خيوط النجاه ج1 حكايات منى السيد
جـوزي سابنـي عشـان سـت تانيـة… وسابنـي بغـرق فـي الديـون ومعـايا ٤ عيـال…
“أنا مش قـادر أكمل عيشـة بالشـكل ده يا أنـوار.”
رمى مصطفى حلقة المفاتيح على طبلية الخبيز؛ عفرة الدقيق طارت في الجو ونزلت تاني زي البودرة فوق الطبلية.
فضلت واقفة مكاني، العجين لزق في صوابعي. في الأوضة اللي جنبنا، العيال سكتوا فجأة، كأنهم شموا ريحة العاصفة اللي جاية. حاولت أظبط نفسي مع إن قلبي كان بيدق في زوري زي الطبلة. ما كانش ينفع أبين له إني خايفة. مش دلوقتي خالص… حصري على صفحة روايات و اقتباسات
“في إيه؟ إيه اللي حصل؟” ده كل اللي قدرت أقوله. الهدوء اللي كنت بتمالك نفسي بيه اتهز وشرخ على آخر لحظة.
كان بيبص في الفراغ، مش ليا خالص. أنا خلاص حفظت النظرة دي: باردة، بعيدة، ماسك مرسوم ومترتب صح. أنا مابقتش مراته في نظره، ولا حتى بني آدمة.. بقيت مجرد كركبة في طريقه عاوز يخلص منها.
زعق فجأة: “خلاص، مابقتش طايق! الشغلانة دي، والبيت ده، والديون اللي واصلة لسقف الأوضة.. وأنتِ طول النهار والليل مفيش وراكي غير العجين والخبز!”
نزلت النشابة من إيدي، براحة وبكل حذر. مسحت إيديا الملتوتة بالعجين في المريلة اللي كانت متوسخة أصلاً من مربية التين اللي كنت بعملها. غريبة قوي الحاجات اللي بتثبت في دماغنا في اللحظات دي: كل فرفوتة سكر، الحتة المقشرة في دهان الحيطة، الكشرة اللي بين حواجبه.. فجأة كل حاجة بقت واضحة وبتجرح.
صب مية من القلة وشربها كلها بَبْقَة واحدة. صوابعه اللي كانت ريحتها كلها نشارة خشب وسير المكن بتاع الورشة سابت بصمات مضلمة ومطينة على الكوباية. جه في بالي فكرة سريعة: بكره هيكون عليا أنا إني أغسل الكوباية دي وأمسح آثار صوابعه.
فضل ساكت شوية، وبعدين قال بنبرة هادية، كأنه بيتكلم بالعقل: “أنا هتنقل أعيش معاها. من بكره. أنا لَمّيت حاجتي خلاص.”
وشاور براسه ناحية الممر. لسه واخدة بالي حالا من الشنطة الكبيرة القماش اللي كان بيشيل فيها لبس الشغل. ازاي ماشفتهاش؟ وازاي عديت كل حاجة تانية؟ تأخيره بالليل، تليفونه اللي دايما مقلوب على شاشته، طريقته وهو مابقاش يشوف العيال أصلاً ولا يسأل عنهم.
“والعيال؟ والبيت؟ القسط والوصلات اللي باسمي، والجمعيات اللي كنا بندفعها سوا عشان نِسد؟”
“هيبقوا كويسين.. وأنتِ هتبقي كويسة،” قالها كأنه بيسمّع جملة حافظها ومش فاهمها. “أنتِ طول عمرك بميت راجل وبتتصرفي.”
#حكايات_مني_السيد
دعاء ظهرت عند باب الأوضة كانت خاسة قوي، ووشها اصفر، وتايهة جوه تيشرت واسع ومبهوق عليها. أحمد كان واقف وراها، عينه مبرقة، وفيها نظرة كسر ووعي مفيش أي طفل في الدنيا المفروض يشيلها.
الكلام مخدش وقت، كان قليل وحامي زي الموس. مصطفى متعبش نفسه حتى إنه يلطف الصدمة. الحقيقة طلعت ناشفة وتوجع، زي الطوب الدبش.
ومشي. لا حضن، ولا مع السلامة، ولا حتى بصة وراه. رزع الباب وراه، ورجله قعدت تخروش على الرمل والزلط اللي في الشارع، وبس.. كل حاجة خلصت. فضلنا إحنا الخمسة في بيت فجأة اتملا ديون، ووحدة، وأسئلة مالهاش أي إجابة.
بقاله يومين، تامر الصغير عمال يسألني: “هو بابا لسه زعلان وهيغيب؟” الصغير مش فاهم حاجة.. بس ملك، اللي أكبر منه شوية، فهمت عل طول: إحنا اترمِينا.
الليلة دي منمتش. كنت باصة للسقف، فاضية تماماً من جوه. مفيش دموع، مفيش وجع، هي بس فكرة واحدة بتطحن في دماغي: ازاي؟
ازاي هأكل أربع عيال؟ ازاي هشيل شيلة القسط والوصلات اللي مضيت عليها “عشان نخلص الإجراءات” قبل ما نتجوز وبفكرة منه هو، ودلوقتي ملوية حولين رقبتي زي المشنقة؟
عدى شهرين. مصطفى مارجعش. اتصل مرة واحدة بس بعد أسبوع من خروجه، من رقم غريب—عشان يقولي إنه مش هييجي ياخد باقي لبسه القديم، وإنه يدوب هيقدر يبعت قرشين صغار “مصاريف للعيال”. فكة.. ميعملوش حاجة.
الجيران قالوا لي: “بيعي العفش وسيب البيت وروحي اقعدي عند أمك.” بس ازاي خمس نفوس هيقعدوا في أوضة وصالة؟ أمي يدوب عايشة بمعاش أبو الله يرحمه ومش مكفيها علاج.
أغير شغلي؟ هشتغل إيه؟ دبلوم التجارة اللي معايا بقى له فوق الخمسطاشر سنة ملوش قيمة. أنا دلوقتي بعرف أحسب تمن البامبرز واللبن وعيني مقمضة، بس معرفش أعمل ميزانية لشركة تخلي حد يرضى يشغلني عنده.
وصل أول إنذار من البنك بوقف السداد. بالليل كنت بقعد بالورقة والقلم أحسب وأعيد.. أحسب وأعيد.
المرتب، أشيل منه الدوا.. أشيل منه مصاريف المدارس.. أشيل منه الفواتير… حصري على صفحة روايات و اقتباسات
واللي جاي أسبوع تاني، شهر تاني، سنة تانية.
أقلل في الأكل.. أقلل في النور والمية.. بلاش مصاريف باص المدرسة.. بلاش علاج.. بلاش قسط. كله ناقص، ناقص، ناقص. مهما شلبت الأرقام وحطيتها يمين وشمال، مكنتش بتظبط أبداً.
تاني يوم الصبح دعاء وشوشتني إن تامر الصغير سخن مولع. دور البرد اختار أسوأ وقت ممكن. مفيش في البيت أي مسكن. الفيزا والجيوب مفيهومش غير 200 جنيه. وباقي على القبض سبع أيام.. سبع أيام كأنهم سبع سنين.
بعدها بشوية، مدرسة ملك خدتني على جنب في حوش المدرسة—صوتها كان واطي وعينها مليانة أسى: “يا أم أنوار، هي ملك بتفطر قبل ما تنزل؟ البنت دايخة وطول الوقت بتهبط في الفصل.”
قلبي سقط في رجلي. ملك كانت بتاخد ساندوتش واحد وتقسمه بالنص مع أخوها الصغير في السر ومن غير ما تقولي. أنا مخدتش بالي. أنا كنت أم إيه؟ أعمى من العمي، مش شايفة الحقيقة اللي بتدبح العيال.
بالليل قعدت على الطبلية ومعايا الآلة الحاسبة. حسبت وحسبت وحسبت. الأرقام مش بس مش بتكفي، دي كانت بتطير وتختفي زي الصراصير لما تولع النور. مفيش أي علامة زائد (+).. كله ناقص، ناقص، ناقص…
الباب خبط. قمت فتحت وأنا قلبي مقبوض. كان محضر المحكمة، ومعاه ورقة بإنذار الحجز على العفش عشان كمبيالات متأخرة باسمي. الراجل بص في الأرض وهو بيسلمني الورقة وقال بنبرة ميتة: “امضي هنا يا مدام.. وقدامك 15 يوم تسددي، وإلا…”
مكملش الجملة ومشي. قفلت الباب وسندت ضهري عليه، والورقة في إيدي بتترعش. بصيت على الصالة، على الكنب، على التلاجة الفاضية، وعلى العيال اللي ناموا من التعب على الكنبة بعبث.. فجأة مابقاش في وقت لا للدموع ولا للوجع. الديون مبترحمش، والحيطة اللي كنت ساندة عليها بتهد فوق راسي حالا. أنا دلوقتي في وش المدفع لوحدي، ومفيش أي معجزة هتيجي تنقذني.. لازم اتصرف ووو…..!!!
#حكايات_مني_السيد
يا ترى أنوار هتعمل إيه دلوقتي؟ … هتستسلم للديون؟
ولا هتحارب عشان تنقذ ولادها؟
الفصل الثاني: غبار الحقيقة
الورقة اللي في إيدي كانت بتترعش، مش من البرد، لأ.. كانت بتترعش من الوجع اللي بدأ ينهش فيا. الورقة دي مكنتش مجرد ورقة حجز، كانت صك إعدام لحياتي اللي بنيتها طوبة طوبة مع مصطفى. 15 يوم؟ يعني إيه 15 يوم؟ كنت فاكرة إن الدنيا بتدي مهلة، إن الوجع بياخد وقت قبل ما يكسر الظهر، بس الحقيقة إن الدنيا بتفترس اللي بيقع.
دخلت المطبخ، والهدوء كان تقيل بشكل يخنق. رميت ورقة المحضر على الطبلية، وبصيت للمكان اللي كنت بطلع فيه “اللقمة”. الحيطان اللي كانت شاهدة على ضحكنا، وعلى خناقاتنا، وعلى لحظات الخوف من بكرة.. دلوقتي بقت كأنها بتضيق عليا، الحيطان بتطبطب على كتفي ببرود، بتقولي: “إحنا كمان مش ملكك يا أنوار، إحنا كمان هنهد فوق دماغك.”
بصيت على “تامر” و”ملك” و”أحمد” و”دعاء”. كانوا نايمين، مفيش في قلوبهم غير الحلم اللي لسه شايفينه في كراسة الرسم. أحمد، الصغير فيهم، كان نايم ومكشر، يمكن بيحلم بأبوه اللي مابقاش ييجي، أو يمكن حاسس بالخوف اللي ماليني ومسمع في عضم جسمه وهو نايم.
قعدت على الأرض، جنب طبلية الخبيز. مفيش دموع. الدموع دي رفاهية. اللي بيغرق مبيعيطش، اللي بيغرق بيحاول يلقط أي حتة خشب يمسك فيها. بدأت أراجع في عقلي كل حاجة. لو بعت دهب الجواز؟ مفيش دهب، مصطفى باعه من سنتين عشان “يوسع” في الورشة، والورشة دلوقتي بقت بتاعت “مراته الجديدة”. لو استلفت؟ من مين؟ الحارة كلها عارفة إن مصطفى خلع، وعارفة إن “الديون” اللي سابها عليا أكبر من قدرة أي حد فيهم. الكل بيحس بيا، الكل بيقول “يا حرام يا أنوار”، بس في الآخر، الكل بيقفل بابه ويقول: “يا رب استر علينا من اللي جرى لها.”
قمت غسلت وشي بمية ساقعة، وكأن المية كانت بتغسل عني ريحة الضعف اللي لزقت في جلدي. لميت العيال بهدوء، ودخلتهم أوضة النوم. غطيتهم كويس، وبوست كل واحد فيهم بوسة طويلة، بوسة وداع لحياتي القديمة اللي كانت مأمنة ومطمنة.
خرجت للصالة، وقعدت في الضلمة. مكنتش محتاجة نور عشان أشوف ملامح الخراب. الساعة كانت تلاتة الفجر. الوقت ده من الليل هو الوقت اللي بتطلع فيه الحقيقة، بتطلع عارية ومفيش فيها رتوش.
بدأت أفكاري تروح للأيام اللي قبل ما يمشى.. “ستة شهور”، قالها ببرود. ستة شهور وهو بيخدعني، ستة شهور وهو بيبني حياة تانية فوق أنقاض حياتي. يا ترى كانت بتعمله إيه؟ كانت بتطبخله أحلى؟ كانت بتسمعه كلام حلو؟ ولا هو بس حب “السهل”؟ حب الست اللي مفيش وراها مسؤليات، ولا عيال، ولا ديون، ولا وجع قلب؟ أنا كنت مجرد “الأساس” اللي بيشيل البيت، ولما البيت تقّل عليه، قرر يخلع ويسيب “الأساس” يقع.
فجأة، افتكرت كلام أمي زمان: “يا أنوار، الراجل مبيحبش غير اللي تريحه، ومبيصونش غير اللي تحسسه إنها بضعفها محتاجة له.” أنا كنت بضعفي وبقوتي، بشيل وبحمل، ونسيت إني ست. نسيت إني محتاجة حد يسندني.
قمت وقفت، وبدأت ألم الحاجات اللي تتباع. “مش محتاجة ده، ولا ده.” بدأت أفرز البيت. التليفزيون القديم، الغسالة اللي بقت بتعلق، حتى طقم الصيني اللي كنت شايلاه للضيوف.. كل حاجة بقت مجرد “فلوس” في نظري. القيمة العاطفية ماتت، مفيش غير “النجاة”.
طلعت ورقة وقلم، وبدأت أكتب:
1. بيع الأجهزة اللي ما بتأثرش على حياة العيال.
2. أروح لصاحب الورشة القديم، يمكن يرضى يشغلني في المحاسبة من البيت، حتى لو بقرشين قليلين.
3. أمي.. لازم أكلم أمي. مفيش مفر، لازم أروح هناك حتى لو في أوضة واحدة.
بس عقلي كان بيقول لي: “يا أنوار، إنتِ لو مشيتي، البيت ده هيروح، والديون هتفضل ملاحقاكي.”
الموضوع مش مجرد خروج من بيت، الموضوع إنهم بيطاردوني قانونياً. “الكمبيالات”. دي المصيبة السودة.
الفجر أذن. صليت وأنا بدعي: “يا رب، أنا مش عايزة غير سترة ولادي. أنا غلطت إني وثقت، أنا غلطت إني نسيت نفسي، بس هما مالهمش ذنب.”
طلعت الشارع. الدنيا كانت لسه بتبدأ تصحى. ريحة العيش الفينو، وصوت خبط البياعين، والناس اللي بتبدأ يومها وهي شايلة همومها. مشيت في الشارع وكأنني غريبة. كنت بشوف نفسي في عيون الناس، “الست اللي جوزها اتجوز عليها وسابها في الطين”. بس النظرة دي مابقتش تجرحني. الوجع اللي في قلبي أكبر من نظرة الناس.
وصلت لبيت أمي. كان بيت قديم، ريحته ريحة زمان، ريحة الأمان اللي ضاع. خبطت. فتحت لي أمي، وبصت لي بذهول. وشها اللي كان مليان تجاعيد كأنه خريطة للوجع، بصت لي وقالت بصوت واطي: “يا بنتي؟ إيه اللي جابك في الوقت ده؟”
دخلت، وحضنتها. حضنها كان زي الملاذ اللي كنت محتاجاه. عيطت، لأول مرة، عيطت بوجع، بمرارة، بكل اللي حوشته جوايا الست شهور اللي فاتوا. أمي سكتت، فضلت تطبطب على ضهري، وكأنها عارفة إن ده اليوم اللي كانت مستنياه.
قالت لي وهي بتلمس شعري: “عارفة يا أنوار.. كنت عارفة إنه هيعملها. بس كنت مستنية اللحظة اللي هتيجي تقولي لي فيها إنك خلاص اكتفيتي.”
“اكتفيت يا أمي.. اكتفيت من كل حاجة. أنا مكسورة، بس لسه فيا نفس.”
قضينا اليوم ده في تخطيط. أمي كانت ست عملية جداً، رغم سنها وتعبها. “يا أنوار، إحنا هنبيع عفش البيت، وهنسدد جزء من الديون، والباقي هنروح للبنك ونعمل جدولة.”
“جدولة إزاي يا أمي؟ البنك مبيسمعش.”
“هيسمع يا بنتي، لما يشوفوا إنك جدية، وإنك عايزة تدفعي.”
رجعت البيت، والهم اللي كان شايلني بدأ يخف شوية، مش لأن المشكلة اتحلت، لكن لأن بقى فيه “طريق”. الطريق كان ضلمة، بس كان فيه نور بعيد.. نور بسيط، يمكن يكون مجرد وهج، بس كان كفاية عشان أتحرك.
جمعت العيال، وجمعت كل حاجة في البيت. الحارة كلها اتلمت. ناس بتساعد، وناس بتتفرج، وناس بتشمت. بس ولا حاجة كانت تفرق معايا. “أحمد”، “ملك”، “تامر”، “دعاء”.. كانوا هما كل اللي يهمني.
في وسط الزحمة، شفت “مصطفى”. كان واقف بعيد، بعيد قوي، بيبص على بيته القديم، على حياته اللي دمرها، وعلى ولاده اللي بقوا غريبين عنه. بص لي، ولأول مرة، شفت في عينه حاجة غير البرود.. شفت “الندم”. بس الندم مابيبنيش بيوت، الندم مابيشيلش ديون، والندم مابيمسحش دمعة طفل.
مشيت من قدامه، من غير ما أبص له. مابقاش هو ده الشخص اللي أنا أعرفه. أنا كنت ماشية نحو مستقبل مجهول، بس كان “مستقبلي أنا”.
بعت العفش، وسددت جزء من الديون. وطلعت للمحامي، ووقفت قدام البنك، وكلمت الموظف المسؤول. كانت معركة، معركة تانية، بس المرة دي، كنت داخلة بقلب ميت.
أخدت العيال ورحت لبيت أمي. الأوضة كانت ضيقة، والعيشة كانت صعبة، بس كان فيه “سكون”. لأول مرة، نمت وأنا مش خايفة من صوت خبط على الباب، مش خايفة من إن الكهرباء تتقطع، مش خايفة من “مصطفى”.
مرت أيام، وبدأت أشتغل في خياطة الملابس في البيت. أمي كانت بتساعدني، والعيال كانوا بيذاكروا في النور الخافت. الحياة كانت بسيطة، بس كانت “حقيقية”.
كنت بفتكر اللي حصل كل يوم. بفتكر الوجع، بفتكر الغدر، بفتكر الضعف. بس كنت بفتكر كمان “القوة”. القوة اللي طلعت مني لما مابقاش قدامي غير طريق واحد.. طريق النجاة.
في يوم، وأنا قاعدة بخيط، دخلت “ملك” وقالت لي: “يا ماما، إحنا ليه ماعندناش بيت كبير زي زمان؟”
بصيت لها، وبصيت لأخواتها، وقلت لها: “يا ملك، البيت مش بالحطان، البيت بالناس اللي فيه. وإحنا هنا.. مع بعض.. إحنا أكبر بيت في الدنيا.”
كانت الكلمة دي صادقة. حقيقية. الحياة في بيت أمي كانت بتعلمنا حاجة جديدة كل يوم. بتعلمنا إن السعادة مش في “الكتير”، السعادة في “اللي باقي”.
ومع كل غرزة خياطة، كنت بخيط جروح قلبي. كنت ببدأ صفحة جديدة، صفحة مفيش فيها “مصطفى”، صفحة مفيش فيها “ديون”، صفحة فيها “أنا”.. أنا الجديدة اللي اتولدت من رحم الألم.
القصة لسه ماخلصتش.. الطريق لسه طويل، والديون لسه موجودة، والمستقبل لسه غامض. بس أنا مابقيتش خايفة. أنا بقيت عارفة إن الست اللي قدرت تشيل جبل، تقدر تشيل حياتها.. وتكمل.
بصيت من الشباك، كانت الشمس بتغرب. شمس جديدة، شمس بتوعد ببكرة.. بكرة اللي أنا هبني فيه بيتي من تاني، بكرة اللي أنا هكون فيه أقوى.
وفجأة، لمحت خيال في الشارع.. خيال بيشبهه.. بيشبه مصطفى. بس مكنتش فارقة. حتى لو كان هو، هو مابقاش جزء من حياتي. هو مجرد ذكرى.. ذكرى درس قاسي، بس درس خلاني “أنا”.
الحياة بتدي هدايا، مش دايماً بالشكل اللي بنتمناه. وأحياناً، أكبر هدية هي إنك تفقد كل شيء.. عشان تلاقي نفسك.
(وما زالت الرحلة مستمرة، وما زال هناك الكثير لنواجهه، لكن أنوار لم تعد تلك المرأة التي تنهار أمام كومة دقيق، بل أصبحت امرأة تعرف تماماً كيف تعجن حطام حياتها لتصنع منه خبزاً جديداً.)
**