إمبراطورية الجارحي حكايات شروق خالد
كنت فاكر إني بتمشى في هدوء في حديقة الأزهر مع البنت اللي المفروض أتجوزها، بس لقطة واحدة بعيني من بعيد وسط الجنينة هزت كياني وشقلبت كل حاجة كنت مصدقها عن ماضيّ. طليقتي كانت واقفة هناك ومعاها تلات أطفال.. وفي اللحظة اللي عيني جت في عين طفلة منهم، عرفت الحقيقة المستحيلة: البنت دي بنتي، ومن دمي.
فريدة كانت ماشية جمبي بكل ثقة وغرور، وخاتم الألماظ الفخم في إيدها بيبرق تحت الشمس مع كل حركة كأنه بيجبر الكل يبص عليه. شبكة بمليون جنيه عشان تخلي خطوبتنا تبان من بره كأنها حكاية من حكايات مجتمع الفيلات والقصور.
قالت وهي بتضحك: “الفرح لازم يكون في أوبن إير على النيل يا رامي.. ومامي مصممة نجيب فرقة عازفين مش دي جي، اوعى بقى تقاوح معاها في الموضوع ده.”
هزيت راسي من غير وعي، وبقيت أرد عليها بكلمات خطفة وأنا مش سامع ولا كلمة من اللي بتقولها.
عيني سرحت وسط حديقة الأزهر؛ العائلات اللي بتضحك، الأطفال اللي بيجروا ورا بعض على النجيل الأخضر من غير هموم، الكابلز اللي ماشيين إيدهم في إيد بعض عايشين حياة هادية وطبيعية.. حياة مفيهاش حراسة مسلحة، ولا تليفونات متراقبة، ولا خوف من طلقة تيجي من ضهرك في أي لحظة.
الحياة الطبيعية دي عمرها ما كانت تخصني.
أنا رامي الجارحي، حفيد سليم الجارحي.. الراجل اللي الجرايد بتكتب عنه بوقار وتسميه “رجل أعمال معروف”، في حين إن الكل في الكواليس بيهمس بكلمة تانية خالص: “كبير المافيا وسوق السلا..ح”. في عيلتي، الولاء بيشتروه بالفلوس، والثقة دي أكبر خطأ، والحب بيعتبروه نقطة ضعف تودي في داهية.
فريدة كانت لسه مستمرة في الكلام عن شكل التربيزات والديكور، بس صوتها بقى بالنسبة لي مجرد وش في الخلفية.
وفجأة.. شفتها.
الدنيا كلها اسودت في عيني ووقفت مكانها.
مريم كانت واقفة قريبة من عربية غزل بنات.
شعرها الأسود كان ملموم فوق كعكة متبهدلة، كأنها لمته بسرعة وهي بتجري ورا ميت حاجة وراها. كانت لابسة جينز بسيط وتيشيرت عادي، وعلى وشها علامات التعب والإرهاق بتاعة حد شايل فوق طاقته بكتير.
بدت أرفع من آخر مرة شفتها فيها.. وتعبانة أكتر.
#حكايات_شروق_خالد
بس عينين مريم الخضرا لسه زي ما هي، نفس العينين اللي كانت بتترجاني زمان عشان أبعد عن سكة عيلتي وأكون بني آدم نضيف.
قلبي بدأ يدق بعنف لدرجة حسيت إنه هيتخلع من بين ضلوعي.
وبعدين لمحت العربة.
مش عربية أطفال عادية.. ولا حتى بتاعة اتنين.
دي كانت عربية ضخمة بتشيل تلاتة.. تلات توائم!
العربية كانت بتتحرك بهدوء وفيها تلات أطفال، ميكملوش تلات سنين، بيبصوا حواليهم ببراءة. بنوتة صغيرة كانت بتضحك على عصفورة طايرة، وولد صغير بيبص على الناس بجدية غريبة مش بتاعة سنه، والطفل الثالث كان بيرص عربيات لعبة صغيرة على مسند العربية بدقة وتركيز مش طبيعي.
وفجأة، البنت الصغيرة لفت وشها وبصتلي.
عينين رمادي.
حادة.
ذكية.
ومفيهاش شك.
النفس اتقطع مني.
العينين دي أنا بشوفها كل يوم الصبح في المراية من يوم ما اتولدت.. دي عيوني أنا! العينين دي مش بتاعة مريم، دي بتاعي أنا ودمي أنا.
مريم لفت وشها وأخيرًا شافتني.
في اللحظة اللي عيونا اتقابلت فيها، الوش بتاعها اتقلب أبيض زي الورقة، والدم هرب من عروقها. لثواني معدودة، مفيش حد فينا تحرك، أربع سنين من الفراق والوجع والأسئلة اللي ملهاش إجابة اجمعت كلها في النظرة دي.
وبعدين شفت الرعب في عينيها.
مسكت عربة الأطفال بإيد بتترعش، ولفت وشها وجريت وسط الزحمة.
سمعت نفسي بنطق: “فريدة..” بس مكنتش عارف أنا عايز أقول إيه أصلاً.
فريدة كانت لسه مكملة كلامها عن معازيم الفرح، ومش دريانة خالص إن مستقبلي كله اتهد واتدمر في ثانية ورا ضهرها.
تلات أطفال.. عيوني.. دمي!
من أربع سنين، طردت مريم من حياتي بأقسى كلام ممكن يتقال، عشان كنت فاكر إني بحميها من خطورة عيلتي وشغلي. بنيت إمبراطورية الكل بيخاف منها، ومع ذلك، عمري ما عرفت إني أب.
وأنا شايف مريم بتختفي وسط زحمة الجنينة مع ولادي، عرفت إن عندي فرصة واحدة بس إني أجري وراها وأوقفها، قبل ما تضيع مني وتضيع معاها حياتي للأبد.
فجأة، من غير ما أفكر، سيبت إيد فريدة وبدأت أجري بأقصى سرعة عندي وسط الناس، وبقيت أزق أي حد ييجي قدامي وأنا بصرخ باسمها: “مريم! مريم استني!”
فريدة وقفت مصدومة وبتصرخ ورايا: “رامي! أنت رايح فين وسكايبني؟ رامي!” بس صوتها تاه وسط دقات قلبي اللي كانت زي الطبول.
#حكايات_شروق_خالد
مريم كانت بتجري بالعربية وهي بتبص وراها برعب، ولما شافتني بقرب، دخلت بسرعة ناحية البوابة الخارجية للجنينة عشان تطلع على الشارع الرئيسي. سرعتي كانت أكبر، وقبل ما تلمس بوابة الخروج، كنت وصلت وقفلت بطريقي قدام العربية وأنا بنهج ونفسي مقطوع.
مريم وقفت، وحطت جسمها قدام العربية كأنها بتحمي العيال مني، وعينيها كانت مليانة دموع ورعب وقالت بصوت يترعش: “ابعد عننا يا رامي.. مالكش دعوة بينا، أنت سيبتنا زمان، ابعد عن ولادي!”
قربت خطوة، وبصيت للأطفال اللي كانوا بيبصوا عليا باستغراب، ونزلت على ركبي قدام العربية، ودموعي لأول مرة تنزل من سنين وقولت بصوت مكسور: “ولادك؟ دول ولادي أنا كمان يا مريم.. دول عيوني.. ليه خبيتي عليا؟ ليه سبتيني عايش في الضلمة دي كلها؟”
مريم عيطت بحرقة وقالت: “خبيت عليك عشان أحميهم من عيلتك! عشان ميكبروش ويلاقوا نفسهم في وسط الدم والسلا..ح اللي أنت عايش فيه! ابعد يا رامي، الجوازة الجديدة بتاعتك هناك مستنياك، سيبنا نعيش في حالنا.”
لسه هرد عليها وأمسك إيدها، لقيت صوت كلاكسات عربيات حراسة عيلتي واقفت بره البوابة، ورجالتي نزلوا بسرعة ومعاهم فريدة اللي وشها كان قالب غضب وشر.
فريدة قربت وبصت لمريم وللعيال بقرف وقالت بصوت عالي: “مين دي يا رامي؟ ومين العيال الشحاتين دول اللي سايبني وبتجري وراهم؟”
في اللحظة دي، الغضب عما عيني، وقفت ووقفت بطولي قدام فريدة ورجالتي، وبصيت لفريدة وقولت لها بكل برود وجمود: “الست دي تبقى مرتي وأم ولادي.. والفرح اللي بقالك ساعة بتخططي له مش هيحصل، لأني مش هسيب دمي يضيع مني تاني عشان أرضي عيلتي.”
فريدة صرخت من الصدمة، ورجالتي بصوا لبعض بقلق، أما أنا فلفت لمريم، ومديت إيدي ليها وقولت بثقة متهتزش: “المرة دي مش هسيبك تمشي لوحدك.. أنا هسيب الإمبراطورية دي كلها، وهختاركم أنتم.”
#حكايات_شروق_خالد
مريم بصت لإيدي الممدودة بتردد وخوف، بس لما شافت الإصرار في عيني، حطت إيدها في إيدي وسابتني أجر عربية التوائم ونمشي خطوتين بره البوابة.
فريدة كانت بتصرخ ورايا في الشارع زي المجنونة: “أنت اتجننت يا رامي؟! بتسيبني أنا بنت وزير السياحة عشان دي؟! جدي سليم الجارحي هيدفنك صاحي لو عرف إنك بتهد الصفقة والعيلة عشان شحاتة من الشارع!”
مردتش عليها. ركّبت مريم والعيال في عربيتي، وسوقت بأقصى سرعة وأنا براقب المرايات. طبعاً، رجالتي مكنش ينفع يلمسوني، بس كانوا ماشيين ورايا بعربياتهم عشان يبلغوا جدي بكل خطوة.
أخدت مريم والعيال على شقة قديمة ومتدارية في منطقة المنيل، كنت شاريها من سنين ومحدش من العيلة يعرف عنها حاجة. أول ما دخلنا وقفلنا الباب بالمجاريح، مريم انهارت من العياط والعيال بدأوا يخافوا. نزلت في مستواهم، وبدأت أهديهم وألاعبهم لغاية ما ناموا من التعب على الكنبة.
قعدت قدام مريم وقولت لها: “فهميني يا مريم.. تلات سنين؟ تلات سنين مخبية أطفال بالجمال ده عني؟”
مريم مسحت دموعها وقالت بقسوة: “كنت عايزني أعمل إيه؟ يوم ما طردتني وقولت لي إنك مابتحبنيش وإنك اخترت سكة جَدك، أنا اكتشفت إني حامل في نفس اليوم! جَدك سليم الجارحي كان هيعلمهم يشيلوا السلا..ح وهم في اللفة، كان هيخليهم قتلة زيك!”
كلمة “قتلة زيك” نزلت عليا زي السكين، بس مكنش فيه وقت للعتاب. فجأة، تليفوني رن.. النغمة المخصصة لجدي “سليم الجارحي”.
فتحت الخط وجاءني صوته الرخامي الحاد اللي بيهز أكبر لواءات في البلد: “أهلاً يا رامي يا حبيبي.. سيبت خطيبتك في الجنينة وبتلعب مع العيال؟ أنا باعتلك هدية في الشقة اللي في المنيل.. افتح الباب.”
جسمي كله اتخشب. المنيل؟! جدي كان عارف ومراقب الشقة من الأول!
وقبل ما أنطق، النور قطع عن الشقة بالكامل، وساعتها سمعنا صوت تكسير إزاز البلكونة!
“مريم! خدي العيال وادخلي الحمام واقفيلي على نفسك!” صرخت بصوت مكتوم وأنا بسحب الطبنجة بتاعتي من حزامي.
تلات رجالة ملثمين دخلوا من البلكونة ومعاهم أسلحة بكاتم صوت. الأوضة كانت ضلمة كحل، بس أنا حافظ الشقة شبر شبر. الأولاني قرب، وفي ثانية كنت واخد ضهره، ضربته بظهر الطبنجة على دماغه وقع مشلول الحركة. التاني والتالت بدأوا يضربوا نار عشوائي، اتدحرجت ورا الكنبة وضربت طلقتين ثبتوا التاني في مكانه.
التالت كان ذكي، سابني وجري ناحية باب الحمام وهو بيصرخ: “هات العيال يا رامي وإلا هخلص عليهم!”
في اللحظة دي، مابقاش جوايا بني آدم.. بقيت وحش. جريت عليه وزقيت جسمي كله فيه، وقعنا إحنا الاتنين على الأرض والطبنجة طارت من إيدي. بقيت أضربه ببوكسات في وشة وعيني مش شايفة غير دم، لغاية ما قطع النفس تماماً تحت إيدي.
قومت وأنا بنهج، والنور رجع فجأة. فتحت باب الحمام، لقيت مريم حاطة العيال ورا ضهرها وماسكة مقص ومستعدة تموت عشانهم. بصتلي برعب وأنا كلي دم، وقولت لها بنبرة حاسمة: “جدي مش هيسيبنا.. واللعنة دي مش هتنتهي طول ما سليم الجارحي عايش وبيتحكم فينا. اجهزي.. إحنا رايحين القصر.”
مريم شهقت: “أنت مجنون؟! هتروح له برجلك؟”
قولت لها وأنا بغير خزنة السلا..ح: “أنا مش رايح كـ حفيد.. أنا رايح كـ رامي الجارحي اللي هيقضي على الإمبراطورية دي عشان ولاده يعيشوا في النور.”
بعد نص ساعة، عربيتي اقتحمت البوابة الحديدية لقصر الجارحي في طريق مصر الإسماعيلية. الحراس كلهم رفعوا الأسلحة، بس أول ما شافوني نازل ومعايا مريم والعيال، ومصوب سلا..حي على تانك بنزين عربية من عربيات الحراسة، محدش تجرأ يضرب طلقة.
دخلت الصالون الكبير.. جدي كان قاعد بكل هدوء بيشرب السيجار بتاعه، وفريدة قاعدة جمبه بتعيط ووالدها وزير السياحة واقف وشكله بيغلي.
جدي بص للعيال وابتسم بخبث: “والله وطلع لك ضوافر يا رامي.. وجايبلي عيالك عشان أباركم؟”
وقفت في نص الصالون، وطلعت فلاشة من جيبي ورميتها على التربيزة قدام وزير السياحة وقولتله: “معالي الوزير.. الفلاشة دي عليها تقارير الشحن والتهريب اللي جدي سليم بيعملها من خلال شركات الاستيراد والتصدير بتاعتك.. يعني لو جدي وقع، أنت أول واحد ه تلبس بدلة حمرا.”
الوزير وشه اتقلب وبص لجدي برعب: “سليم بيه.. إيه الكلام ده؟”
جدي وقف وعينيه طلعت شرار: “أنت بتهددني يا حتة عيل؟ أنا اللي عملتك!”
قولتله بصوت قوي زلزل المكان: “وأنا اللي ههدك يا سليم بيه! الفلاشة دي مبعوتة حالاً لنسخة منها للأمن الوطني.. والرجالة بتوعي اللي بره مستنيين إشارة مني. قدامك حل من اتنين: يا تمضي على تنازل بكل الفروع الشرعية لشركات المقاولات باسم مريم وولادي، وتطلع بره البلد ‘اعتزال اختياري’ لفرنسا.. يا إما الفجر هيطلع وأنت ووزيرك العزيز في زنزانة واحدة.”
جدي بيبصلي وهو مش مصدق إن تلميذه بقا أقوى منه.. الطمع والخوف من الفضيحة والسجن هزوا جبل الجارحي لأول مرة.
بص لفريدة وأبوها وقال بصوت مكسور من الهزيمة: “هات العقود يا رامي.. أمضي وغور من وشي.”
مضى جدي وهو إيده بترحش، وأنا أخدت العقود وحطيتها في إيد مريم. بصيت لفريدة وقولت لها: “الشبكة حلال عليكي.. دوري على حد شبهك.”
أخدت مريم وولادي التلاتة وخرجنا من القصر، والشمس كانت بدأت تطلع وتشق ضلمة الليل. بصيت لمريم ولعيالي اللي بقوا في أمان، وقولت: “من النهاردة.. مفيش مافيا، ومفيش دم.. فيه بس أنا وأنتم، وحياة نضيفة نستاهلها.”
إمبراطورية الجارحي
حكايات شروق خالد