علقة في شهر العسل حكايات شروق خالد
أول حاجة عملها جوزي بعد ما رجعنا من شهر العسل مكنتش إنه يفضّي شنطة هدومه.. لأ، هو قلع حزامه.
توكة الحزام المعدن التقيلة خبطت في الأباجورة اللي جنب السرير قبل ما يوجهها ناحيتي، وصوت الرنة المعدنية الحادة رجت في أوضة النوم زي ضربة خرطوش.
شريف ابتسم.
مش بغضب.. برغبة ومتعة في اللي هيعمله. وكأن جوازنا أخيراً وصل للحظة اللي كان مستنيها ومخطط لها من زمان.
قال وهو بيلف الحزام الجلد براحة حوالين قبضته: “بما إن شهر العسل خلص بقا.. جه الوقت اللي تتعلمي فيه قواعد إزاي تكوني مراتي وتسمعي الكلام.”
كنا لسه واصلين البيت من الغردقة بقالنا تلات ساعات بالظبط. شنطتي كانت لسه مفتوحة على السرير، ودايرة منها فساتين الصيف الملونة، وكريم الشمس، وصورنا إحنا الاتنين وإحنا بنمثل الحب والمسكنة قدام الكاميرات.
لما برجع بالذاكرة، العلامات كانت دايماً موجودة بس أنا اللي كنت بتعامى.. كان بيتحكم في لبسي، بيعدل طريقتي وأنا بتكلم مع الويترز في المطاعم، وصمم يعرف كل باسورد لحساباتي البنكية. كنت بقنع نفسي إن ده مجرد قلة ثقة في النفس منه.. بس الحزام اللي في إيده دلوقتي دشدش الوهم ده تماماً.
أنا مصَرَختش.. ومتراجعتش خطوة واحدة لورا.
بدل ده كله، وبكل برود، فكيت زراير قميص السفر بتاعي ورميته على الكرسي.
ابتسامته وسعت وبان فيها التشفي: “كويس.. الطاعة بتسهل الأمور عليكي.”
مكنش يعرف إني كنت لابسة تحت القميص تيشيرت ضغط أسود وشورت رياضي. ومن غير ما أنزل عيني من في عينه، مديت إيدي جوه الشنطة وسحبت قفازات البوكس الحمراء بتاعتي، وشددت الأربطة بسناني بكل عزمي.
بعدها.. أنا اللي ابتسمت.
وقولتله: “توقيتك مثالي.. أنا فعلاً كنت محتاجة شريك تدريب أتسلى فيه.”
لثانية واحدة، شريف بحلق فيا وهو مش مستوعب، وبعدين اتفتق في الضحك.. ضحك لدرجة إنه كان هيوقع الحزام من إيده. هو كان عارف إني شغالة في جيم في المنطقة، بس كان مقتنع إني ببيع اشتراكات، بمسح الأجهزة، أو واقفة على الريسبشن بقول للعملاء أهلاً وسهلاً. عمره ما فكر يسأل نفسه ليه عقل صوابع إيدي عليها ندوب قديمة من كتر الخبط.. أو ليه صورتي المتبروزة على مكتبي كنت واقفة فيها وأنا شايلة كأس بطولة الجمهورية للملاكمة.
هجم هو الأول.. الحزام صفر في الهوا وهو بيطوح بهمجية.
بلمح البصر، اتفاديت الضربة ومال جسمي لورا، وزرعت لكمة مستقيمة ودقيقة في نص صدره كتمت نفسه، وشوفت الثقة والضحكة وهي بتتمسح من وشه في ثانية.
اتجنن وهجم تاني.. أسرع، وأغبى، وبغل أعمى.
مسكت معصم إيده اللي فيها الحزام، لويتها بحركة سريعة ونضيفة، وكنست رجله من على الأرض، وسبته يتهبد على السجادة بكل طوله لدرجة إن الهوا كله طار من رئته وطلع صرخة مكتومة.
في اللحظة دي، فكرت بجد إني أنزل على وشه أدشدش له مناخيره. بس تراجعت، وطلعت موبايلي ودوست على زرار الطوارئ وقولتله ببرود: “اطلع برا.”
الإهانة والكسرة اتلوت على وشه، وتف في الأرض وقال بغل: “أنتي ضربتيني.. أنا هفضحك وهقول للناس كلها إنك هجمتي عليا وكنتي بتقت*ليني.”
عيني راحت بهدوء ناحية الكاميرا الصغيرة المستخبية جوه جهاز كاشف الدخان في السقف.. وقولتله بصوت واطي ومرعب: “الفيديو اللي متسجل فوق ده.. هيخلي قصتك للناس مثيرة وممتعة جداً.”
لأول مرة من يوم ما عرفته، الرعب الحقيقي ظهر في عينه.. لثانية واحدة بس.
بعدها وشه جمد واتحول لحاجة أخبث.. وقف ومسك تليفونه واتصل بأمه.
وقال وهو عينه منزلتش من عليا: “أمي.. البنت اتجننت وضيعت كل حاجة.”
صوت أمه، نجوى، جه من الاسبيكر علطول ومن غير تأخير: “يبقى تنفذ الخطة حالاً.. قبل ما تفهم وتكتشف إحنا اتجوزناها ليه أصلاً.”
أنا ماتحركتش.. وم رمشتش.
بس من جوايا، كل حاجة فيا جمدت وبقت جاهزة للحرب. شريف كان مستعجل على الجوازة السريعة دي أول ما عرف إن أبويا الله يرحمه ساب لي عمارات وأراضي تسوى ملايين في القاهرة. كان فاكر إن الحزن مخليني وحيدة وضائعة، وإن الوحدة مخلية مني صيد سهل وساذجة.
فتحت موبايلي في السكات وبدأت أسجل المكالمة لايف.
صوت أمه نزلت نبرته لهمس مليان مؤامرة وشر وقالت: “تمضيها على ورق التنازل والبيع بكره الصبح.. أول ما الأملاك دي تتنقل باسمنا، مفيش مخلوق هيهتم ولا هيفرق معاه إيه اللي بيحصلها جوه بيتك.. اخلص!”
حكايات شروق خالد
سمعت الجملة دي، وبدال ما أخاف أو يتهز فيا شعرة، لقيت نفسي بضحك.. ضحكة عالية رنت في الأوضة وخلت شريف يتفاجأ ويبص لي بذهول وهو لسه ساند على الأرض.
فتحت الموبايل ووريتُه شاشة التسجيل: “صوت الوالدة واطي شوية يا شريف، بس المايك عندي نضيف قوي وهجيب التنازل والبيع اللي هي بتتكلم عليهم دول حتة حتة في المحكمة.”
نجوى سمعت صوتي من السبيكر والخط قطع فجأة. شريف وشه جاب ألوان، الخبث اللي كان في عينه من ثواني اتحول لرعب حقيقي لما أدرك إن الخطة اللي بقالهم شهور بيرتبوا لها اتفضحت في دقيقة واحدة، وفوقيها علقة موت كبست نفسه.
حاول يقف ويمسك تليفوني بغشم: “هاتي الموبايل ده هنا!”
قبل ما إيده تلمسني، كنت عاطية له واحدة “أبر كوت” (لكمة صاعدة) في فكه، سنانه خبطت في بعضها ووقع على السرير وهو دايخ.
في اللحظة دي، الباب الخارجي للشقة اتخبط بقوة، وصوت خناق بره. الأمن بتاع العمارة كانوا طالعين مع اتنين من زمايلي في الجيم—أنا كنت مفعّلة خاصية طوارئ بتبعت لوكيشن وتسجيل صوتي لأقرب ناس ليا لو حصلي حاجة. زمايلي دخلوا الأوضة وشافوا شريف مبهدل على السرير والحزام مرمي في الأرض.
شريف زعق وهو ماسك فكه: “أنتوا دخلتوا هنا إزاي؟ اطلعوا بره.. أنا هحبسكم كلكم!”
أنا قلعت قفازات البوكس بكل هدوء ورميتها فوق شنطة سفر الصيف، وقولت لزمايلي: “محدش يلمسه.. الراجل ده مضروب بـإيدي أنا، والكاميرا اللي في السقف مسجلة الحزام وهو بيتطوح ومسجلة الدفاع عن النفس. اطلبوا لي النيابة حالا.”
على ما الصبح جه، المحامي بتاعي كان مقلوب في المحاكم. التسجيل الصوتي بتاع نجوى وهي بتقول “انقل الأملاك” مع فيديو الكاميرا المخفية وهي بتثبت محاولة الاعتداء بالحزام، كانوا كافيين إن النيابة تصدر أمر بضبط وإحضار نجوى بتهمة التحريض على النصب والسرقة، وحبس شريف على ذمة التحقيق بتهمة الشروع في القت*ل والاعت*داء.
الأملاك والعمارات اللي سابها لي أبويا، واللي كانوا فاكرين إنها هتبقى طُعم لبنت وحيدة وغلبانة، بقت هي الحبل اللي اتلف حوالين رقبتهم.
بعد أسبوع بالظبط، كنت واقفة قدام الجيم بتاعي، الهوا كان نضيف، وأنا بـمضي على أوراق ق*ضية خلع ومحضر عدم تعرض. شريف وأمه بقوا في الحبس بيصَفّوا حساباتهم مع القانون، وأنا رجعت لحياتي ولحلبة الملاكمة، وأنا عارفة كويس إن الوجع مبيكسرش الست اللي بتعرف تضرب صح.
علقة في شهر العسل
حكايات شروق خالد