الجرسونة التي أعادت اسم العائلة ج2 حكايات شروق خالد
بعد ما الحاجة ليلى خلصت كلامها، المطعم كله انفجر همس.
كل واحد بيبصلي كأني اتحولت في ثانية من جرسونة بسيطة لواحدة من أصحاب المكان.
لكن أنا ماكنتش شايفة حد.
كل اللي كان في دماغي كلمة واحدة.
حفيدتي.
الكلمة دي عمرها ما حد قالهالي.
أمي ماتت وأنا عندي سبعتاشر سنة، وكل اللي كانت تردده قبل ما تمشي: “أوعي تكرهي حد بسبب اللي عمله غيره.”
وقتها ماكنتش فاهمة هي بتقصد مين.
دلوقتي بدأت أفهم.
المحامي فتح الملف بالكامل، وطلع صورة قديمة.
فيها بنت شابة بتضحك وهي لابسة فستان أبيض بسيط.
أول ما شفت الصورة، حسيت إن نفسي اتقطع.
كانت أمي.
بنفس الضحكة.
بنفس العينين.
الحاجة ليلى أخدت الصورة، حضنتها وهي بتبكي.
“دي مريم… بنتي.”
ثم بصتلي وقالت: “كنت بدور عليكي سنين.”
سالم نزل على ركبته.
“سامحيني يا هانم… أنا غلطت.”
الحاجة ليلى بصتله بوجع.
“إنت ما سرقتش فلوس… إنت سرقت عمر كامل.”
سالم انفجر في البكاء.
“كنت خايف يقتلها… أقسم بالله كنت فاكر إني بحميها.”
المحامي قاطعهم وقال: “في حاجة أهم.”
كلنا بصيناله.
قال: “في شخص كان بيحول كل سنة مبلغ مالي باسم مستعار لحساب خاص بالبنت، لحد ما بلغت واحد وعشرين سنة.”
استغربت.
“مين؟”
رد وهو بيبص لسالم.
“هو.”
سالم مسح دموعه.
“ماكنتش أقدر أرجعكم لبعض… لكن على الأقل كنت بحاول أنفذ آخر وصية قالتها مريم.”
سألته وأنا بدموعي: “قالتلك إيه؟”
ابتسم بحزن.
“قالتلي… لو بنتي كبرت، قولها إني عمري ما سيبتها بإرادتي.”
انهرت في العياط.
افتكرت كل ليلة كنت بزعل فيها من أمي، وألومها إنها مخبتش ليا الحقيقة.
دلوقتي عرفت إنها كانت بتحاول تحميني.
وسط كل ده، نادين صرخت بعصبية.
“يعني إيه؟ يعني هتصدقوا قصة من خمس وعشرين سنة؟”
المحامي سحب ظرفًا صغيرًا من الملف.
“لسه مخلصناش.”
فتح الظرف، وأخرج خطابًا قديمًا مكتوبًا بخط اليد.
قال: “الخطاب ده اتسلم لمكتبنا من خمسة وعشرين سنة، وكان مكتوب عليه: لا يُفتح إلا إذا ظهرت ليان.”
قلبي وقف.
المحامي بدأ يقرأ:
> “إلى بنتي ليان… لو وصلِك الجواب ده، يبقى أنا غالبًا مشيت من الدنيا. يمكن تكرهيني، ويمكن تفتكريني سيبتك، لكن الحقيقة إني كنت بهرب بيكي من ناس كان ممكن يقتلونا علشان الفلوس. لو في يوم رجعتي لعيلة المنشاوي، متخليش الثروة تعمي قلبك، لأن أغلى حاجة هتلاقيها هناك مش القصور… أغلى حاجة هي الحقيقة.”
وقبل ما المحامي يكمل باقي الخطاب…
انفتح باب المطعم مرة تانية.
ودخل ضابط شرطة، ومعاه اتنين أفراد.
وقف قدام سالم وقال بهدوء:
“الأستاذ سالم؟”
سالم هز رأسه.
الضابط قال:
“في بلاغ جديد اتفتح في القض..ية القديمة… وفي شاهد ظهر النهارده واعترف إن الحريق ماكانش حادث… كان متدبر.”
ساد الصمت.
ثم أضاف الضابط وهو ينظر إلى الجميع:
“والشاهد قال إن الشخص اللي خطط للحريق… مازال على قيد الحياة.”
حكايات شروق خالد
ساد صمت ثقيل.
الحاجة ليلى مسكت طرف الترابيزة عشان ما تقعش.
كريم اتقدم خطوة وقال للضابط:
“مين؟”
الضابط فتح ملف صغير، لكنه قفله تاني.
“الاسم هيتقال بعد القبض عليه. إحنا جايين ناخد أقوال الأستاذ سالم الأول.”
سالم رفع إيده وقال بهدوء:
“أنا هاجي معاكم… لكن قبل ما أمشي، لازم أقول الحقيقة كلها.”
الضابط وافق.
سالم بص للحاجة ليلى.
“فاكرة الليلة دي؟”
هزت راسها وهي دموعها بتنزل.
“أنساها إزاي؟”
قال:
“بعد ما خرجت مريم من الفيلا، كنت بجري بيها وبالطفلة. وقبل ما نركب العربية، سمعت صوت الراجل اللي ولع النار.”
كريم سأله بسرعة:
“وشفته؟”
“أيوه… وشفته بعيني.”
“ليه ما بلغتش؟”
ابتسم سالم بمرارة.
“لأن بعدها بساعات اتخطف ابني. وبعتولي صورته وقالولي لو فتحت بقي هيدفنوه مكانه.”
شهقت الحاجة ليلى.
أما أنا، فبدأت أحس إن كل واحد في الحكاية كان ضحية بشكل أو بآخر.
في اللحظة دي، رن هاتف المحامي.
رد بسرعة، ووشه اتغير.
قفل المكالمة وبص للحاجة ليلى.
“في خبر خطير.”
“إيه؟”
“الشركة الرئيسية للعيلة اتعرضت لمحاولة سحب كل أرصدتها من ساعة.”
كريم اتجمد.
“إزاي؟”
“حد استخدم توكيل قديم.”
الحاجة ليلى اتفاجئت.
“التوكيل ده اتلغى من سنين.”
المحامي هز راسه.
“النسخة اللي استخدمها مزورة.”
وفجأة، نادين بدأت تتراجع لورا بهدوء.
كريم لمحها.
“رايحة فين؟”
ابتسمت ابتسامة مرتبكة.
“أنا… تعبت.”
لكن قبل ما توصل للباب، الضابط قال:
“آنسة نادين… استني لحظة.”
وقفت مكانها.
الضابط طلع صورة من الملف.
“كاميرات البنك صورت الست اللي قدمت التوكيل المزور.”
نادين حاولت تضحك.
“وأنا مالي؟”
الضابط قلب الصورة ناحيتها.
اللون اختفى من وشها.
الصورة كانت ليها.
بنفس الفستان الأحمر اللي كانت لابساه.
كريم بص لها وكأنه أول مرة يشوفها.
“يعني… كنتي بتحاولي تسرقي العيلة؟”
نادين سكتت.
الضابط كمل:
“وفي تسجيلات لمكالمات بينك وبين شخص مجهول، بيتكلم عن إن ظهور ليان بوظ الخطة كلها.”
الحاجة ليلى قعدت على الكرسي من الصدمة.
أما نادين، فانهارت فجأة وهي تصرخ:
“أنا مش اللي بدأت! أنا كنت بنفذ أوامر!”
الضابط سألها:
“أوامر مين؟”
نادين بكت وهي تشير بإيدها إلى الصورة المعلقة على الحائط خلف مكتب مدير المطعم، حيث كان هناك رجل أعمال مشهور يبتسم في إطار ذهبي.
وقالت بصوت مرتعش:
“هو… هو اللي خطط لكل حاجة من البداية… وهو اللي أمر بحريق الفيلا زمان… لأنه كان عايز يستولى على ثروة المنشاوي كلها.”
وفجأة، سُمعت من خارج المطعم أصوات إطارات سيارات تتوقف بعنف.
ثم دخل رجل أنيق في الستينات من عمره، يصفق ببطء وهو يبتسم ابتسامة باردة.
وقال:
“يبدو إنكم عرفتم الحقيقة أخيرًا… لكن فات الأوان.”
حكايات شروق خالد