**عزف الأوتار الميتة**ج1 حكايات شروق خالد

اللمسة الواحدة دي رجعت الروح لرجلين أكتر بني آدم مرعب في القاهرة، وفي ثواني، الرجالة اللي مفيش حد بيقدر يقف قصادهم في البلد كلها عرفوا إن كل حاجة مشيت زي ما هي بقالها عشرين سنة خلاص هتتغير. في نفس الوقت، كانت فيه أم عزباء يائسة ودايخة على قرشين، دخلت القصر بتاعه وهي بتدور على أي فلوس تنقذ بيها ابنها المريض.. مكنش عندها أدنى فكرة إنها برجليها دي داخلة تصحي أسطورة، مصر كلها كانت بتدعي ربنا إنها متقومش تاني أبدًا.
لمدة عشرين سنة كاملة، يوسف السيوفي مكنش بيسمع غير حقيقة واحدة باردة وناشفة؛ أشهر جراحين ودكاترة مخ وأعصاب وأكبر بروفيسورات الطب في مصر دخلوا من بوابات قصره الفخم اللي على كورنيش المعادي، كلهم جم بوعود تمنها ملايين، وكلهم خرجوا من عنده بجيوب مليانة فلوس، بس كلهم برضه قالوا نفس الجملة في الآخر: “مفيش أمل.. مش هيمشي تاني أبدًا”.
بعد ما سمع الكلمة دي لغاية ما زهق، يوسف بطل يحارب، وقرر يبني إمبراطوريته وهو قاعد في مكانه. وهو عنده اتنين وأربعين سنة، كان بيحكم معظم العالم السفلي لرجال الأعمال والعصابات في المحروسة من فوق كرسي متحرك مصنوع من التيتانيوم، شكله هيبتك كأنه حتة من مدرعة حربية مش مجرد كرسي طبي. أبوه الله يرحمه كان بيحكم بالدم والنار والخوف، بس يوسف كان بيحكم بالسكوت، بالنفوذ، وبالسيطرة اللي ملهاش حدود. وزرا ومسؤولين كبار كانوا بيصحوا على رنة تليفونه في نص الليل، قضاة كانوا بينسوا قضايا وأسامي ناس تقال عشان خاطره، وشركات ومصانع كانت بتفتح وشركات تانية بتختفي من السوق بكلمة واحدة منه.
الناس مكنتش بتحب يوسف السيوفي.. الناس كانت بتترعش من سيرته وبتنفذ أوامره وهي ساكتة.
#حكايات_شروق_خالد
ومع كل السطوة دي، كان عايش في عزلته الخاصة، ورا قزاز مضاد للرصاص، وحراسة مسلحة ليل نهار، وثروة مياكلهاش المش. حياته كلها اتشقلبت سنة 2006، لما عربية مفخخة انفجرت قدام مطعم شهير في الزمالك. الانفجار دا طير أبوه في وقتها، وحدف يوسف اللي كان ساعتها شاب عنده 22 سنة من قزاز محل مجوهرات كبير. شظايا الحديد والقزاز قطعت عموده الفقري تمامًا، ودمرت أعصاب الدكاترة وقفوا قدامها عاجزين. بعد تلات أسابيع غيبوبة، صحي في مستشفى خاص، متأمن بجيش من الحراسة، والدكاترة قالوا له ببرود إنه هيعيش.. بس مش هيقف على رجليه تاني.
ومن يومها، وهو مش طايق الدنيا، ومكنش مسامح القدر إنه سابه عايش مشلول.
على الناحية التانية من القاهرة، في شقة ضيقة في حواري السيدة زينب، كانت فريدة عايشة حرب من نوع تاني خالص. فريدة كانت أم عزباء عايشة مع ابنها سليم اللي عنده تمان سنين، واللب كان عنده حساسية شديدة ومشاكل في التنفس، بتتحول في ليالي الشتا الباردة لكابوس مرعب يخنق الأنفاس. فريدة كانت بتعد أيامها بالوصولات المتأخرة، وتمن بخاخات الصدر، والليالي اللي بتقضيها صاحية جنب السرير بتسمع صوت تزييق صدر ابنها وهي مرعوبة.
فريدة كانت في الأصل دكتورة علاج طبيعي شاطرة جدًا ولها اسمها، بس خسرت كل حاجة بعد طلاق مرير وبهدلة في المحاكم أكلت الأخضر واليابس. وعشان تقدر تعيش وتجيب دواء سليم، بدأت تقبل تشتغل مع زباين “كاش” من اللي العيادات الكبيرة بترفضهم أو بتخاف منهم؛ عمال بنا ضهرهم اتقطم من الشقا، مصارعين معتزلين مخبيين إصابات قديمة، ورجالة غامضة بشنب ودقن يفضلوا يدخلوا من الأبواب الخلفية ومن غير ما يسيبوا أساميهم في دفتر. وسط الناس دي، فريدة اتعرفت بلقب غريب وبيتهمس بيه في السر: “الست اللي إيديها بتتلف في حرير”.
#حكايات_شروق_خالد
فريدة مكنتش بتقول على نفسها شيخة ولا بتعمل سحر، هي بس كانت بتفهم جسم البني آدم بطريقة تانية خالص. في الوقت اللي الدكاترة بيبصوا فيه على الإشاعات والتقارير، هي كانت بتثق في لمسة إيديها. تحت العضلات القفشة وأنسجة التليف، كانت بتقدر تحس بإصابات دقيقة تاهت من الدكاترة بقالهم سنين.
السمعة دي، وصلت في يوم لودان ناس ميتلعبش معاهم.
في ليلة من ليالي أكتوبر والمطر مغرق شوارع القاهرة، وقبل ما تقفل مكانها بشوية، دخل عليها راجل لابس بدلة شيك جدًا اسمه إبراهيم. قفل الباب وراه بهدوء، وحط رزمة فلوس تقيلة على سرير الكشف.
قالها بنبرة هادية: “خمسين ألف جنيه.. في جلسة واحدة”.
فريدة حست بقرصة في قلبها وخوف مش مريح. لما رفضت وقالتله إنها مبتخرجش لبيوت، إبراهيم ببرود تام بدأ يرص لها تفاصيل مرض سليم، وأسامي أدويته، وحتى الصيدلية اللي اشتريت منها البخاخة امبارح العصر. الخوف شل حركتها، هو مهددش ابنها صراحة، بس كان بيثبت لها إنهم عارفين عنها دبة النملة. ومع تهديد صاحب البيت بطردها برة الشقة عشان الإيجار الميتأخر، وفواتير سليم اللي بتزيد كل يوم، فريدة عرفت إن اللحظة اللي بتخاف منها كل أم وصلت لغاية عندها.
وافقت وهي مجبرة.
غطوا عينيها بقماشة سودا جوة عربية جيب ضخمة، وفضلت تعد الملفات في سرها لحد ما العربية وقفت قدام قصر مهيب بيبص على النيل في المعادي. بعد دقايق، شالوا الغماة من على عينيها، ولقت نفسها جوة أوضة نوم وسيعة زي الصالة، وقاعد قدام دفاية راجل ملامحه حادة وقاسية على كرسي متحرك أسود مطفي.
مفيش حد في مصر ميعرفش اسم يوسف السيوفي.. حتى الناس اللي بتعمل نفسها مسمعتش عنه.
يوسف بص على لبس فريدة البسيط بنظرة سخرية واستهزاء، وقالها بصوت رجولي رخيم فيه ضحكة مكتومة: “أهلاً يا دكتورة.. ها، قوليلي بقى.. جايبالي معاكي أحجار طاقة، ولا زيوت مبروكة، ولا هتقوليلي خطبة عن الطاقة الإيجابية وتوهميني إن الشلل هيروح؟”
فريدة ميرمش لها جفن، قربت منه بكل ثقة ووقفت قدام الكرسي، وبصت في عينيه اللي بتطلع شرار وقالت بقوة: “أنا هنا عشان أعمل شغلي وبس، ارفع بنطلونك وريني رجلك”.
يوسف اتفاجئ من جراءتها، بس شاور بحواجبة لحراسه يبعدوا. فريدة نزلت على ركبها قدام الكرسي، ومدت إيديها ولمست كاحل رجله الشمال اللي مفيهاش الروح بقالها عشرين سنة.
في اللحظة دي بالذات.. حصلت حاجة غريبة. يوسف السيوفي حس بلسعة حرارة مفاجئة وعنيفة صدمت ضهره وكأنها كهربا ضربت في عموده الفقري، وصوابع رجله المشلولة اتهزت فجأة قدام عينيه وعيون حراسه اللي برقت من الصدمة.. فريدة شالت إيديها بسرعة وهي مخضوضة، ويوسف مسك ذراع الكرسي بقوة لدرجة إن عروق إيديه كانت هتنفجر، وبص لفريدة بنظرة رعب وعجب وهو مش قادر ينطق، والكل واقف مذهول من الهزة اللي رجعت في جسم الأسطورة..

#حكايات_شروق_خالد

السكوت اللي حل في الأوضة كان مرعب، لدرجة إن صوت طقطقة الحطب جوه الدفاية بقى مسموع زي ضربات القلوب. إبراهيم الحارس الشخصي إيده راحت تلقائي على طبنجته وهو بيبص لرجلي يوسف اللي اتهزت، عينيه كانت هتطلع من مكانها، ودقات قلبه بقت مسموعة. عشرين سنة بيحرس راجل مبيتحركش فيه غير عقله ولسانه، وفجأة، في ثانية واحدة، النبض رجع للميت.
فريدة رجعت خطوتين لورا، وشها هرب منه الدم ونفسها بقى سريع. اللمسة دي مكنتش طبيعية، هي حست بسخونية غريبة طلعت من كاحله وضربت في كف إيديها كأنها لمست سلك كهربا عريان.
يوسف كان لسه ماسك في ذراع الكرسي التيتانيوم، صوابع إيديه ابيضت من كتر الضغط، وعينيه الحادة كانت مركزة على رجله اللي لسه صوابعها بترتعش حركة خفيفة لا تذكر، بس بالنسبة لواحد مشلول بقاله عشرين سنة، الحركة دي كانت بمثابة قيامة جديدة. رفع عينه ببطء لفريدة، النظرة الساخرة والمستهزئة اختفت تمامًا، وحل مكانها نظرة وحش لقى فريسة أو لقى طوق النجاة اللي بقاله عمر مستنيه.
صوته طلع رخيم، بس المرة دي كان بيرتعش من الهيبة والصدمة: “إنتي… إنتي عملتي إيه؟”
فريدة بلعت ريقها وصوتها طلع مهزوز بس حاولت تبان متماسكة: “أنا… أنا معملتش حاجة، أنا بس درست مسارات الأعصاب المقفولة، الدكاترة بتوعك كانوا بيبصوا على العضم والفقرات الميتة، بس مفيش حد دور على الضفيرة العصبية المدفونة تحت التليف… أنا لمست العصب الحائر.”
يوسف مشاورش المرة دي، هو زعق بصوت جهوري مرعب زلزل الأوضة: “إبراهيم! برة! كله برة!”
في ثواني، الأوضة فضيت ومبقاش فيها غير يوسف السيوفي وفريدة اللي كانت حاسة إن رجليها مش شايلاها. يوسف ساب ذراع الكرسي، وسند ضهره، وبص لفريدة وعينيه لمعت بذكاء وشر ملهوش آخر. الراجل ده لو قام على رجليه، خريطة القوة والنفوذ في مصر كلها هتتشقلب، ناس كتير أوي هتموت، ورؤوس كبار هتنقطع، لأن يوسف وهو على كرسي كان هامرهم، فمابالك وهو واقف؟
قالها بنبرة واضحة ومفيهاش نقاش: “الخمسين ألف جنيه اللي إبراهيم ادهملك؟ دول مصروف جيب لابنك سليم. من اللحظة دي، إنتي ملكيش مكان برة القصر ده. هتقعدي هنا، وهتعالجي رجلي دي لغاية ما أقف عليها وأمشي وسط الناس. وبالمقابل… ابنك سليم هيتلقى علاجه في أكبر مستشفيات ألمانيا على حسابي، والشقة بتاعة السيدة زينب دي هتبقى ماضي ونسيتيه.”
فريدة قلبها دق برعب: “بس أنا مقدرش أسيب ابني، وبعدين أنا وافقت على جلسة واحدة وبس!”
يوسف ضحك ضحكة قصيرة مكتومة، ضحكة تخوف، وقرب بجرع بجسمه الفوقاني لورا: “يا دكتورة… إنتي دخلتي عش الدبابير برجليكي، وصحيتي حاجة بقالها عشرين سنة نايمة. تفتكري بعد اللي شفته ده هسيبك تخرجي من البوابة دي وانتي شايلة السر ده؟ إنتي بقيتي حبل الوريد بتاعي… وال حبل الوريد بتاعي يا يحيني، يا إما بقطعه.”
في نفس اللحظة دي، برا القصر، تليفون إبراهيم كان بيرن. كان المتصل واحد من كبار رجال الأعمال في البلد، وصوت الراجل على الناحية التانية كان قلقان: “إيه الأخبار يا إبراهيم؟ البنت عملت حاجة؟ يوسف لسه زي ما هو؟”
إبراهيم بص لسمّاعة التليفون، وخد نفس طويل وهو بيبص على باب أوضة يوسف المقفول، وقال بنبرة مليانة رعب: “الأسطورة بتصحى يا باشا… جهزوا المقابر، لأن يوسف السيوفي راجع.”

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *