امي

أمي سرقت ال 150 ألف دولار اللي كنت محوشاهم لعمليتي واستخدمتهم عشان تعمل لأختي فرح أحلامها. وبعدين، لما أغمى عليا في الطوارئ والدكتور طلب لي أشعة مقطعية، قالت له ألغيها، كلوي محتاجة الفلوس دي أكتر. بس لما الممرضة فتشيت الجاكيت العسكري بتاعي، لقت حاجتين خلوا الأوضة كلها تتجمد في مكانها.
المسعفين كانوا بيجروا بالترولي بتاعي بسرعه وسط أبواب المستشفى، وإضاءة السقف كانت بتعدي فوقي زي شرايط مكسورة. حد سأل عن اسمي، وحد تاني كان بيزعق بقراية ضغطي. حاولت أفتح عيني، بس الوجع في بطني كان حامي أوي لدرجة حسيت إن في حاجة جوايا اتقطعت.
وقبل ما أقدر أتكلم، سمعت صوت أختي.
كلوي قالت بضحكة ضيقة ومستفزة هي علطول بتعمل كده. يمكن مش بالطريقة دي بالظبط، بس هاربر علطول بتمثل وتعمل دراما لما بتتوتر.
اتنهدت وأنا بحارب الغثيان وقلت أنا مش… مش بتمثل.
ممرضة الفرز ميلت عليا وسألتني يا مدام، من واحد لعشرة، الوجع شديد قد إيه؟.
قلت بخنقة عشرة… لأ… حداشر.
كان فاضل ست أيام بس على فرح كلوي، الحدث الضخم والغالي اللي أمي كانت بتتعامل معاه كأنه فرح ملكي طول السنة اللي فاتت. عشان كده لما إلينور وصلت جمب الترولي بتاعي، مكنش باين عليها الخوف، كان باين عليها الضيق.
زعقت وقالت إيه اللي حصل تاني يا هاربر؟.
المسعف بدأ يشرح

للممرضة حالتي بنت عندها 29 سنة، وجع شديد في البطن، أغمى عليها في باركينج قاعة الأفراح، وضغطها واطي بشكل خطير.
كلوي قطعت كلامه وقالت ده حصل في القاعة. كنا بنخلص تنسيق الورد، وهي فجأة وقعت جمب الركنة. أنا قلت لها تقعد في البيت لو كانت ناوية تقلب الأسبوع بتاعي لدراما ومشهد سينما.
الجاكيت العسكري الثقيل بتاعي كان لسه محطوط على رجلي. مسكت القماش بضعف، ومكنتش قادرة أتنفس تقريباً.
همست أرجوك… يا دكتور.
راجل بلبس سكراب كحلي ظهر قدامي. الدكتور هايز. وشه كان هادي بس عيونه كانت مركزة وحادة.
هاربر، بصي لي. الوجع ده بدأ إمتى؟.
كلوي ردت قبل ما أنا أنطق النهاردة الصبح.
قلت بالعافية لأ… بقاله أسابيع.
الدكتور هايز كشر وسأل أسابيع؟.
هزيت راسي وأنا ببلع ريقي بصعوبة النهاردة أسوأ. دايخة. وبترعش. حاسة إن في… حاجة اتقطعت.
تعبيرات وشه اتغيرت فجأة، ولف للممرضات وقال تحاليل، ومحاليل في الوريد، وفصيلة دم وتوافق. عايز أشعة مقطعية على البطن والحوض حالاً.
أمي قربت وقالت استنى. أشعة مقطعية؟ مش دي غالية جداً؟ هاربر مابتشتغلش حالياً ومعندهاش عقد ثابت.
الدكتور هايز مابصلهاش أصلاً وقال ضغطها بينزل، وهي في وجع شديد. محتاجة إشاعات.
إلينور شفايفها اتشدت بغضب وقالت هي طول عمرها بتهول. فرح أختها السبت ده. مش هنوافق على تحاليل ملهاش لزمة لمجرد إن هاربر بتجيلها حالة من حالاتها.
صوتي كان بيرتعش وأنا بنطق بالعافية ماما… بس.
كلوي اتنهدت بصوت عالي هي بتتوتر بسرعة. ممكن من فضلكم تساعدوا الناس اللي في خطر حقيقي الأول؟ هي تلاقيها بس عندها جفاف. وإحنا عندنا معاد لمعاينة التورتة بعد ساعتين.
الممرضة اتصدمت وقالت أفندم؟.
كلوي رفعت إيدها اللي معمولة مانيكير كأنها بتتكلم بالعقل أنا بس بقول لو في حالات طوارئ بجد، ممكن تتعاملوا معاها الأول. هاربر بتعمل دراما.
صوت الدكتور هايز بقى بارد جداً وقال اهتمامي الوحيد دلوقتي هو المريضة بتاعتي.
وفجأة الوجع زاد تاني، كان غشيم ويعمي. صوابعي سابت الجاكيت. الحروف والحيطان بدأت تغلش. والأجهزة اللي جمبي بدأت تصوت.
ووسط كل ده، سمعت أمي وهي بتبرطم للدكتور بفحيح فرح أختها بعد ست أيام. هي محتاجة الفلوس دي أكتر من العك ده.
بدأت أغيب في النص بين السمع والضلمة. أصوات بتتحرك حواليا. الجزم بتزيق في الأرض. والأجهزة بتتهز.
بعدين ممرضة قالت محتاجين بطاقتها عشان بنك الدم. فتشوا الجاكيت بتاعها.
الجاكيت بتاعي.
حاولت أحذرهم، بس مفيش صوت طلع مني.
لأن جوه الجاكيت ده كان فيه حاجتين مكنش المفروض أهلي يشوفوهم أبداً.
في الجيب اليمين، كان فيه ملف طبي متني من العيادة اللي زرتها قبلها بتلات ساعات. ومكتوب فوق بالخط الأحمر العريض طوارئ حالاً.
وفي الجيب الشمال، كان فيه ظرف بنك تخين، مقفول بلزق. ومكتوب عليه من بره بماركر أسود لفرح كلوي.
كنت ناوية أسلم واحد وأخبي التاني.
بس أغمى عليا قبل ما أعمل أي حاجة منهم.
ولما الممرضة فتحت الجيبين، الحقيقة صدمت الأوضة كلها ووقفتها أكتر من صوت إنذار الأجهزة.
الممرضة طلعت الورقة والظرف وإيدها وقفت في الهواء. الدكتور هايز سحب الورقة الطبية بسرعة وعينه برقت وهو بيقرا المكتوب فيها، وبص لأمي وأختي بنظرة تخوف.
دي عندها نزيف داخلي حاد من أسابيع! الدكتور زعق وهو بيوجه كلامه للممرضين جهزو العمليات حالاً! الحالة دي بتموت مننا!
في نفس اللحظة، الممرضة فتحت الظرف التخين وبان منه رزم الفلوس الكاش. كلوي برقت وعينها وسعت من الطمع، وقربت خطوة وهي بتقول دي الفلوس بتاعتي! الفلوس دي حقي!
أمي وقفت مذهولة، مكنتش مستوعبة إن ال 150 ألف دولار اللي سرقتهم من حسابي عشان الفرح، أنا كنت اتصرفت وجهزت غيرهم وسحبتهم كاش عشان أديهم لأختي برضه رغم تعبي، في نفس الوقت اللي كنت بموت فيه ومحتاجة الفلوس دي لعمليتي اللي بتنقذ حياتي.
الدكتور هايز وقف قدام أمي وكلوي زي السد وهو بيقول للحرس خرجوا الستات دول بره المستشفى حالاً، ومش عايز أشوف وشهم هنا تاني!
وأنا بروح في الغيبوبة تماماً، كانت آخر حاجة سمعتها هي صوت أمي وهي بتزعق مع
الأمن بره، وصوت كلوي وهي بتعيط مش عليا… لكن عشان خايفة الفرح يتلغي.
الضوء الأبيض بتاع أوضة العمليات كان آخر حاجة شفتها قبل ما البنج يعميني تماماً ويسحبني للضلمة.
بعد ساعات مش عارفة عددها، فتحت عيني ببطء. ريحة المستشفى والمحاليل كانت مالية المكان، وصوت جهاز ضربات القلب كان شغال بنبض هادي ومستقر. الوجع الفظيع اللي كان في بطني اختفى، ومكانه كان فيه وجع شديد بس محتمل بتاع جرح العملية.
ميلت راسي براحة، لقيت الدكتور هايز واقف جمب السرير بيكتب في التقرير بتاعي. أول ما شافني فتحت عيني، ابتسم ابتسامة خفيفة وريح القلم.
حمد الله على سلامتك يا هاربر. إنتي محظوظة إن جسمك استحمل كل ده. النزيف كان هينهي حياتك، بس لحقناكي في آخر لحظة وشيلنا الجزء المتضرر.
حاولت أتكلم، بس صوتي طلع مبحوح وضيع الفلوس… والجاكيت؟
الدكتور هايز ملامحه بقت جدية، وقرب من السرير وهو بيقول بصوت واطي كل حاجتك في أمان، محبوسة في خزنة المستشفى بطلب مني. وأهلك حاولوا يدخلوا الأوضة هنا أكتر من مرة عشان ياخدوا الظرف، بس أنا منعتهم وبلغت أمن المستشفى يمنعوا زيارتهم ليكي نهائي بناءً على رغبتك الطبية.
سكت شوية وبعدين كمل أنا قريت التقرير الطبي اللي كان في جيبك. إنتي كنتِ عارفة إنك بتموتي، وكنتِ مجهزة الفلوس دي لأختك برضه؟
دمعة نزلت من عيني وهزيت راسي. كنت دايماً بحاول أرضيهم، كنت فاكرة إن لو اديت لكلوي فرح أحلامها، أمي هتحبني نص الحب اللي بتحبهولها. بس في الأوضة دي، وأنا بين الحياة والموت، اكتشفت إن عمري ما هكون كفاية بالنسبة لهم.
مرت خمس أيام في المستشفى، وصحتي بدأت تتحسن. وفي اليوم السادس… اللي هو يوم الفرح… الباب اتفتح فجأة.
دخلت أمي، ملامحها كانت متبهدلة، والوجاهة والغرور اللي كانوا عليها اختفوا تماماً. ووراها كانت كلوي، فستان الفرح الأبيض بتاعها متبهدل من تحت، ومكياجها سايح من العياط. الأمن جرى وراهم عشان يخرجهم، بس أنا رفعت إيدي للمشرف وقلت له سيبهم. خمس دقائق بس.
أمي قربت من السرير، وبأقذر نبرة عتاب ممكنة قالت ارتحتي كده يا هاربر؟ دمرتي فرح أختك! المعازيم كلهم مشوا والقاعة ألغت الحجز لما الفلوس مدفعتش في ميعادها! والكل بيتكلم علينا وعلى قساوتنا بسبب الدكتور بتاعك اللي فضاحنا في المستشفى!
كلوي صرخت وهي بتبص لي بحقد أنا عمري ما هسامحك يا هاربر! بوظتي أهم يوم في حياتي عشان شوية دراما وعملية كان ممكن تتأجل!
بصيت لهم هما الاتنين. لأول مرة في حياتي مكنتش حاسة بالذنب، مكنتش حاسة بالخوف من غضبهم. كنت حاسة بنظافة غريبة جوه قلبي، كأن النزيف اللي شالوه من بطني شال معاه كل العشم اللي كان فيا ناحيتهم.
شورت للممرضة اللي واقفة جمبي، وطلبت منها تجيب لي الشنطة بتاعتي من الخزنة. طلعت الظرف التخين اللي فيه ال 150 ألف دولار، وبصيت لكلوي.
عينيها لمعت بلهفة وتقدمت خطوة وهي فاكرة إني هحن وأديهولها.
لكن مسكت الولاعة اللي كانت على الترابيزة جمبي، وولعت في طرف الظرف، ورميته في جردل الصفيح اللي جمب السرير.
كلوي صرعت وأمي برقت بصدمة مروعة، وحاولوا يجروا على الجردل يطفوا الفلوس، بس الأمن مسكهم فوراً ومنعهم. النار أكلت الورق الأخضر كله في ثواني، وحولته لرماد ملوش أي قيمة.
بصيت لأمي وقلت لها بصوت هادي وقاطع الفلوس دي مش حقيقية يا أمي. دي ورق تصوير مطبوع، أنا طبعته وحطيته في الجاكيت عشان كنت عارفة إنك سرق
تي فلوس عمليتي الحقيقية اللي في البنك، وكنت عايزه أشوف هتوصلوا لفين في أنانيتكم.
كلوي كانت بتعيط بهستيريا على الأرض، وأمي كانت بتبص لي وهي بتترعش ومش ناطقة.
كملت كلامي وأنا ببص في عين أمي الفلوس الحقيقية المحامي بتاعي جمدها ورفع بيها قضية سرقة وضياع حق علاج ضدك وضد كلوي. الفرح باظ، والفلوس راحت، ومن النهاردة… أنا معنديش عيلة. أمن! خرجوا القذارة دي بره حياتي.
الأمن سحبهم بره وهم بيصرخوا ويشتموا، والباب اتقفل وراهم. بصيت من شباك الأوضة على الشمس وهي طالعة، وأول مرة من سنين، اتنفست نفس طويل وصافي، وعرفت إن حياتي الحقيقية لسه بادية حالا.
بعد ما الأمن قفل الباب وراهم، الأوضة رجعت هادية تماماً. هدوء مكنتش حسيته من سنين طويلة.
الدكتور هايز دخل بعد دقيقتين، كان باصص للرماد اللي في الجردل، وبعدين بصلي وابتسم وهو بيهز راسه أنا بدأت أخاف منك يا هاربر.. بس بصراحة؟ يستاهلوا أكتر من كده.
ضحكت بس الوجع سمع في جرح العملية، فمسكت بطني براحة وقلت له أنا قفلت حساب قديم قوي يا دكتور. حساب كلفني صحتي وعمري.
مرت الأسابيع، وخرجت من المستشفى وبدأت فترة النقاهة في شقة صغيرة أّجرتها بعيد عن أي مكان يعرفوه. المحامي بتاعي كان شغال الله ينور. القضية اللي رفعناها ضد أمي وكلوي قلبت حياتهم جحيم. البنك قدم التسجيلات اللي بتثبت إن أمي دخلت وسحبت الفلوس بتوكيل قديم وملغي، والقاضي أمر بالحجز على بيت أمي وعلى عربية كلوي الجديدة عشان يسددوا ال 150 ألف دولار بتوعي.
في يوم، وأنا قاعدة بشرب قهوة في البلكونة وبسترد صحتي، جالي تليفون من رقم غريب. رديت، وطلع صوت خطيب كلوي.. قصدي خطيبها السابق، مارك.
صوته كان هادي وفيه نبرة أسف هاربر.. أنا كلمتك بس عشان أقولك إني فسخت الخطوبة دي من أسبوعين.
سكت شوية، فكمل لما شفتهم في

المستشفى وهما سيبينك بتموتي عشان الفرح، وشفت الحقيقة كلها في النيابة، عرفت إني كنت هجوز واحدة معندهاش ريحة الإنسانية. أنا أسف بالنيابة عن اللي عملوه فيكي.
شكرته وقفلنا، وحسيت إن العدالة مابتسبش حاجة ناقصة. كلوي مش بس خسرت الفرح والفلوس، دي خسرت الراجل اللي كانت بتتباهى بيه قدام الدنيا كلها.
بعد شهرين، جرحي خف تماماً، ورجعت للشغل والتدريبات العسكرية بتاعتي بقوة أكبر من الأول. وفي يوم، وأنا بلم حاجتي من الشنطة القديمة، لقيت الجاكيت العسكري اللي كان معايا يوم الحادثة.
مسكته وبصيت للجيب اليمين الفاضي، وللجيب الشمال اللي كان فيه الظرف. ابتسمت وحطيت الجاكيت على كتفي وخرجت. الماضي بتاعي اتقفل، واتحرق زي الرماد اللي في الجردل.. والنهاردة، هاربر الجديدة واقفة على رجلها، قوية، ومحدش هيقدر يكسرها تاني أبدًا.
الجاكيت العسكري كان على كتفي وأنا بتمشى في الشارع، والجو كان منعش كأن الدنيا بتبدأ معايا من أول وجديد. كل خطوة كنت بخطيها كانت بتفكرني بالوزن الثقيل اللي انشال من على قلبي.
تليفوني رن، كان المحامي.
مبروك يا هاربر، الحكم النهائي صدر النهاردة. المحكمة حكمت بإلزام والدتك ورد المبلغ بالكامل، وبما إنهم معندهمش سيولة، الحجز التنفيذي على البيت هيبدأ الأسبوع الجاي. أختك كمان عربيتها اتمصادرت رسمي لصالح القضية.
حسيت براحة مش طبيعية، وسألته وهما فين دلوقتي؟
المحامي ضحك بسخرية كلوي سابت الشغل من كتر الفضايح، وأمك بتدور على شقة إيجار قانون جديد ضيقة على قدها هي وبنتها بعد ما البيت يتباع في المزاد العلني. كلموني وعيطوا عشان تتنازلي، بس أنا قفلت السكة في وشهم بناءً على تعليماتك.
قلت له ببرود شكراً يا متر، قفلنا الصفحة دي للأبد.
علقت السماعة وبصيت للسما. الغريب إني مكنتش حاسة بشماتة، كنت حاسة بسكينة. هما مشيوا في طريق الأنانية لآخر خطوة، وكان لازم يوصلوا للنهاية دي.
بعدها بيومين، كنت في الكافيه القريب من النادي الصحي اللي بتابع فيه علاجي الطبيعي، لقيت الدكتور هايز داخل وبالصدفة شافني. جه قعد معايا واطمن على الجرح، وبص للجاكيت بتاعي وابتسم شايفك رجعتي تلبسيه تاني.. الجاكيت المحظوظ.
قلت له وأنا ببتسم ده الجاكيت اللي كشف كل حاجة يا دكتور. لولاه كان زماني لسه عايشة في الوهم.
هز راسه وقال إنتي قوية يا هاربر، وقليل قوي اللي بيعرفوا ياخدوا حقهم بالذكاء ده ويفوقوا لنفسهم قبل فوات الأوان.
ودعته وقمت عشان ألحق ميعاد تدريبي. وأنا بتمشى وسط الناس، حسيت لأول مرة إني حرة بجد. الفلوس هترجع، وصحتي رجعت أحسن من الأول، والعيلة اللي كانت بتستنزفني مبقاش ليها وجود.
أنا هاربر.. البنت اللي وقعت في باركينج قاعة أفراح وهي بتموت، وقامت من وسط الرماد عشان تبني حياتها بنفسها، ومن غير ما تسمح لأي حد حتى لو كانت أمها إنها تكسرها تاني.
مرت سنة كاملة على اليوم اللي غير حياتي.
ال 150 ألف دولار رجعوا لحسابي بالمليم بعد ما المحكمة باعت البيت والعربية في المزاد العلني. الفلوس دي مكنتش مجرد رقم في البنك، دي كانت ثمن حريتي وصحتي اللي رجعتلي كاملة. استخدمت جزء منها وسافرت بره مصر في مأمورية شغل وتبادل خبرات عسكرية، والشركة بتاعتي كبرت ومسكت منصب إداري وتدريبي مهم جداً.
في يوم من الأيام، كنت نازلة وسط البلد بشتري شوية حاجات، والجو كان ممطر وخفيف. كنت لابس نفس الجاكيت العسكري، بس المرة دي وأنا بتمشى وفوق راسي مظلة، مفيش ترولي مستشفى، ومفيش وجع في بطني.
وفجأة، شفتهم.
على رصيف المحطة، كانت واقفة أمي وكلوي. المظهر والوجاهة بتوع زمان اتمسحوا تماماً. أمي كبرت وعجزت وشعرها بقى أبيض، وكانت شايلا أكياس بلاستيك تقيلة وبتكح. وكلوي كانت واقفة جمبها، ملامحها مجهدة، ولابسة هدوم بسيطة جداً وقديمة، وبتتخانق مع سواق ميكروباص عشان مش راضي يركبهم قبل ما يدفعوا الأجرة مقدم.
وقفت بعيد وبصيت عليهم. مكنش فيه جوه قلبي أي غضب، ولا رغبة في الانتقام، ولا حتى شماتة. كان فيه فراغ تام.. كأني ببص على ناس غرباء عمري ما شفتهم قبل كده.
كلوي وهي بتلف وشها شافتني. عينيها وسعت، ونغزت أمي في كتفها. أمي لفت وبصتلي، والدموع اتملت في عينيها. خطوا خطوتين ناحيتي كأنهم هيجروا عليا يطلبوا سماح أو مساعدة.
أنا من غير ما أتردد ثانية واحدة، عدلت اللياقة بتاعة الجاكيت العسكري بتاعي، ولفيت وشي الناحية التانية ببرود، ومشيت وسط المطر من غير ما أبص ورايا.
الدرس اللي اتعلمته في أوضة الطوارئ كان غالي أوي، ومكنتش مستعدة أضيعه تاني. في ناس وجودهم في حياتك بيكون عبارة عن نزيف، وعشان تعيش.. لازم تقطع النزيف ده من جذوره.
قفلوا ورايا باب العربيتة الجديدة، دورت المحرك، وطلعت في طريقي.. وأنا عارفة إن هاربر مش هتقع تاني أبداً.
السنين جرت بسرعة، وحياتي بقت مستقرة وناجحة بشكل مكنتش أحلم بيه. الشغل بتاعي كبر، وبقيت بلقي محاضرات وتدريبات في مجالي، واسمي بقى معروف وله هيبته. نسيت الماضي تماماً، ودفنت كل الذكريات القديمة تحت ضغط الشغل والنجاح وبناء حياتي الجديدة.
في يوم من الأيام، كنت معزومة في حفلة تكريم ضخمة لرجال الأعمال والشخصيات العامة بفندق كبير في القاهرة. كنت لابسة فستان شيك جداً، وواقفة بتكلم مع زمايلي في العمل والدكتور هايز اللي بقى صديق مقرب ليا من وقت الأزمة دي.
وإحنا واقفين بنضحك، عيني جت على باب القاعة الخلفي الخاص بالخدمة وتجهيز الأكل. شفت
بنت شابة لابسة لبس عمال النظافة والتجهيزات Catering، كانت شايلة صينية تقيلة وماشية بيها وضهرها محني من التعب.
لما لفت وشها عشان تحط الصينية على الترابيزة… اتصدمت. دي كانت كلوي.
ملامحها كانت ذبلانة، وإيديها اللي كانت دايماً معمولة مانيكير ومبتشيلش قشاية، بقت خشنة ومتبهدلة من الشغل ومسح الأرضيات. مكنتش مصدقة إن الدنيا دارت لفيتها، وإن أختي اللي كانت عايزة تعمل فرح ملكي على حساب حياتي، بقت شغالة في قاعة أفراح وبتخدم في الحفلات عشان تلاقي لقمة العيش ليها ولأمي.
كلوي رفعت عينيها بالصدفة وبصت في القاعة، وشافتني. شافتني وأنا واقفة في وسط المكان، مكرَّمة، والناس حواليا بيسمعوا كلامي باحترام. ملامحها اتجمدت من الصدمة، والصينية اتهزت في إيدها وكانت هتقع.
أمي كانت واقفة وراها، بتساعدها في تلميع الكوبايات، لما لقت كلوي متنحة، بصت في نفس الاتجاه وشافتني أنا كمان. أمي حطت إيدها على بوقها والدموع نزلت من عينيها، وبان في عيونهم هما الاتنين نظرة رجاء وندم تكسر الحجر.
كلوي سابت الصينية وخطت خطوة ناحيتي وهي بتعيط، كأنها بتستنجد بيا عشان أخرجها من المستنقع اللي وقعوا فيه.
في اللحظة دي، الدكتور هايز لاحظ نظرتي وميل عليا وقال بصوت واطي هاربر… إنتي كويسة؟ تحبي نخرج أو أخلّي الأمن يتصرف؟
بصيت لأمي وأختي لآخر مرة. افتكرت يوم ما كنت واقعة على الأرض في باركينج القاعة وهما بيقولوا عليا بتمثل، وافتكرت لما أمي قالت للدكتور ألغي الأشعة دي… كلوي محتاجة الفلوس أكتر.
ابتسمت للدكتور هايز وقلت له بهدوء وثقة لأ، مفيش داعي. أنا كويسة جداً.
لفيت ضهري ليهم تماماً، ورفعت كاسي وكمّلت كلامي وضهكتي مع زمايلي كأن مفيش أي حاجة حصلت. هما اختاروا طريقهم زمان، والدنيا دارت ودت كل واحد فينا المكان اللي يستاهله.
القصة انتهت تماماً، والعدالة خدت مجراها، وأنا كملت طريقي لفوق. .. ومن غير ما أبص ورايا ولا خطوة واحدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *