جاكيت الصوف الغالي ج1 حكايات شروق خالد

كنت واقفة مذهولة ورا الباب، مش مصدقة اللي بسمعه. قبل الفرح بـ ١٢ ساعة بس، رجعت فيلا حماتي في التجمع الخامس عشان نسيت الجاكيت بتاعي في الأوضة اللي فوق، بس ياريتني ما رجعت! لقيت الباب موارب وصوت خطيبي “أحمد” ووالدته “فاطمة هانم” طالع من المكتب.
سمعت طنط فاطمة بتقول بلؤم: “البنت دي بدأت تقلق يا أحمد.. شكلها مش هتمضي على عقد الجواز الجديد اللي ضفنا فيه بند الشركة بسهولة.”
#حكايات_شروق_خالد
ضحك أحمد ضحكة غريبة وعالية، ضحكة عمري ما سمعتها منه، وقال بثقة مريضة: “هتمضي يا أمي بكره.. لورا بتحبني وعمرها ما هتستحمل الفضيحة ولا إن الفرح يتلغى قدام خمسمية فلكس من كبار البلد والمعازيم.. بكره الصبح الشركة هتبقى بتاعتنا.”
دمي تجمد في عروقي، الصدمة كانت زي القلم على وشي. أحمد اللي وثقت فيه ووقفت جمبه، طمعان في شركة البرمجة والتسويق اللي بنيتها بعرقي وشقايا من الصفر! حسيت بنار قايدة جوايا، بس بدل ما أعيط أو أدخل أواجههم، أخدت نفس عميق، ورجعت خطوتين لورا، وخرجت من الفيلا في صمت تام.. والشرار بيطلع من عيني. الليل كله منمتش، كنت برسم الخطة اللي هتخليهم يندموا على اليوم اللي فكروا فيه يستغلوني.
تاني يوم الصبح.. القاعة في أحد أكبر فنادق القاهرة كانت متقفلش من كتر الفخامة. الأضواء، الورد الأبيض، والمشاهير ورجال الأعمال مالين المكان. دخلت بفستاني الأبيض وأنا راسمة على وشي ابتسامة هادية وساحرة، مفيش مخلوق يقدر يتوقع الإعصار اللي جوايا.
أحمد كان واقف لابس بدلتو ومبتسم وفخور بنفسه، وطنط فاطمة بتبصلي بنظرات كلها انتصار، وفاكرين إنهم خلاص صادوا الفريسة.
فجأة، وقبل ما المأذون يبدأ، طنط فاطمة مسكت المايك ووقفت في نص القاعة بكل بجاحة، وقالت بصوت عالي سمعه كل المعازيم: “يا جماعة، أحب أرحب بيكم الأول.. وبمناسبة المناسبة السعيدة دي، العروسة الجميلة لورا، قررت تقدم هدية تعبيرًا عن حبها وثقتها في ابننا أحمد.. وهي التنازل عن ٥١٪ من أسهم شركتها ليه وللعيلة!”
القاعة كلها بدأت تتهامس، وأحمد بصلي بنظرة تحدي وكأنه بيلوي دراعي قدام الناس.
ابتسمت بكل برود، ومشيت بخطوات واثقة لغاية ما وقفت جمبها، وأخدت المايك من إيدها بالراحة. بصيت لأحمد، وبعدين بصيت للجمهور كله، وقولت بصوت قوي هز جدران القاعة:
“شكرًا ليكم جميعًا إنكم شرفتونا النهاردة.. بس الفرح ده مش هيتم، ومفيش جواز!”
#حكايات_شروق_خالد
الهدوء ساد القاعة وكأن على رؤوسهم الطير. شهقات الصدمة طلعت من كل مكان، وأحمد وشه اتقلب مية لون، وطنت فاطمة فتحت بقها مش مصدقة.
أحمد قرب مني وهمس بغضب وأسنانه بتخبط في بعضها: “أنتِ اتجننتي؟! بتعملي إيه؟ فضحت ينا!”
عليت صوتي في المايك أكتر وقولت: “اللي اتجنن هو اللي افتكر إن البنت اللي عملت اسم وشركة بمليون جنيه من مجهودها، ممكن تتلوي دراعها بشوية مظاهر أو خوف من كلام الناس! أنا سمعتكم امبارح بالليل وأنتو بتخططوا لسرقتي.. الشركة دي بنيتها بدمي، ومش هسيب “حرامي” يشاركني فيها لمجرد إني فكرت في يوم من الأيام إنه راجل ويستاهل صوني.”
فتحت شنطتي الصغيرة، وطلعت منها فلاشة، وشاورت لمهندس الصوت يشغلها على الشاشات الكبيرة بتاعة القاعة. وفجأة، اشتغل تسجيل صوتي واضح ونقي جداً للحوار اللي دار بينهم امبارح في المكتب، والشركات والمنافسين اللي في القاعة كلهم بيسمعوا فضيحتهم ونيتهم الدنيئة.
أحمد بقى يبص حواليه برعب، ووالدته كانت هتقع من طولها من الصدمة والخزي بعد ما الأقنعة كلها وقعت قدام مجتمعهم كله.
رميت المايك على الأرض، وبصيت لأحمد بقمة الاحتقار وقولتله: “الشبكة والمؤخر خليهم عشان تدفع بيهم تمن فضيحتك.”
رفعت ديل فستاني الأبيض بكل عزة وفخر، ومشيت وسط ممر المعازيم اللي بدأوا يسقفوا ويحيوا قوتي وشجاعتي، وخرجت من القاعة وأنا حاسة بقمة الحرية، ومستعدة أبدأ صفحة جديدة، أقوى وأنجح من الأول بكتير.

#حكايات_شروق_خالد

خرجت من باب الفندق، الهوا الساقع خبط في وشي، ولأول مرة من شهور حسيت إني قادرة أتنفس بجد. قلعت الطرحة الطويلة ورميتها ورايا على الرصيف، وركبت عربيتي وسوقتها بأقصى سرعة وأنا مش شايفة قدامي غير طريق واحد.. طريق حريتي ومستقبلي.
تاني يوم الصبح، مصر كلها مكنتش بتتكلم غير عن اللي حصل. الفيديو والتسجيل الصوتي اللي اشتغلوا في القاعة اتسربوا وبقوا “تريند” رقم واحد على كل منصات التواصل الاجتماعي. فضيحة عيلة “السيد” وفاطمة هانم وابنها أحمد بقت على كل لسان، والكل كان بيحيي شجاعتي وقوتي.
كنت قاعدة في مكتب شركتي، بشرب قهوتي بهدوء، لما الباب اتفتح فجأة ودخل أحمد!
منظره كان يصعب على الكافر؛ لبسه مبهدل، وعينيه حمرا من قلة النوم، والغرور اللي كان مالي وشه امبارح اتمحى تمامًا.
قرب من مكتبي ودموعه نازلة، وقال بصوت متكسر: “لورا.. أرجوكي اسمعيني. أنا اضحك عليا، أمي هي اللي وزتني وعمت عيني بالطمع. أنا بحبك بجد ومقدرش أعيش من غيرك. الشغل بتاعنا اتدمر، والناس كلها بقت بتبصلي على إني حرامي.. أرجوكي نزلي تكذيب وقولي إنها كانت تمثيلية أو مقلب، أنا مستعد أمضي على أي تنازل أنتِ عايزاه!”
بصيت له ببرود شديد، وميلت ضهري لورا على الكرسي، وقولتله بنبرة سخرية: “تؤ تؤ.. يا خسارة يا أحمد. فين الثقة بتاعة ‘هتمضي يا أمي بكره ولورا بتموت فيا’؟ تؤام روحك وطمعك هما اللي وصلوك لهنا.”
وقف ومسح دموعه، وفجأة نظرة الانكسار دي تحولت لغل وشر، وقال وهو بيخبط على المكتبي: “مش هسيبك يا لورا.. لو فاكرة إنك كسبتي تبقي غلطانة! أنا هرفع عليكي قض..ية تشهير، وهدمرلك سمعة شركتك في السوق، وهخليكي تلفي حوالين نفسك!”
في اللحظة دي، دخل المحامي بتاعي ومعه اتنين من رجال الأمن. المحامي ابتسم ورمى قدام أحمد ملف كبير وقال له: “تاني غلطة تقع فيها يا بشمهندس أحمد.. إنك تفتقر إن الأستاذة لورا بتلعب وبس.”
أحمد بص للملف بزهول، وأنا كملت كلامي بثقة: “الملف ده فيه تقرير كامل من المستشار المالي للشركة. اكتشفنا إنك على مدار الست شهور اللي فاتوا، ومن خلال صلاحياتك المحدودة في قسم التقنية، كنت بتسرب بيانات العملاء بتوعنا لشركة منافسة، وكنت بتختلس مبالغ وتدخلها في حساباتك وحسابات والدتك.. يعني قض..ية التشهير اللي بتهددني بيها، قصادها قض..ية جنائية كاملة بالأدلة هترميكم أنت وأمك ورا القضبان.”
أحمد وشه ابيض تماماً، وركبه مأشيلتهوش فقعد على أقرب كرسي وهو مش قادر ينطق بكلمة واحدة.
شاورت للأمن وقولت: “خدوه بره.. ومشوفش وشه هنا تاني، والمحضر يتنشر في النيابة فوراً.”
جروا أحمد بره المكتب وهو بيصرخ ويترجاني، بس قلبي مكنش فيه مكان للرحمة لشخص كان عايز يدمرني.
بعدها بأسبوع، أعلنت شركتي عن شراكة ضخمة مع أكبر مستثمر عربي في مجال البرمجة، والأسهم بتاعتي قيمتها تضاعفت وبقت أقوى من الأول بكتير.
عرفت بعدها إن فاطمة هانم اضطرت تبيع فيلا التجمع الخامس عشان تسدد الديون والقضايا اللي ارفعت عليهم، وأحمد خسر كل أصحابه وشغله وبقى عايش في خزي مش هيعرف يهرب منه طول حياته.
أما أنا.. فوقفت في بلكونة مكتبي الجديد، بتبسط على ناطحات السحاب في القاهرة، وأنا لابسة جاكيت الصوف اللي كان السبب في إنقاذ حياتي، وابتسمت وأنا متأكدة إن النهاية دي.. مكنتش غير مجرد بداية لقصة نجاح أكبر بكتير.

جاكيت الصوف الغالي ج1

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *