.
الأهل بيشيلوا بعض.
ده اللي فضلت أقوله لنفسي وأنا بكتب رقم الحساب في الموبايل كأني بقول دعاء.
بعد تلات سنين، كلمة “نشيل بعض” دي بقت تتشاف في لزق الشمع اللي كنت بلزق بيه كوتشي “ليلى” بنتي من جوه عشان ميتشحتفش.
بقت تتشاف في إيجار الشقة اللي بيتأخر كل شهر، وطلبات البيت اللي كلها بتتحمل على الفيزا، و”محمود” جوزي وهو راجع من وردية الشغل التانية وإيديه متشققة من كرتون المخزن والبرد والتراب. في ليلة من الليالي، حط صباعه المتفصل ببلاستر على كشف حساب البنك وقال لي بصوت واطي:
— شهر واحد بس يا سارة.. اسأليهم ينفع يشيلوا أقل شوية الشهر ده؟
بوست إيديه وقولتله:
— محتاجينه يا محمود.
وبعدها وقفت في المطبخ وأنا ببص على كوتشي بنتنا الصغير، وبحاول معملش حسابات وفلوس على حساب رجلين بنتي اللي بتكبر.
أمي وعدتني إنهم هيجوا عيد ميلاد ليلى.
قالت لي: “مش هنفوت اليوم ده لأي سبب في الدنيا”.
صدقتها، لإن التصديق أرخص بكتير من إنك تواجهي حقيقة إنك بقالك سنين بتمولي نسخة من عيلة، بنتك فيها هي حاجة اختيارية وعلى الهامش.
يوم السبت صحينا على جو جميل، والشمس داخلة من البلكونة تنور الصالة. علقت بالونات رخيصة على سور البلكونة. المفرش البلاستيك البمبي كان بيتحرك مع الهوا، والتورتة الشيكولاتة طلعت معوجة شوية، بس داريتها بالكريمة البمبي لإن ليلى كانت حلفالي إن “اللون البمبي بيبقى طعم العيد ميلاد أحلى”.
على الساعة اتنين، صوت عياط وضحك الأطفال كان مالي الصالة والشارع.
على اتنين ونص، كانت أغاني أعياد الميلاد شغالة بأعلى صوت وأحلى بهجة.
على الساعة تلاتة، كان في فستان أميرات جديد، وعلبة هدية متغلفة لسه مقفولة، قاعدين مع بعض على الكنبة، مستنيين جد وجدة مفيش رجل ليهم خطت عتبة الباب.
ليلى كانت لسه بتبص من ورا السلك بتاع الباب، بتبص على الشارع، على أول الناصية، على أصيص الزرع اللي كانت غارزة فيه علم ورق ملوناه بإيديها، كأنها بنظرتها دي هتحرك عربية بابا وماما وتخليهم يظهروا فجأة.
على الساعة أربعة، كانت أخر شنطة هدايا ويه للعيال مشيت.
والسكوت اللي حل على الشقة كان تقيل، ملزق بطعم السكر، ومؤذي جداً.
اتصلت.
أبويا رد عليا وصوت الضحك وضرب الكبايات ببعضها واصل لحد عندي في التليفون.
قال لي: “هو كان النهارده؟.. إحنا عند تامر أخوكي في البيت، هو صمم ومحبش يزعلنا، وإنتي عارفة البيت عنده عمران دايماً”.
قولتله: “أنت كنت عارف إنه النهارده، أنا مفكراك بيه إمبارح”.
تنهد كأني أنا اللي نكدية وبدلع:
— مش هنفوت كل اللي في إيدينا عشان كل حاجة صغيرة يا سارة، إحنا عندنا أحفاد تانين، وهنا الموضوع أسهل والمشوار أقرب.
سألته، وركبي بتخبط في بعضها من الإجابة اللي أنا عارفاها أصلاً: “وطيب وتمن المواصلات والهدية دفعتوهم منين؟”
رد بجفاء: “حوشنا.. واللي بنعمله بفلوسنا ده يخصنا إحنا. إنتي اللي عرضتي المساعدة ومحدش غصبك”.
وبعدها قال الجملة اللي مش بس جرحتني، دي قسمت حياتنا نصين وصنفتنا.
قال: “إحنا مش بنحسب عيلتك زي الباقيين يا سارة.. عيلة تامر أخوكي عيلة مستقرة ووضعه مستريح ومرتّب.. إنتي فاهمة طبعاً”.
قفلت السكة قبل ما ليلى تسمع صوت عياطي المكتوم ورا باب أوضتها.
المطبخ كان ساقع ومفهوش حركة.
أباكشين البنك كان بينور على الرخامة. بالونة طايرة لوحدها كانت بتتحرك على شاشة الميكروويف. محمود كان واقف جنب أطباق الورق الفاضية، بيبص لها كأنها شتمته.
من الطرقة جوه، سمعت صوت شهقة عياط صغيرة أوي من بنتي.
دخلت على الأبلكيشن، ولغيت التحويل التلقائي فوراً.
وبعدها بدأت أقطع كل حبل هما ربطوه حولين رقبتي.
قسط العربية اللي مضيت عليه ضامنة عشان “أساعدهم ياخدوا فايدة أقل”: قفلته، وحولت بيانات الملكية لعنوان تاني.
الخطين الزيادة اللي فاتحاهم ليهم على نظام فاتورتي في الموبايل: شيلتهم وفصلت الخدمة.
الفيزا الإضافية اللي كنت عاملاها ليهم للطوارئ وكانوا بيستعملوها كأنها كوبون مفتوح للدليفري والفسح: جمدتها، ونزلت كشوف الحسابات، وعلمت على كل المبالغ وسيفتها.
خمسة عشر دقيقة من اللمس على الشاشة هدت تلات سنين من الإحساس بالذنب والفرض.
أمي اتصلت بعدها بشوية بالصوت اللي كله عتاب ومظلومية اللي بتستعمله دايماً عشان تحسس الناس قد إيه هي متبهدلة:
— إنتي عملتي إيه؟! الفلوس دي بتاعتنا إحنا!
بصيت على التاج الورق اللي ليلى سابته على الترابيزة، على لحوسة الكريمة البمبي اللي جنب سكينة التورتة، وعلى الصورة اللي على التلاجة من الصيف اللي فات: ليلى وماسكة سلكة صواريخ بتنور في إيديها وضحكتها الكبيرة.. ضحكة طفلة لسه مستنية حد يختارها ويهتم بيها.
لأول مرة من سنين، حسيت بحمل تقيل وجبل انزاح من على صدري.
فتحت الصور عندي.
لقطات شاشة (سكرين شوت) لكل تحويل بنكي عملته.
الرسالة اللي أمي كانت بتوعدني فيها إنهم هيجوا.
الرسالة اللي أبويا بعتهالي الشتا اللي فات — “إحنا مالناش دعوة” — لما عربيتنا عطلت ومحمود اضطر يركب الميكروباص من الفجر في عز التلج أسبوع كامل عشان يروح شغله.
صورة ليلى بفستانها الموف، وهي بتبص وبتضحك لباب عمره ما انفتح.
بعدها فتحت جروب العيلة على الواتساب.
الجروب اللي فيه ولاد العم اللي “ملهمش دعوة”.
العمات اللي مبيبعتوش غير أدعية الصباح.
تامر أخويا، اللي آخره يعمل إيموجي (لايك) على أي مصيبة، وقاعد في بيته المترتب.
كتبت جملتين اتنين.
واضحين.
من غير شتيمة، ومن غير اعتذار، ومن غير ما أسيب لهم سلم ينزلوا بيه بكرامتهم.
أرفقت الصور، وملف الـ PDF بتاع البنك، وصورة تورتة ليلى وفي خلفيتها الكرسيين الفاضيين.
محمود بص لي من الناحية التانية من المطبخ وسألني:
— إنتي متأكدة؟
بصيت للطرقة، جوه الأوضة، ليلى كانت نامت والبرقيت لسه ملزوق على خدها الصغير.
صباعي وقف فوق كلمة “إرسال”.
وساعتها…
حكايات شروق خالد
وساعتها.. دوست إرسال.
الغرفة كأنها اتملت بهوا بارد، والشاشة نورت للحظة وفضل السهم بيلف لحد ما الرسالة والملفات ظهرت لكل أفراد العيلة.
الموبايل في إيدي مالحقش يهدأ، وبدأ يتهز ورا بعضه زي المكنة. الرنات والرسائل بدأت تنزل زي المطر، بس المرة دي مكنش عندي أي رغبة إني أفتح أو أقرأ.
تامر أخويا كان أول واحد يكتب على الجروب: “إيه اللي إنتي كاتباه ده يا سارة؟ إزاي تفضحي أبوكي وأمك بالشكل ده قدام القرايب؟ عيب الكلام ده، امسحي القرف ده حالاً!”
وبعدها بدقائق، عمامي وعماتي بدأوا يدخلوا، اللي بيلوم، واللي بيقول “يا بنتي البيوت أسرار”، واللي اتصدم من الأرقام والفلوس اللي كنت بدفعها كل شهر وهما ميعرفوش عنها حاجة، وكانوا فاكرين إن تامر هو اللي شايل البيت لوحده لإن وضعه “مستقر ومترتب”.
أمي رنت تاني وتالت، ولما مردتش، بعتت رسالة صوتية كانت بتعيط فيها بصوت عالي: “يا خسارة تربيتي فيكي يا سارة! بتفصلي الخطوط وبتقطعي المصروف وبتقفلي الفيزا في وشنا؟ إحنا اللي يتقال علينا بناخد فلوس وبنطنش بنتك؟ ربنا مش هيبارك لك!”
أبويا دخل على الخط وبعت رسالة قصيرة كلها غيظ: “انسي إن ليكي أب يا سارة، والفلوس اللي كنتي بتبعتيها دي برقبتنا، ومش عايزين منك مليم تاني، والزمن بيننا”.
كنت قاعدة على الكنبة، والموبايل بيتهز في إيدي، بس لأول مرة مكنتش بترعش، ومكنتش حاسة بالذنب اللي كان بياكل قلبي كل جمعة. بصيت لمحمود جوزي، اللي جه وقعد جنبي، وأخد الموبايل من إيدي بهدوء، وعمله صامت، وحطه على الترابيزة وشه لتحت.
محمود بص في عيني وقال لي: “إنتي عملتي الصح.. ليلى أهم من أي حد في الدنيا دي، وإحنا تعبنا وشقينا عشانهم وهم استكتروا على بنتنا الفرحة”.
قمت من مكاني ودخلت أوضة ليلى بالراحة. كانت نايمة بعمق، الفستان البمبي الصغير جنبها على السرير، وآثار الكريمة والبرقيت لسه على وشها. وطيت عليها، وبست راسها، وهمست لها في ودنها: “أوعدك يا قلب ماما، من النهارده مفيش حد هيكسرك، ولا حد هيخليكي تحسي إنك قليلة أو اختيار ثانٍ”.
خرجت للمطبخ، وبدأت ألم الأطباق البلاستيك والبالونات المفرقعة وأنا حاسة بنشاط وغسيل من الجوايا عمري ما حسيته. الفلوس اللي كانت بتروح كل شهر عشان تشتري رضا ناس مبيبرضوش، من النهارده هتروح في مكانها الصح.
الكوتشي البمبي بتاع ليلى مش هيتلزق بتشمع تاني، وإيجار الشقة مش هيتأخر، ومحمود مش هيضطر يشتغل وردية تانية في عز التلج عشان يسد عجز بيتنا.
لما الجمعة اللي بعدها جت، الساعة دقت تسعة الصبح.
المنبه بتاع الموبايل رن عشان يفكرني بالتحويل القديم. مسكت الموبايل، وبصيت للشاشة اللي كانت فاضية، مفيش فلوس خرجت، ومفيش إشعار سحب جالي من البنك.
فتحت الأبلكيشن، وبصيت على الرقم اللي فضل في حسابي، وحولت جزء منه لحساب توفير باسم “ليلى محمود”.
الأغاني اللي كانت بتوجعني زمان مبقتش بتوجع، والأهل اللي كانوا رابطين رقبتي بالواجب المزيف فكوا إيديهم بنفسهم لما الحقيقة ظهرت قدام الكل. قفلت الموبايل، وبصيت من البلكونة على الشمس وهي طالعة، وأنا عارفة إن من النهارده، عيلتي الصغيرة هي وبس اللي بتتحسب أولاً وأخيراً.