ابنتي في صندوق القمامة ج1 حكايات شروق خالد
“اعملي اللي بقولك عليه… وإلا أقسم بالله هفضحك قدام البلد كلها!”
صرخت أمها في وشها، وهي بتشدها من دراعها بعنف.
سعاد كانت ضامة الرضيعة على صدرها، وبتعيط لدرجة إنها مش قادرة تاخد نفسها.
“يمّه… دي بنتي… والله ما أقدر أرميها.”
رفعتها أمها من شعرها وهي بتزعق:
“بنتك؟! دي فضيحتك! لو النهار طلع والناس شافتها، مش هيقولوا مين ظلمك… هيقولوا بنت عبدالعظيم جابت عار لأهلها.”
هزت سعاد رأسها وهي بتبوس وش الطفلة الصغير.
“أنا هشتغل… وهربيها… ومش هطلب من حد حاجة.”
دخل أبوها في اللحظة دي، وشه كان أحمر من الغضب، ورمى جلابيته على الأرض.
“لسه البت دي هنا؟”
أمها ردت بسرعة:
“بحاول أفهمها.”
بص لسعاد بنظرة كلها قسوة.
“اسمعيني كويس… يا إما البت دي تختفي الليلة… يا إما انتي وهي مالكوش مكان في البيت.”
شهقت وهي بتقول:
“إنت بتطردني يا بوي؟”
رد من غير ما يرمش:
“أنا بدفن العار قبل ما يدفن اسمي.”
سكتت.
ولا كلمة خرجت منها.
حضنت بنتها أكتر، وكأنها بتحاول تخبيها جوه قلبها.
الرضيعة فتحت عينيها الصغيرين، وبصتلها، وابتسمت ابتسامة بريئة.
في اللحظة دي، سعاد انهارت.
“حرام عليكم… دي ملهاش ذنب.”
لكن أبوها فتح الباب وهو بيشاور ناحية الشارع.
“اطلعي.”
خرجت وهي حافية، لابسة إسدال قديم، والبرد بيقطع جسمها.
كانت الساعة داخلة على اتنين بعد نص الليل.
الشوارع فاضية، والكل نايم.
مشت وهي بتبكي، وكل شوية تبص لبنتها.
“أنا آسفة… والله ما كنت عايزة أوصلك لليوم ده.”
الطفلة كانت ساكتة، كأنها حاسة بألم أمها.
وصلت لآخر الشارع.
كان فيه صندوق قمامة كبير جنب عمود نور ضعيف.
وقفت قدامه، لكن رجليها رفضت تتحرك.
فضلت واقفة دقائق طويلة.
كل ما تقرب… ترجع.
وكل ما ترجع… تسمع صوت أبوها في دماغها:
“لو رجعتي بيها… هقتلكم أنتم الاتنين.”
قعدت على الرصيف وهي بتصرخ من العياط.
“يا رب… خد روحي وسيبها.”
لكن مفيش حد سمعها.
بعد لحظات، شافت كرتونة نظيفة جنب الصندوق.
حطت فيها بطانية صغيرة، وبعدها نزلت بنتها بالراحة.
أول ما إيديها سابت جسمها الدافي، الرضيعة انفجرت في البكاء.
سعاد صرخت وجريت تاخدها تاني.
وفجأة…
وقفت عربية سوداء آخر الشارع.
اتفتح بابها، ونزل منها ثلاثة رجال.
واحد منهم قال بصوت خشن:
“فتشوا المكان… البنت لازم تكون هنا.”
اتجمد الدم في عروق سعاد.
هم دول… الناس اللي خدو منها أبو البنت ووعدوه إنه هيتجوزها، وبعدها اختفى في ظروف غامضة.
أخفت نفسها بسرعة ورا سور متهدم، وهي بتكتم نفسها.
الرجالة كانوا بيقربوا من صندوق القمامة… والطفلة لسه بتعيط.
وسعاد واقفة، بين نارين…
لو خرجت، هتموت.
ولو فضلت مستخبية… يمكن عمرها كله يضيع في ثانية.
حكايات شروق خالد
الرجالة قربوا من الصندوق.
واحد منهم رفع الكشاف وسلط النور على الكرتونة.
قال بصوت منخفض:
“العيّل بيعيط… واضح إنه هنا.”
حست سعاد إن قلبها هيقف.
وضعت إيدها على بقها علشان متصرخش.
مد الراجل إيده ناحية الكرتونة…
وفجأة، سمعوا صوت عربية نقل قمامة داخلة الشارع.
السواق زعق:
“وسعوا الطريق!”
الرجالة بصوا لبعض.
واحد منهم قال بعصبية:
“يلا… قبل ما الناس تتلم.”
رجعوا بسرعة للعربية، وتحركوا واختفوا في آخر الشارع.
أول ما العربية السودا غابت، خرجت سعاد من ورا السور وهي بتجري ناحية بنتها.
حضنتها بقوة وهي بتبكي.
“لا… لا… مش هسيبك… حتى لو هموت.”
لفت علشان تجري…
لكن لقت أبوها واقف في آخر الشارع.
كان ماسك عصاية غليظة، وأخوها الكبير واقف جنبه.
شهقت وهي ترجع خطوة.
قال أبوها ببرود:
“لسه معاكي؟”
حضنت الطفلة أكتر.
“مش هقدر أرميها.”
نزل من مكانه وهو بيقرب منها ببطء.
“يبقى أنا اللي هرميها.”
صرخت وهي ترجع لورا:
“لا… أوعى تقرب منها.”
لكن أخوها خطف الطفلة من بين إيديها بعنف.
وقعت سعاد على الأرض وهي تصرخ.
“هاتوها… بنتي… بالله عليكم.”
كانت تزحف على ركبتها، لكن أبوها ركلها في جنبها.
وقعت تتلوى من الألم.
أما أخوها، فجرى ناحية الصندوق.
وقبل ما يحط الطفلة فيه…
سمع صوت ست بتصرخ من آخر الشارع:
“إنت بتعمل إيه؟!”
لفوا كلهم.
كانت ست كبيرة في السن، ماسكة عربية خضار صغيرة، ولسه راجعة من سوق الجملة.
جريت عليهم من غير خوف.
خطفت الطفلة من إيد أخو سعاد، وضمتها لصدرها.
وقالت بغضب:
“إيه القلوب دي؟! دي روح.”
أبو سعاد زعق فيها:
“ملكِش دعوة… دي فضيحة عيلتنا.”
ردت عليه وهي رافعة رأسها:
“الفضيحة مش البنت… الفضيحة إنكم بترموا لحمكم ودمكم.”
الناس بدأت تصحى على صوت الخناقة.
نور البيوت ولع واحد ورا التاني.
رجالة خرجت تبص من الشبابيك.
أبو سعاد حس إن الموضوع هيكبر.
قال لأخوها:
“امشوا.”
قبل ما يمشي، بص لسعاد وقال بغل:
“من النهارده… إنتِ مت.”
سابها ومشي.
سعاد حاولت تقوم، لكن جسمها كان مرمي على الأرض.
بصت للست وهي بتقول بدموع:
“اديني بنتي… بالله عليكي.”
الست قربت منها، لكنها فجأة سألتها:
“أبوها مين؟”
سعاد سكتت.
دموعها نزلت أكتر.
همست:
“لو قلت اسمه… هيقتلني.”
الست ضيقت عينيها.
“يعني راجل كبير وله نفوذ.”
هزت سعاد رأسها.
في اللحظة دي، دوى صوت طلقة نار في آخر الشارع.
ثم طلقة تانية…
والست بصت ناحية الصوت وقالت بفزع:
“واضح إنهم رجعوا… وبيخلصوا على أي شاهد.”
وقبل ما تكمل كلامها…
ظهرت العربية السوداء مرة تانية، لكنها المرة دي كانت ماشية بسرعة ناحية سعاد والست، وكأن اللي جواها قرروا إن مفيش حد لازم يخرج من الليلة دي حي.
حكايات شروق خالد
أضاء نور العربية الشارع الضيق كله.
الست الكبيرة حضنت الرضيعة بسرعة، وشدت سعاد من إيدها.
“اجري!”
سعاد كانت بتترنح من الضربة اللي خدتها من أبوها.
“مش قادرة…”
“لو وقفتي هتموتي!”
جرّتها الست ودخلوا زقاق ضيق بين بيتين قدام، والعربية وقفت بعنف.
نزل منها أربعة رجال.
واحد منهم كان طويل، لابس بدلة سودا، وعلى إيده خاتم فضة كبير.
بص حواليه وقال:
“دوروا… البنت لازم تختفي الليلة.”
سعاد اتجمدت.
همست للست:
“هو… هو ده.”
بصتلها الست باستغراب.
“مين؟”
نزلت دموع سعاد.
“أبوها.”
شهقت الست.
“إيه؟!”
هزت سعاد رأسها وهي بتكتم صوتها.
“هو اللي وعدني بالجواز… ولما عرف إني حامل، قال لو فتحت بقي هينكر كل حاجة.”
الراجل كان من أكبر تجار البلد، وفلوسه كانت تشتري سكوت أي حد.
وفجأة سمعوا صوته.
“اسمعوا كويس… البنت دي لو عاشت، هتدمر كل حاجة بنيتها.”
واحد من رجالته سأله:
“ولو لقينا الأم؟”
ابتسم ببرود.
“خلصوا عليهم هما الاتنين.”
سعاد حطت إيدها على بقها علشان ما تصرخش.
الست همست:
“لازم نهرب.”
خرجوا من الزقاق يجَروا ناحية محطة القطر القديمة.
الدنيا كانت ضلمة، وصوت خطوات الرجالة وراهم بيقرب.
“وقفوا!”
رصاصة ضربت في الحيطة جنبهم، وقطع الطوب وقع على الأرض.
الست زقت سعاد.
“ادخلي جوه المخزن ده.”
دخلوا مخزن مهجور مليان أجولة قديمة.
كانوا سامعين الرجالة بيدوروا برا.
“فتشوا كل حتة.”
واحد منهم قرب من باب المخزن.
مد إيده على المقبض…
وفجأة دوى صوت صفارة قطار دخل المحطة.
الراجل اتلفت ناحية الصوت.
وفي اللحظة دي، الست فتحت الباب الصغير اللي في آخر المخزن.
“يلا!”
خرجوا يجروا ناحية القطار وهو بيتحرك ببطء.
الست طلعت الأول، وبعدها مدت إيدها لسعاد.
لكن سعاد وهي بتطلع… البطانية اللي كانت ملفوفة بيها الرضيعة علقت في باب القطار.
وقبل ما تلحق تفكها…
سمعت صوت الرجل اللي دمّر حياتها وهو بيصرخ من آخر الرصيف:
“سعاد!”
رفعت رأسها.
لأول مرة شافت عينيه بوضوح تحت نور المحطة.
ابتسم لها…
ورفع مسدسه مباشرة نحو الطفلة.
“طالما ما عرفتش أتخلص منها وهي رضيعة… هخلص عليها دلوقتي.”
سعاد صرخت بكل قوتها:
“لااااا!”
ورمت نفسها على بنتها في نفس اللحظة.
دوّى صوت الطلقة…
لكن الرصاصة ما أصابتش الطفلة.
أصابت باب القطار الحديدي، وارتد الشرر في كل مكان.
القطار بدأ يزيد سرعته، والرجل جرى على الرصيف وهو بيصرخ:
“نزلوهم… اقفلوا المحطة!”
لكن القطار كان خرج بالفعل.
سعاد وقعت على أرضية العربة وهي حاضنة بنتها، وجسمها كله بيرتعش.
الست الكبيرة قعدت جنبها، ومسحت على رأسها.
“اهدي… خلاص… ربنا سترها.”
سعاد بصتلها بعين مليانة دموع.
“أنا السبب… أنا اللي ضيعت حياتها.”
الست هزت رأسها.
“لأ… اللي ظلمك هو السبب.”
سكتوا شوية.
بعدها سألتها الست بهدوء:
“قوليلي الحقيقة… مين الراجل ده؟”
سعاد بلعت ريقها، وقالت بصوت متقطع:
“اسمه… الحاج عادل المنشاوي.”
الست اتغير لون وشها.
“تقولي الحاج عادل؟! كبير البلد؟”
هزت سعاد رأسها.
“كان بيجي الغيط كل يوم… قال إنه هيتجوزني، وحلف على المصحف. ولما حملت… بقى ينكر إنه يعرفني.”
“وأهلك؟”
“لما عرفوا… خافوا من سطوته. قالوا لو اتكلمنا محدش هيصدقنا.”
تنهدت الست بحزن.
“علشان كده كانوا عايزين يرموا البنت.”
سعاد حضنت رضيعتها وهي بتبكي.
“كنت هعملها… بس قلبي مقدرش.”
مدت الست إيدها وربتت على كتفها.
“اسمعيني كويس… من النهارده، محدش يعرف اسمك الحقيقي.”
استغربت سعاد.
“ليه؟”
“لأن الحاج عادل مش هيسيبك. هيقلب الدنيا لحد ما يلاقيك.”
سعاد بصت من شباك القطار، وكانت أضواء بلدها بتختفي بالتدريج.
همست:
“يعني عمري ما هرجع هناك؟”
ردت الست بحسم:
“لو رجعتي… هتموتي.”
في تلك اللحظة، فتح باب العربة فجأة.
دخل رجل في الخمسينات، لابس معطف أسود، وعينه ثابتة عليهم.
وقف قدامهم وقال بهدوء غريب:
“متخافوش… أنا مش من رجال الحاج عادل.”
الست وقفت قدامه بحذر.
“أمال مين؟”
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، وأخرج من جيبه بطاقة قديمة.
“أنا ظابط مباحث… وبقالي ست شهور بجمع أدلة ضد الحاج عادل.”
سعاد اتعلقت فيه بنظرة أمل.
“يعني… هتقبضوا عليه؟”
خفض الرجل عينيه وقال:
“كان نفسي أقولك أيوه… لكن الحقيقة أصعب.”
سعاد شهقت.
“ليه؟”
اقترب منها وقال بصوت منخفض:
“لأن الحاج عادل مش بس كبير البلد… الحاج عادل عنده ناس جوه كل مكان.”
ثم انحنى قليلًا وأضاف:
“والأسوأ من كده… إن في حد على القطار ده بعت له خبر إنك هربتي.
“سعاد شحبت.
حضنت بنتها أكتر، وقالت بصوت مرتعش:
“يعني… هو عارف إني هنا؟”
الضابط بص حواليه بحذر، وقفل باب العربة.
“أنا متأكد إن في واحد من رجال الحاج عادل راكب القطر. ومش هيستنى نوصل… هيحاول يخلص عليكم قبل أول محطة.”
الست الكبيرة شهقت.
“يا ساتر يا رب.”
الضابط طلع مسدس صغير من تحت الجاكيت، وحطه في وسطه.
“من دلوقتي، محدش يفتح الباب لأي حد.”
لكن قبل ما يكمل كلامه…
اتخبط باب العربة ثلاث خبطات.
“افتحوا… مفتش التذاكر.”
بص الضابط ناحية الباب، وسكت.
الخبطات اتكررت.
“افتح يا حاج… تفتيش عادي.”
الضابط همس:
“ولا كلمة.”
الست الكبيرة كتمت نفسها.
أما سعاد، فكانت حاضنة بنتها، والرضيعة بدأت تعيط بصوت عالي.
الضابط بص لها بقلق.
“اسكتيها… بسرعة.”
لكن الطفلة كانت بتعيط أكتر.
الشخص اللي بره الباب قال بصوت غليظ:
“إيه اللي جوا؟ افتحوا بدل ما أكسر الباب.”
الضابط قرب من الباب، وبص من الفتحة الصغيرة.
رجع بسرعة، ووشه اتغير.
“ده مش مفتش.”
“أمال مين؟”
“ده واحد من رجال الحاج عادل.”
وفجأة…
اتضرب الباب بركلة قوية.
العربة كلها اهتزت.
ركلة تانية…
والمقبض بدأ يتخلع.
الضابط صرخ:
“اطلعوا من الشباك الخلفي… بسرعة!”
الست الكبيرة بصت للشباك.
“إحنا في قطر ماشي!”
“أيوه… لكن سرعته لسه قليلة.”
سعاد هزت رأسها وهي بتبكي.
“مش هعرف أنط وبنتي في حضني.”
الضابط شدها من دراعها.
“لو فضلتي هنا… هتموتي.”
في اللحظة دي…
الباب اتكسر.
دخل راجل ضخم، ولابس جلابية سودا.
أول ما شاف سعاد، ابتسم.
“الحاج عادل قال ترجعوا أحياء لو ينفع…”
وبعدين رفع المسدس.
“…ولو مينفعش…”
لكن قبل ما يكمل…
الضابط أطلق أول رصاصة.
ودوى صوت النار داخل عربة القطار، بينما صرخت سعاد وهي تضم ابنتها، ولم تكن تعرف أن الرصاصة التي خرجت في تلك اللحظة ستقتل شخصًا لم يكن أحد يتوقع موته.