**رماد الانكسار**ج3 حكايات شروق خالد

مرت الأيام والشهور زي القطار السريع، وجاء اليوم الموعود اللي مصر الجديدة كلها كانت بتتكلم عنه؛ يوم النطق بالحكم في محكمة جنايات القاهرة.
المحكمة كانت زحمة على آخرها، الصحفيين والمحامين وجيران العمارة كلهم حضروا عشان يشوفوا نهاية “أحمد وأمه”. سارة كانت قاعدة في الصف الأول، لابسة بدلة رسمية كحلي شيك، وجنبها الحاج مصطفى بطوله وهيبته اللي تمنع أي حد يقرب، وطارق أخوها واقف وراهم زي الحرس.
على الناحية التانية، في قفص الاتهام، كان منظر أحمد وإلهام يقطع الخميرة من البيت. أحمد دقنه كبرت وشعره بقى منكوش، والندم والخوف آكلين ملامحه. وأمه إلهام كانت لامة نفسها في ركن القفص، ماسكة في الحديد وبتترعش، ووشها بقى شبه الأموات بعد ما قضو الشهور اللي فاتت في التخشيبة وسط المجرمين بجد، وعرفوا يعني إيه تتبهدل في السجون.
حاجب المحكمة زعق بصوت جهوري: “محكمة!”
الكل وقف في ثانية، وحل سكوت تام في القاعة. دخل المستشار الجليل ووعلى وشه صرامة وهيبة العدالة. فتح الملف، وبص لقفص الاتهام بنظرة كلها قرف واشمئزاز، ونطق بالحكم اللي نزل على دماغ أحمد وأمه زي الصاعقة:
“حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء، أولاً: بمعاقبة المتهم أحمد بالاشغال الشاقة المؤبدة لمدة خمسة وعشرين عاماً عما أسند إليه من جرائم الضرب المفضي إلى إجهاض والتزوير والإكراه. ثانياً: بمعاقبة المتهمة إلهام بالسجن المشدد لمدة خمسة عشر عاماً لاشتراكها وتدبيرها للجر*يمة. ثالثاً: شطب المتهم الثالث المحامي من نقابة المحامين وسجنه عشر سنوات.”
إلهام أول ما سمعت الحكم صرخت صرخة مكتومة ووقعت من طولها على أرضية القفص مغمى عليها، وأحمد مسك في الحديد وبدأ يصرخ بهستيريا ويبكي ويزعق: “حرام عليكم! عمري ضاع! سارة سامحيني يا سارة!”
سارة ميرمش ليها جفن، مبكتش، ومبصتش عليه بنظرة شفقة واحدة. لفت وشها ببطء وبصت لأبوها الحاج مصطفى اللي ابتسم لها ابتسامة خفيفة مليانة فخر، وطبطب على إيدها.
خرجوا من قاعة المحكمة وسط فلاشات كاميرات الصحافة، وسارة كانت ماشية بخطوات ثابتة وقوية، حاسة إن روح ابنها اللي راحت ظلم ارتاحت في قبرها، وإن الوجع اللي عاشته اتحول لقوة مفيش بشر على الأرض يقدر يكسرها تاني.
أول ما طلعوا على سلم المحكمة، والهوا النضيف خبط في وشها، سارة بصت للسما وخدت نفس طويل، ولفّت للحاج مصطفى وقالت له بصوت دافي وثابت: “يلا بينا يا بابا.. نرجع بيتنا.”

حكايات شروق خالد

ركبوا العربية الجيب السودا بتاعة الحاج مصطفى، وطارق هو اللي كان بيسوق وهو حاطط إيده على الدريكسيون وباصص في المراية وبيمسح دموع فرحة مكتومة. العربية مشيت في شوارع مصر الجديدة الواسعة، والشمس كانت دافية وبترسم خيوط نور على قزاز العربية، وكأن الدنيا كلها بتبارك لسارة على رجوع حقها.
لما وصلوا بيت العيلة، سارة نزلت ودخلت شقتها القديمة، الشقة اللي شهدت طفولتها وضحكتها قبل ما تدخل سجن أحمد. دخلت أوضتها، وقفت قدام المراية، وبصت لوشها.. الكدمة اللي كانت معلمة على خدها راحت، والكسرة اللي كانت في عينيها اختفت، وحل مكانها نضج وقوة لست عرفت قيمتها بجد.
فتحت الدولاب، طلعت لبس المستشفى اللي كانت شايلاه في كيس أسود—اللبس اللي كان مليان دم ووجع الليلة المشؤومة دي. نزلت المطبخ، ولعت عين البوتاجاز، ورمت الهدوم دي في طبق صاج كبير وولعت فيها النار. فضلت واقفة بتراقب الهدوم وهي بتتحول لرماد، ومع كل حتة قماش بتتحرق، كانت بتحس إن الوجع، والخوف، والضعف بيتحرقوا هما كمان ومش هيحضروا في حياتها تاني.
الحاج مصطفى دخل عليها المطبخ، شم ريحة الحريق وبص للرماد، وبعدين بص لعينيها وفهم كل حاجة من غير ما تنطق بكلمة. قرب منها، وحط إيده الحنينة الكبيرة على كتفها وقال بنبرة هادية وراسخة: “الماضي اترمى في النار يا سارة… من بكرة، فيه صفحة جديدة تماماً بتبتدي.”
سارة ابتسمت وهزت راسها: “فعلاً يا بابا… أنا هقدم على ماجستير في إدارة الأعمال زي ما كنت حالمة زمان، وهنزل أشتغل في الشركة معاك ومع طارق. أنا مش هسمح لثانية واحدة من عمري تضيع في الزعل على ناس متستاهلش.”
بعد سنة كاملة…
كانت سارة واقفة في قاعة المؤتمرات الكبرى في القاهرة، لابسة بدلة رسمية بيضاء أنيقة، وبتستلم جائزة أفضل مشروع ناشئ لتمكين المرأة والمعيلات في مصر. القاعة كلها كانت بتصقف بحرارة، وفي الصف الأول كان قاعد الحاج مصطفى، لابس بدلته الرسمية القديمة برتبها ونيشانها، وجنبه طارق بيبتسم بفخر.
سارة مسكت المايك، وبصت للجمهور وقالت بصوت قوي وواضح هز أركان المكان: “الجائزة دي مش ليا لوحدي… الجائزة دي لكل ست افتكرت في يوم إن ملهاش ضهر، ولكل أم اتكسرت وافتكرت إن حقها ضاع. وبقول لكل بنت؛ خليكي قوية، ومتقبليش بالقليل، لأن الضهر الحقيقي هو كرامتك… وأهلك اللي بيحبوكي بجد.”
لفت سارة بعينيها وبصت لأبوها، ورفعت الجائزة لفوق، والحاج مصطفى وقف بكامل طوله وهيبته وسط القاعة، وصقف لبنته وهو عارف إن “بنت الجيار” مش بس رجعت حقها… دي بقت هي الضهر والسند لكتير غيرها.

**رماد الانكسار**

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *