خلف قناع العريس الجزء الاول حكايات شروق خالد

لحد اللحظة دي، كنت فاكرة إن أكبر تحدي هيواجهني يوم فرحي هو إني أتحكم في دموعي وأنا ماشية بالفستان الأبيض رايحة ناحية الكوشة.
كان نفسي، أكتر من أي حاجة في الدنيا، إن أبويا يكون هو اللي ماسك إيدي وبيسلمني لعريسي. الراجل ده كان ليا الأب والأم من يوم ما عقلت على الدنيا. أمي سابتنا وأنا لسه عيلة صغيرة، وعمري في حياتي ما سمعت أبويا بيشتكي من الحمل الثقيل اللي شاله لوحده.
هو اللي اتعلم إزاي يسرحلي شعري وضفايري قبل ما أروح المدرسة، وكان بيطبق في شفتات الليل التعبانة عشان ميرفضليش طلب، وكان بيفضل صاحي جمبي طول الليل لو سخنت أو تعبت، ودايماً كان يقولي: “مستقبلك هيكون أحسن وأقوى من مستقبلي يا بنتي.. أنا هعمل أي حاجة عشان أشوفك فوق.”
خطيبى “ياسين” مكنش قعد مع أبويا ولا عرفه بجد قبل كده. إحنا كنا عايشين وبنشتغل برة مصر في أوروبا بقالنا تلات سنين، وكل كلامهم مع بعض كان يدوب مكالمات فيديو سريعة والشبكة عمالة تقطع.
وقبل الفرح بكام يوم، أبويا تعب وجاتله سخونية شديدة، فمعرفش يحضر معانا عشاء التعارف بروفات الفرح. وقتها قال لي وهو بيضحك ويطمني: “أنا هشوفه بكرة وأنا داخلك بيه القاعة وأنا ماسك إيدك.. هو ده الأصول وهو ده اللي هيحصل.”
وفجأة، لقيت نفسي واقفة مع أبويا عند مدخل قاعة الفرح.
كنت سامعة صوت حركتي بالفستان، وشامة ريحة الورد الأبيض المالي المكان، وحاسة بنفَس أبويا اللي جمبي وهو عمال يعلى ويوطى من التوتر والفرحة.
وعند الكوشة.. كان واقف ياسين.
طويل، رزين، ولابس بدلة سوداء سموكنج في منتهى الشياكة، وأول ما عينه جت عليا ابتسم ضحكة ماليها الفرحة.
وفي ثانية واحدة.. كل حاجة اتبدلت.
أبويا صنم في مكانه.. الدم هرب من وشه تماماً وبقى أبيض زي الورق.
قبضته على دراعي اتشدت فجأة لدرجة وجعتني، ورجع خطوتين لورا وهو بيتهز، فمسكته بسرعة قبل ما يقع من طوله.
“بابا؟” سألته بصوت واطي ومخضوض: “في إيه؟ مالك؟”
المزيكا اللي شغالة حسيت إن صوتها بعد واختفى، وحتى أضواء القاعة والشموع بقت باهتة وضلمة.
أبويا مكنش باصصلي أصلاً.
عينيه كانت مفتوحة على أخرها ومثبتة برعب وذهول على ياسين!
“لا..” همس وصوته بيرتعش: “لا.. مش ممكن.. مستحيل.”
الابتسامة اختفت من على وش ياسين تماماً.
أبويا رفع إيده اللي كانت بتترعش كأنها ورقة شجر، وشاور بيها عليه وصوته طلع بزعيق هز القاعة كلها وخلّى الناس تتلفت لنا:
“إزاي ده بيحصل؟! أنا كنت متأكد إنك اختفيت ومت من تلاتين سنة!”
بطني وجعتني وحسيت بركبي سابت.. كأن الأرض اللي واقفة عليها اتهدت ومبقاش ليها وجود.
بصيت لأبويا ولقطت نفسي بالعافية: “أنتوا تعرفوا بعض؟”
أبويا نطق اسم.. اسم غريب عمري ما سمعته في حياتي، وميخصش ياسين في أي حاجة.
ياسين بص في عيني، ونظرته اتحولت لحاجة تانية خالص.. نظرة باردة وناشفة مفيهاش أي حب.
وبعدين نطق الكلمتين اللي خلوا الدم يتجمد في عروقي:
“مبقاش ينفع نرجع لورا خلاص.. أخيراً يا فندم، هتعرف السبب الحقيقي اللي خلاني أتجوز بنتك.”

حكايات شروق خالد

القاعة كلها اتقلبت في ثانية. الهمس بدأ يعلى بين المعازيم، والمزيكا وقفت فجأة بعد ما الـ DJ لاحظ إن فيه مصيبة بتحصل عند المدخل. الناس بدأت تقف على رجليها عشان تفهم في إيه.
أبويا كان بينهج وكأنه بيجرى في سباق، وعينيه مفيزلش من على ياسين. ياسين بدأ يتحرك من عند الكوشة ويمشي ناحيتنا بخطوات بطيئة، ثابتة، ومرعبة.. مكنتش مشية عريس رايح لحبيبته، دي كانت مشية صياد بيقرب من فريسته بعد ما وقعت في الفخ.
“بابا.. ففهمني في إيه؟! مين ده؟ وأنت تعرفه منين؟” صرخت وأنا بمسك كتف أبويا والدموع مغرقة وشي، فستاني الأبيض اللي كنت طايرة بيه من كام دقيقة حسيت إنه بقى كفن خانقني.
أبويا مردش عليا، كان بيبص لياسين وكأنه شايف شبح طالع من القبر. نطق بصوت مبحوح ومكسور: “أنت ابن “رفعت السيوفي”.. مش كدة؟ نفس الملامح.. نفس النظرة الجاحدة. بس رفعت مات من تلاتين سنة في الحادثة.. وأنت.. أنت المفروض كنت معاه في العربية!”
ياسين وقف على بعد خطوة واحدة مننا. الابتسامة الصفرا اللي على وشه كانت كفيلة ترعب بلد. حط إيديه في جيوب بنطلونه وقال بنبرة باردة زي التلج: “صح يا “جلال بيه”.. رفعت السيوفي مات، والكل افتكر إن ابنه الصغير اللي كان عنده خمس سنين مات معاه في ترعة المريوطية لما عربيتهم اتقلبت.. بس ربنا أحيا الواد ده تاني، عشان يعيش تلاتين سنة ملوش هدف في الدنيا غير اليوم ده.. اللحظة دي بالذات.”
أبويا رجع خطوة لورا وصدمته تحولت لرعب حقيقي: “أنت.. أنت “آسر”؟!”
“آسر رفعت السيوفي.. اللي أنت سرقت شقى أبوه، ومضيتّه على عقود التنازل عن المصنع والأرض وهو بيموت في المستشفى بعد الحادثة اللي أنت دبرتها له!” ياسين قالها وصوته بدأ يعلى وعروق رقبة تظهر من الغل. “أنت عيشت تلاتين سنة بتكبر بفلوسنا، وبتصرف على بنتك وتدلعها من دم أبويا اللي مات مقهور!”
الدنيا لفت بيا.. بصت لأبويا وأنا مش مصدقة. الراجل الطيب، الحنين، اللي كان بيمشط لي شعري ويشتغل ليل مع نهار عشان لقمة الحلال.. يطلع قاتل وحرامي؟!
“لا.. مستحيل! بابا قولّه إنه كداب! قولّه إن الكلام ده ملوش أساس من الصحة!” زعقت وأنا بنفض أبويا من دراعه.
أبويا وطى راسه في الأرض.. ودموعه نزلت. السكوت ده كان أكبر صدمة في حياتي.. السكوت ده كان الاعتراف.
ياسين التفت ليا، ونظرته الباردة لمت في عيني: “مكانش فيه أي سفر لـ أوروبا يا “مريم”.. ولا كل دي كانت صدف. أنا اللي رتبت أدخل شركتك هناك، وأنا اللي خططت عشان تحبيني، وأنا اللي خليتك تصرّي نتجوز في مصر وعملت الفرح الأسطوري ده.. عشان أكسر قلب أبوكي في أكتر يوم كان بيتمنى يشوفك فيه مبسوطة.. زي ما كسر قلبي وأنا عيل صغير.”
أبويا رفع راسه ودموعه مغرقة وشه: “يا بني.. أنا غلطت.. أنا طمعت زمان والشيطان عماني، وعشت تلاتين سنة بربي بنتي بالقرش الحلال وبحاول أكفر عن ذنبي.. بنتي ملهاش ذنب! مريم ملهاش ذنب في أي حاجة! انتقم مني أنا.. بلاش هي!”
ياسين ضحك ضحكة قوية رنت في القاعة الفاضية، وسحب منديل بدلتة وحطه في جيب الجاكيت: “تؤتؤ يا جلال بيه.. الوجع في الضنا بيموّت بالبطيء.. وأنا عايزك تموت كل يوم وأنت شايف بنتك مكسورة.”
بصلي ونزل لمستوايا وقال: “الفرح ده خلص.. وعقد الجواز اللي إحنا لسه ماضيين عليه من ساعة في الأوضة الجوانية؟ ده الحبل اللي هلفه حوالين رقبة عيلتك.. من بكرة، كل أملاك جلال بيه هترجعلي بالقانون وبالمستندات اللي معايا.. وأنتي يا مريم.. هترجعي معايا البيت.. بس مش كـ عروسة.. كـ رهينة لحد ما الحساب يتقفل تالت ومتلت.”
ياسين لف ضهره ومشي بخطوات واثقة لبرة القاعة، وسابنا وسط ذهول المعازيم.. وأنا واقفة بفستاني الأبيض وسط حطام حياتي اللي اتهدت في ثانية، مش عارفة أبكي على غدر جوزي.. ولا على ماضي أبويا الأسود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *