قبل الفجر… أختي سابت عيالها قدام باب بيتي بورقة هزت حياتنا ج3 حكايات شروق خالد
فضلت طول الليل أفكر.
كل مرة أقول لنفسي إني مش هروح، كنت أفتكر سهر وهي بتسألني: “ماما سابتني ليه؟”
وفي الآخر وافقت.
دخلت غرفة الزيارة في الحبس، ولقيت ليلى قاعدة قدامي. كانت أضعف بكتير من آخر مرة شفتها، لكن أول ما رفعت عينيها، لقيت نفس البرود اللي عرفته فيها.
بصتلي وقالت:
“كنتي عارفة إنك هتيجي.”
قعدت من غير ما أرد.
قالت وهي بتتنهد:
“أنا مش طالبة منك تسامحيني.”
قلت بحدة:
“ولا أنا جاية عشان أسامحك. جاية أعرف الحقيقة.”
سكتت شوية، وبعدين قالت:
“فاكرة بابا؟”
استغربت السؤال.
قلت:
“ماله؟”
نزلت بعينيها في الأرض.
“أنا عمري ما حكيتلك اللي كان بيحصل في البيت وإحنا صغيرين. كنت دايمًا شايفة إن الأمومة معناها تضحية واختناق، لأن دي كانت الصورة الوحيدة اللي شفتها قدامي. كل يوم كنت بحلف إني لما أكبر مش هعيش الحياة دي.”
بصيتلها وأنا حاسة إن فيه وجع قديم طالع من كلامها، لكن ده ماكانش يبرر اللي عملته.
قلت بهدوء:
“اللي حصلك وإنتِ صغيرة لو كان حقيقي، فهو ظلم كبير… لكن سهر وياسين مالهمش ذنب يدفعوا تمنه.”
دموعها نزلت لأول مرة.
قالت:
“عارفة… وعشان كده أنا مستحقة أي حكم.”
طلعت من شنطة صغيرة كانت معاها ظرف.
مدته ناحيتي.
“ده كل الفلوس اللي فضلت معايا، وعقد بيع العربية. اعملي بيهم حساب باسم الولاد.”
ماخدتش الظرف.
قلت:
“الفلوس مش هترجع طفولة ضاعت.”
في اللحظة دي، دخل المحقق وقال إن وقت الزيارة انتهى.
وأنا خارجة، سمعت ليلى بتنادي عليا.
لفيت.
قالت بصوت مكسور لأول مرة:
“قولي لسهر… إن المشكلة ماكانتش فيها هي.”
وقفت ثواني، ثم رديت:
“لما تكبر، هتعرف الحقيقة كاملة… لكن هتعرف كمان إن اللي رباها هو اللي استحق يبقى عيلتها.”
بعد شهور، أصدرت المحكمة حكمها.
ثبتت مسؤولية ليلى عن ترك طفليها وتعريضهما للخطر، مع استمرار الإجراءات الخاصة بحضانتهما وفق ما تقرره المحكمة ومصلحة الطفلين.
أما أنا، فكنت كل يوم بأتعلم أبقى أم من غير ما أكون ولدت.
في أول يوم مدرسة لسهر، كانت ماسكة إيدي بكل قوتها.
قبل ما تدخل الفصل، بصتلي وقالت:
“خالتو… ممكن أناديكي ماما؟”
اتجمدت مكاني.
ركعت قدامها.
قلت:
“تناديني بالاسم اللي يخلي قلبك مطمن.”
ارتمت في حضني وهي بتضحك.
ومن يومها، سواء قالت “خالتو” أو “ماما”… كان المعنى واحد.
إن البيت الحقيقي مش المكان اللي اتولدنا فيه…
البيت الحقيقي هو المكان اللي حد فتح فيه الباب، وقال لنا:
“اتفضلوا… إنتوا وصلتوا بيتكم.”
حكايات شروق خالد
مرت خمس سنين.
كبرت سهر، وبقت في تالتة ابتدائي، وياسين بقى طفل مشاغب ما بيسيبش الديناصورات من إيده. البيت اللي دخلوا له قبل الفجر وهم خايفين، بقى مليان ضحك، وواجبات مدرسية، ورسومات متعلقة على التلاجة.
وفي يوم، وإحنا بنتغدى، رن جرس الباب.
فتحت.
ولقيت موظف من المحكمة، معاه ظرف مختوم.
وقعت على الاستلام، وقفلت الباب.
أول ما فتحت الظرف، قلبي دق بعنف.
ليلى كانت طالبة من المحكمة إنها تشوف الطفلين.
مش تسترد حضانتهم…
بس تشوفهم.
الأخصائية الاجتماعية زارتني بعدها بيومين.
قالت:
“القرار في النهاية هيكون للمحكمة، لكن لازم نعرف رأيك، والأهم رأي الأطفال بما يناسب سنهم.”
قضيت الليلة كلها بفكر.
كنت بكره اللي عملته ليلى…
لكن كنت بخاف كمان إن سهر وياسين يكبروا ويحسوا إن حد أخفى عنهم الحقيقة.
بعد أسبوع، اتعملت جلسة تمهيدية.
ليلى دخلت القاعة، وشعرها فيه خصل بيضا مكانتش موجودة زمان.
أول ما شافت سهر، انفجرت في البكاء.
أما سهر…
فبصتلها كأنها بتشوف شخص غريب.
القاضية سألتها بلطف:
“تعرفي الست دي؟”
سهر سكتت شوية.
وقالت:
“دي ماما اللي ولدتني.”
ثم لفتت ناحيتي.
ومسكت إيدي.
وأضافت:
“ودي ماما اللي ربتني.”
ساد الصمت في القاعة.
حتى كاتب الجلسة رفع عينه من الورق.
ليلى غطت وشها بإيديها وفضلت تبكي.
بعد انتهاء الجلسة، طلبت مني دقيقة واحدة.
وافقت، لكن في وجود الأخصائية.
قالت وهي واقفة على بعد خطوات:
“أنا مش جاية أخدهم.”
بصيت لها من غير كلام.
كملت:
“أنا جاية أقولك إنك عملتي اللي أنا فشلت أعمله.”
أخرجت ظرفًا آخر.
وقالت:
“ده خطاب كتبته لسهر وياسين. ماتفتحيهوش دلوقتي. اديهولهم لما يبقوا كبار، ولو حسيتِ إن الوقت مناسب.”
أخذت الظرف.
مش عشانها…
لكن عشان الأطفال من حقهم يومًا ما يعرفوا كل الحقيقة.
خرجت ليلى من المحكمة من غير ما تبص وراها.
وكانت دي آخر مرة شافتها فيها سهر وهي طفلة.
وفي طريق الرجوع، سألتني سهر وهي باصة من شباك العربية:
“هو ممكن الإنسان يغلط غلطة كبيرة قوي… وبعدين يندم؟”
قلت:
“أيوه يا حبيبتي.”
قالت:
“بس الندم ما بيرجعش الزمن.”
ابتسمت ابتسامة حزينة.
وقلت:
“لأ… ما بيرجعوش. لكنه ممكن يخلي الإنسان ما يكررش نفس الغلط.”
هزت رأسها، ورجعت تبص للطريق.
وفي اللحظة دي، عرفت إن البنت الصغيرة اللي لقيتها واقفة قدام باب بيتي في عز الفجر…
كبرت أكتر بكتير من سنها.
وإن أقسى الجروح ممكن تفضل أثرها طول العمر…
لكن الحب الصادق، والبيت الآمن، والاحتواء، يقدروا يصنعوا بداية جديدة، حتى بعد أصعب النهايات.
قبل الفجر… أختي سابت عيالها قدام باب بيتي بورقة هزت حياتنا
حكايات شروق خالد