الوصية والظرف الأسود حكايات شروق خالد
صوت التمزيق الحاد والعنيف هز جدران مكتبة الفيلا القديمة في جاردن سيتي، وقطع السكون اللي كان مالي المكان زي طلقة رصاص مفاجئة.
نادية رجعت خطوتين لورا بذهول، والنفس اتقطع في حلقها والكرسي الخشب الثقيل عمل صوت صريخ وهو بيتحرك على الأرضية الباركيه. إيدها راحت بسرعة و بشكل غريزي على بطنها المنتفخة، بتحمي جنينها اللي في الشهر السابع من موجة الغضب والعدوانية المفاجئة اللي طالعة من الراجل اللي واقف قدامها.
شريف، اللي كان دايماً بيستخبى وراء قناع الهدوء المزيف، والبدل الغالية، وسحر ابن الأكابر، كان وشه متشنج وغرقان في سخرية قبيحة مكنش ينفع تتوصف. صوابعه ابيضت تماماً من كتر العصبية وهو ماسك نص وثيقة الوصية القانونية السميكة.. الوثيقة اللي فيها إرث جدتها الراحلة، واللي بتقدر قيمته بحوالي ربع مليار جنيه من العقارات والأسهم.
“أنتِ كنتِ فاكرة بجد؟” شريف همس بصوت سام ومخيف، بس سمعته الغرفة كلها من كتر الهدوء: “كنتِ فاكرة إن الفلوس دي كلها هتبقى تحت إيدك؟ أنتِ؟”
مستناش منها رد. بحركة وحشية من إيده، مزق صفحات الوصية تاني، وبعدين تالت، وساب الورق المقطع يطير ويقع على السجادة العجمي الأثرية زي التلج المتوسخ.
حوالين التربيزة الكبيرة، كانت عيلته الكبيرة قاعدة ومتجمدة. خالاته اللي لابسين أسود وأعمامه اللي ماسكين كبايات العصير، كلهم كانوا بيبصوا ومحدش قادر ينطق.. الخوف من عصابته وجبروته كان مأكل عقولهم ومخليهم عاجزين عن التدخل. نادية حسيت بريقها نشف، وضربات قلبها بقت سريعة وعنيفة زي المطرقة.
بصت للورق المتقطع على الأرض. كل اللي جدتها بنته وتعبت فيه عشان تؤمن مستقبل الطفل اللي جاي، كان بيتداس تحت جزمة شريف الجلد الإيطالي الفخم.
شريف عدل جاكيت بدلته، وابتسامة انتصار مقرفة اترسمت على وشه. كان فاكر إنه كده فرض سيطرته المطلقة، وفاكر إن القانون هيخليه يتحكم في كل مليم كونه “كبير البيت” والوصي عليها. كان فاكر إنه كسب المعركة خلاص.
بس شريف غلط غلطة عمره.. لأنه مأخدش باله من الراجل اللي كان قاعد في أكتر ركن ضلمة في المكتبة.
مروان مكنش شبه المحامين التقليديين بتوع الشركات. كان لابس قميص أسود بسيط وجاكيت جلد، وفيه هدوء ساكن وخطير بتاع بني آدم شاف كتير في حياته. وجنب رجله، كان قاعد كلب حراسة ضخم، عينيه السودا ثابتة على رقبة شريف من غير ما يرمش.
مروان مزعقش، ومتحركش من مكانه لما شاف الورق بيتمزق. بكل بساطة، مد إيده لجيب الجاكيت الداخلي، وطلع ببطء ظرف تاني تقيل، ومقفول بختم شمع أسود.
مروان سحب كرسي وقرب من التربيزة، وحط الظرف الأسود قدام شريف. الهدوء اللي كان بيتكلم بيه كان يرعب أكتر من الزعيق.
“الورق اللي أنت قطعتة ده يا شريف بيه.. كان مجرد مسودة للعرض.” مروان قالها وهو بيبتسم ببرود: “الجدة الله يرحمها كانت عارفاك حتة حتة، وعارفة إن الطمع هيعميك. عشان كده، سابت الظرف ده.. وده الوصية الحقيقية والمشروطة.”
شريف وشه اتخطف ولعابه سال وهو بيبص للظرف: “وصية مشروطة بإيه؟ اخلص انطق!”
مروان فتح الظرف وطلع ورقة رسمية ومختومة بختم النسر وقرأ بصوت جهوري: “تؤول كل أملاك المغفور لها للابنة نادية بشرط واحد.. في حال قيام الزوج شريف بأي تصرف عنيف، أو محاولة إجبار، أو طلاق، أو حتى لو ثبت سوء نيته بالدليل.. يتم تفعيل البند السري فوراً. والبند ده بيحرم شريف وعيلته من أي إرث، وبتتنقل الإدارة الكاملة للأموال والمشاريع لـ نادية، وتحت حراسة قانونية مشددة، بالإضافة لتقديم بلاغ للنيابة العامة بملف كامل عن اختلاسات شريف من شركات الجدة في حياتها.”
شريف رجع لورا خطوة، الصدمة كانت زي القلم على وشة. نادية بصلته وعينيها لمعت بدموع الانتصار.. جدتها محمتهاش بس وهي عايشة، دي أمنت حياتها وهي في قبرها.
“أنت بتخرف بتقول إيه؟! ورق إيه واختلاسات إيه؟!” شريف صرخ وحاول يمد إيده عشان يخطف الظرف التاني، بس الكلب الضخم اللي مع مروان وقف على رجله وعمل صوت زمجرة هزت المكان، ف شريف جمد مكانة والخوف ملى عينيه.
في اللحظة دي، نادية وقفت، وحطت إيدها على بطنها بكل عزة، وبصت لشريف وقالتله: “أنا سكت لك كتير عشان كنت فاكرة إنك هتتغير لما البيبي ييجي.. بس أنت طلعت متستاهلش. الورق اللي قطعته ده كان حبل المشنقة اللي لفيته حوالين رقبتك بإيدك.”
شريف حاول يغير نبرته ويهدي اللعب: “نادية يا حبيبتي.. أنا كنت بنفعل بس من الضغط.. أنتِ عارفة إني بحبك وبحب ابننا.”
مروان وقف وعدل جاكيته وقال وهو بيشاور لبره: “وفقاً للبند السري وتوجيهات الجدة.. القوة التنفيذية بره الفيلا حالا. شريف بيه.. أنت ممنوع من دخول أملاك عائلة نادية، ورجالة الأمن بره هيتفضلوا يوصلوك لبره البوابة بشنطة هدومك بس.. والنيابة مستنياك بكرة الصبح عشان حساب الاختلاسات القديمة.”
أعمام شريف وخالاته اللي كانوا قاعدين زي الأصنام، أول ما شموا ريحة الخسارة، قاموا وقفوا وبدأوا يتبرأوا منه ويسيبوا الأوضة واحد ورا التاني عشان ميتأذوش معاه.
شريف بص حواليه، لقى نفسه وحيد، مكسور، وخسران كل حاجة في ثانية.. الطمع رمّاه في الشارع. الأمن دخل وكلبش دراعه وأخده بره الفيلا وهو بيصرخ ويموت من الندم.
نادية قعدت على الكرسي، وأخدت نفس عميق لأول مرة من شهور.. بصت لمروان وشكرته، ولمست بطنها وابتسمت وهي متأكدة إن ابنها هيكبر في النور، والفلوس اللي صانتها الجدة هتكون البداية لحياة جديدة ونضيفة بعيد عن أي غدر.
حكايات شروق خالد
افتكرت نادية إن بخرود شريف الكابوس انتهى، وإنها أخيراً هترتاح وتبدأ ترتب حياتها وحياة ابنها اللي جاي.. بس الحقيقة إن شريف مكنش من النوع اللي ينسحب بسهولة، خصوصاً وهو شايف ربع مليار جنيه بيطيروا من بين إيديه، وفوقيهم حبل المشنقة بتاع قض..ية الاختلاس.
مرت أسابيع، ونادية بدأت تنزل الشركة مع مروان عشان تفهم الشغل وتدير الأملاك. شريف كان لسه هربان من الشرطة، ومحدش عارف له مكان، وده كان منيم الخوف جوه قلب نادية.. الخوف من الهدوء اللي قبل العاصفة.
وفي يوم، نادية كانت راجعة الفيلا بالليل متأخر بعد يوم طويل في المحكمة لتثبيت الوصية. الفيلا كانت هادية زيادة عن اللزوم، وأول ما دخلت الصالون، لقت حاجة وقفت الدم في عروقها.. الحراس بتوع البوابة كانوا مغمي عليهم على الأرض، والنور قطع فجأة!
حست بحركة وراها، وقبل ما تصرخ، إيد خشنة اتمدت وكتمت بوقها، وصوت فحيح الأفعى بتاع شريف جه جنب ودنها: “وحشتيني يا نادية.. فاكرة إن مروان والكلب بتوعه هيحموكِ مني طول العمر؟”
شريف زقها على الكرسي وولع كشاف صغير، ملامحه كانت متغيرة؛ شعره مبهدل، وعينيه فيها نظرة جنون كامل، نظرة حد معندوش حاجة يخسرها. طلع من جيبه ورقة وقلم ورماهم في حجرها وقال بتهديد وهو بيوجه مطواة ناحية بطنها:
> **”هتمضي هنا.. تنازل كامل عن كل الأملاك، وورقة تانية بتقري فيها إن بلاغ الاختلاس كان كيدي.. وإلا ورب العرش ما هيطلع عليكي ولا على اللي في بطنك فجر!”**
>
نادية كانت بترتعش، بس افتكرت كلام جدتها إن الضعف هو اللي بيقوي الحرامي. بصت في عينيه وقالت بتحاول تكسب وقت: “شريف.. أنت لو قتلتني مش هتاخد مليم، الوصية متسجلة في الشهر العقاري وبند الحرمان هيتنفذ تلقائي.”
ضحك بجنون وقال: “أنا مجهز كل حاجة.. الورق ده متزور بتاريخ قديم، قبل وفات جدتك بيومين، يعني قبل وصيتها وقبل بند الحرمان بتاعك.. امضي خلصي!”
وفي اللحظة اللي نادية حست إنها خلاص هتمضي عشان تحمي ابنها، سكت المكان كله على صوت كسر إزاز عنيف.. بس المرة دي مش من البلكونة، دي كانت رصاصة اخترقت كتف شريف وطيرت المطواة من إيده!
شريف صرخ من الوجع ووقع على الأرض، والنور اشتغل في نفس الثواني. دخل مروان وهو ماسك سلا..حه، وجنبه الكلب “رعد” اللي هجم على شريف وثبته في الأرض وهو بيزمجر وصوته يرعب الحيطة.
نادية قعدت على الأرض وهي بتعيط وبتنهج، مروان قرب منها بسرعة وهو بيطمن عليها: “أنتِ كويسة يا نادية؟ أنا متأسف إني اتأخرت.. التليفون بتاعك أنا كنت حاطط عليه جهاز تتبع وسماع، وأول ما النور قطع والخطوط اتفصلت عرفت إنه هنا.”
شريف وهو سايح في دمه على الأرض زعق بغل: “مش هسيبكم.. حتى لو دخلت السجن هطلع، والورق القديم معايا وهيخليني أهد كل اللي عملتوه!”
مروان بص له بقرف، وطلع تليفونه وشغل تسجيل فيديو.. الصدمة التانية لشريف كانت هتبدأ حالا. الفيديو كان لـ “عاصم”، عم شريف الأكبر، وهو قاعد في مكتب وبيمضي على اعتراف كامل!
مروان قال لشريف ببرود: “عمك العزيز عاصم، أول ما عرف إنك هربان وعايز تخدعنا بورق متزور، جالي بنفسه وباعك عشان يحمي نصيبه الصغير في السوق.. اعترف إنك أنت اللي زورت التنازل القديم، وإنك كنت بتخطط لقتل نادية وتبان الجري..مة إنها سكتة قلبية من الخوف عشان الورق القديم يتفعل.”
شريف وشه اتقلب أزرق، وعرف إن اللعبة انتهت بجد.. عيلته اللي كان بيستقوى بيها، كانت أول ناس تبيعه لما المركب غرق.
الشرطة دخلت الفيلا في ثواني، وشالت شريف وهو متكتف ومصاب، والمرة دي التهمة مكنتش اختلاس بس.. دي كانت **شروع في قتل، وتزوير جنائي، وترويع امرأة حامل.**
من كتر الصدمة والضغط، نادية حست بوجع شديد في بطنها.. علامات ولادة مبكرة! مروان نقلها المستشفى فوراً، وفضلت في العمليات ساعات صعبة، بره كان مروان واقف بيتحرك رايح جاي وقلقان عليها كأنها أخته.
مع أول خيط شمس من اليوم الجديد، طلعت الممرضة وهي مبتسمة وشايلة طفل زي القمر: “مبروك يا فندم.. ولد زي الفل، والأستاذة نادية بخير وجنبها في الأوضة.”
مروان دخل لنادية، اللي كانت قاعدة في السرير، وشها تعبان بس ضحكتها مالية المكان والبيبي في حضنها. بصت لمروان ودموع الفرحة في عينيها وقالت: “أنا هسميه ‘يوسف’.. على اسم أبويا الله يرحمه.”
مروان ابتسم وقال لها: “يوسف شريف سليم؟”
نادية بصت لابنها بكل قوة وقالت: “لا.. **يوسف نادية الجبالي**. شريف خلاص اتسقط من حساباتنا ومن اسم ابننا بقوة القانون.. يوسف هيكبر وهو شايل اسم عيلة جدته اللي حمته، وهيدير الإمبراطورية دي لما يكبر وهو رافع راسه لفوق.”
ومن اليوم ده، قفل الباب تماماً على قصة شريف اللي اتحكم عليه بـ ١٥ سنة سجن مشدد، وبدأت نادية حياة جديدة.. حياة مفيهاش خوف، فيها أم قوية، وطفل بريء، ومستقبل مشرق
مبني على صخر
الوصية والظرف الأسود
حكايات شروق خالد